عربي
لم يكن الصباح مختلفاً بما يكفي ليُنبَّه المرء إلى أن شيئاً ما يستعدّ لتغيير إيقاع العالم كلّه، ربما انطلاقاً ممّا يحدث في منطقة الخليج. الضوء نفسه الذي يدخل الغرفة كلّ يوم كان يتسلّل بهدوء عبر شق الباب، والبيت كان يستيقظ ببطئه الرمضاني المعتاد، كأنه لم يعرف بعدُ ما كانت الأخبار تستعدّ لإعلانه بعد قليل.
في تلك اللحظة تحديداً، كان كلّ شيء يبدو عادياً على نحو يثير الريبة حين نتذكّره لاحقاً؛ فالحروب، على عكس ما نتخيّل، لا تبدأ دائماً بصوتٍ مدوٍّ، بل تبدأ غالباً بارتباكٍ خفيف في اللغة، وبجملةٍ إخبارية تبدو للوهلة الأولى كأنها مجرّد خبر عابر. هذه المرّة، بدأت الحرب لديّ بصوت مدوٍّ، وبعاصفة من الأخبار التي اجتاحت هاتفي.
وصل الخبر الأول كما تصل الأشياء التي لا نريد تصديقها: بارداً، مختصراً، ومشحوناً بما لا تقوله الكلمات. لم يكن الصوت عالياً، لكن المعنى كان كافياً ليوقظ في القلب تلك الغريزة القديمة التي يعرف بها المرء أن العالم على وشك أن يميل قليلاً عن توازنه. للحظةٍ قصيرة، تمنّيتُ أن الأمر لن يتجاوز جولةً عابرةً من التصعيد، لكن شيئاً في نبرة الأخبار كان يوحي بأن هذه المرّة مختلفة، وأننا على أعتاب أيامٍ لن يكون من السهل أن تمرّ.
حين تبدأ الحرب، لا تغيّر الخرائط فحسب، بل تغيّر أيضاً طريقة النظر إلى الأشياء الصغيرة. فجأةً يصبح صوت الهاتف أكثر ثِقلاً، وتصبح الرسائل القصيرة أشبه بطرقاتٍ خفيفة على باب القلب. الأصدقاء يتصلون لا ليقولوا شيئاً محدّداً، بل ليتأكدوا فقط من أن الآخرين ما زالوا هنا، وأن العالم لم ينكسر تماماً. بعضهم يكتفي بجملةٍ قصيرة، وبعضهم يملأ الصمت بكلماتٍ كثيرة، كأن الكلام بحدّ ذاته يمكن أن يردّ الخطر أو يؤجّل وصوله.
خرجتُ إلى فناء البيت كما يفعل المرء حين يريد أن يتأكّد من أن السماء ما زالت في مكانها. كانت السماء صافيةً على نحو يكاد يكون استفزازياً؛ ذلك الصفاء الذي يجعل فكرة الحرب تبدو غريبة، كأنها خطأ في النصّ الذي يكتبه العالم. الطيور كانت تمضي في طريقها المعتاد، والسيارات تمرّ في الشارع بنغمة الحياة اليومية نفسها، تحت وقع أصوات هائلة تمزّق السكون، مختلطة بصوت صفّارات الإنذار.
في مثل هذه اللحظات، يبدأ الزمن بالتمدّد بطريقة غريبة. الساعة الواحدة تبدو أطول من المعتاد، والنهار الرمضاني يمتلئ بتفاصيل لم نكن ننتبه لها من قبل. الأخبار تتلاحق، والتعليقات تتكاثر، والأطفال يخافون، والوجوه التي تظهر في الشاشات تتغيّر بسرعة، لكن الحقيقة الوحيدة التي تبقى واضحةً هي أن القلق صار جزءاً من الهواء.
ما يربك المرء في اليوم الأول من الحرب ليس فقط ما يحدث، بل ما يفتحه ذلك الحدث من أبواب الذاكرة. فجأةً تعود صورٌ قديمةٌ كان الظنّ أنها نامت في أعماق الروح. كنت أفكّر في تلك المفارقة التي تجعل المرء يقف بين شعورَين متناقضَين: رغبة في متابعة كلّ خبر، ورغبة أخرى في إغلاق العالم قليلاً كي يستطيع القلب أن يلتقط أنفاسه.
الأخبار في زمن الحرب لا تُقرأ كما تُقرأ الأخبار في الأيام العادية؛ فهي تدخل إلى الداخل مباشرة، من دون أن تستأذن العقل. ومع تقدّم النهار، أصبحت الحرب جزءاً ملموساً من واقعنا. لم تعد المسألة مجرّد متابعة لما يحدث في نشرات عاجلة، بل إحساساً ثقيلاً بأن الخليج كلّه صار غرفةً واحدة يتردّد فيها الصدى نفسه. الرسائل تتدفّق في الهواتف: تسجيلات، مقاطع، تعليقات، صور، إشاعات، أكاذيب... وحقائق (!).
في البيت، ظلّت تفاصيل رمضان قائمةً كما هي بانتظار مدفع الإفطار. لكن خلف ذلك كلّه، كان هناك شعورٌ خفي بأن المنطقة كلّها تعيش على إيقاعٍ جديد، إيقاعٍ يختلط فيه العادي بالطارئ، وتتحوّل فيه أبسط التفاصيل اليومية إلى علامات صغيرة على أن العالم الذي نعرفه يتغيّر بسرعة.
عندما ارتفع صوت المؤذّن يؤذّن للمغرب، لم يكن الدعاء هذه المرّة مجرّد عادةٍ يومية، بل كان يخرج من الأعماق لحماية هذه الأرض وهذا الوطن.
