عربي
خلال فترة كورونا بدا أن العالم استفاد وتعلم عدداً من الدروس في ما يخص سلاسل التزويد أو التوريد والانفتاح على التجارة العالمية ومسائل تتعلق بالأمن الغذائي. فحين ضربت جائحة كوفيد-19 العالم عام 2020، كشفت عن وهن البنية التحتية للتجارة الدولية، ففي الربع الثاني من ذلك العام تراجع حجم تلك التجارة في السلع بنسبة 12.2%، فيما تراجعت تجارة الخدمات بأكثر من 20 % مقارنةً بالربع الأخير من العام 2019، وكان المشهد أشد وطأة حين تبين هشاشة القطاعين الصحي والصناعي.
قبل الجائحة، كان 25% من الإنتاج الصناعي العالمي يتركز في الصين وحدها، وحين تعطلت الصين، توقف العالم معها، وتبع ذلك ارتفاع تكاليف شحن الحاويات من الصين إلى الولايات المتحدة بما يزيد على الضعفين خلال عامَي 2020 و2021، وكان من المأمول أن الأزمة نجمت عنها استراتيجيات جديدة، إذ بدأت الشركات تُعيد رسم خرائط التزويد وأخذت الحكومات تتحدث بجدية عن "مرونة سلاسل الإمداد" لأول مرة بوصفها ضرورة أمنية.
وكانت رسائل الدول المتضررة واضحة: الاعتماد على مورد واحد او عدد قليل لم يعد مقبولاً لا أمنياً ولا اقتصادياً. ومن خلال الاختناقات التي حصلت خلال تلك الفترة كان واضحاً أن هناك ما يمكن وصفه بالاستدارة الداخلية: أي التركيز على البناء الداخلي في ما يتعلق بالإنتاج المحلي والأمن الغذائي وتقليل الاعتماد على الخارج.
وواجه العالم أزمة اقتصادية عميقة تمثلت بتراجع الناتج المحلي الإجمالي في معظم دول العالم. وفي الوقت نفسه شهد العالم ارتفاعاً كبيراً في أسعار العديد من السلع بسبب نقص التزود، هذا الركود التضخمي لم يكن مسألة معهودة على مدى العقود السابقة، وفي العادة عندما يحدث يرتبط بمتغيرات مثل أسعار الفائدة وتذبذب أسعار الصرف وارتفاع معدلات البطالة نتيجة تراجع الإنتاج المحلي، ولكن ما حدث هو أن المعروض تراجع لأسباب لوجستية بحتة نجمت عن انتشار فيروس كورونا، وهو حدث استثنائي قاد أيضاً إلى خلاصات مختلفة.
وبدا في حينه أن الكثير من الدول بدأت تخط طريقاً مختلفاً، على سبيل المثال استثمرت الولايات المتحدة مئات المليارات من الدولارات لاستعادة صناعة الرقائق الإلكترونية وإحياء التصنيع المحلي لأشباه الموصلات، وفي مجال الطاقة، أسفر قانون خفض التضخم Inflation Reduction Act عن استثمارات بالمليارات في الطاقة النظيفة المحلية، ألغاه الرئيس دونالد ترامب لاحقاً، وعلى صعيد الاستجابة الرقمية تسارع اعتماد الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء في مراقبة سلاسل الإمداد على أن يستمر العمل حتى نهاية العام المقبل لاستكمال المنظومات الرقمية لمراقبة سلاسل الإمداد.
ولكن التنفيذ الفعلي يبرز تمايزاً واضحاً بين ما فعلته الحكومات والقطاع الخاص، ففي حين تحركت الحكومات لدواع أمنية واستراتيجية نوعت الكثير من الشركات الخاصة العملاقة من عدد الموردين، ولكنها لم تتمكن من العودة إلى الداخل وتوطين الصناعات الحساسة لأسباب تتعلق بالكلف وتوافر البنى التحتية والعمالة الملائمة للتصنيع، وما جرى فعلياً إعادة توزيع المخاطر وليس تقليلها والفرق كبير بينهما. وبات واضحاً أن الكثير من الدول حول العالم ولا سيما الآسيوية منها ما زالت تعتمد على عدد محدود من السلع الأساسية التي لا بد لها من المرور جغرافياً عبر عدد من الممرات المائية مثل مضيق هرمز أو مضيق باب المندب وقناة السويس. كل ذلك يقودنا إلى الاستنتاج بأن الحديث عن تراجع منطقة الخليج بوصفها منطقة استراتيجية حيوية لبقية دول العالم يبدو مغايراً للواقع بالنظر إلى آثار الحرب الدائرة على أسعار السلع ولا سيما المرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بالنفط والغاز والطاقة الأولية بشكل عام، إذ لا يزال العالم يتعلّم بعد خمس سنوات من كوفيد - 19 أن هناك تقدماً في التنويع والرقمنة، ولكن سلاسل الإمداد العالمية لا تزال مكشوفة أمام صدمات الطاقة الكبرى، وأن الفجوة بين إعادة توطين المصانع وإعادة بناء منظومات إمداد لا تزال شاسعة، هذا إن كان بالإمكان إعادة بنائها.
وثبت أن العالم مع كل التحولات التي شهدها في السنوات الأخيرة بما يوصف بالانتقال إلى مصادر الطاقة الجديدة وتعزيز استخداماتها في النقل والتصنيع ما زال يعتمد بشكل أساسي على الموارد الطبيعية التي تتأتى بشكل أساسي من دول الخليج، فما إن أعلنت قطر تفعيل قانون "القوة القاهرة" وتوقف إمدادات الغاز إلى أسواق العالم إلا وشهد العالم ارتفاعاً كبيراً في أسعار الغاز الطبيعي المسال، كذلك الأمر حدث في أسعار النفط التي ارتفعت بنسبة تقترب من 50 % قبل أن تعود إلى مستويات أقل قليلاً.
وبغض النظر عن التذبذبات اليومية التي تشهدها الأسعار العالمية فإن العنوان الأبرز الذي يمكننا التوصل اليه هو أن التحولات العالمية في مجال الطاقة تجري بوتيرة أقل بكثير مما تتناقله وسائل الإعلام وبعض مراكز الأبحاث المرموقة، كذلك لم يحدث التحول إلى الداخل وتعزيز الاعتماد على المصادر المحلية التغييرَ المطلوب. في الخلاصة، هناك ثلاثة متغيرات ستحدد مسار الاقتصاد العالمي حتى منتصف العام الجاري وترتبط بمدة الصراع القائم ومصير الممرات المائية ومدى قدرة الاقتصاد العالمي على استيعاب موجة تضخمية جديدة. فالبنوك المركزية تجد نفسها في مواجهة معضلة كلاسيكية تتمثل بالاضطرار إلى رفع أسعار الفائدة لكبح التضخم المتأتي من أسعار الطاقة، مما قد ينجم عنه كبح النمو في اقتصادات تعاني أصلاً التباطؤ الاقتصادي.
ومن الواضح أن الاقتصاد العالمي المترابط يعني أن كل صدمة جيوسياسية هي بطبيعتها اقتصادية، والممرات المائية ليست مسارات ملاحية، بل تمثل عصب الاقتصاد العالمي، كذلك ركزت إعادة الاستدارة الداخلية والتوطين للصناعات التي تبعت أزمة كوفيد على قطاعات عالية القيمة مثل الرقائق والإلكترونيات لم تساهم كثيراً بتقليل حدة انكشاف سلاسل إمداد السلع الغذائية ومصادر الطاقة الأولية التي تشكل الأساس الصلب للصناعات والخدمات، وهو ما يتكشف الآن بوضوح.
