تعيد الحرب الجارية مع إيران تشكيل المنطقة بطرق تتجاوز كل التوقعات السابقة، وتدفع جميع الأطراف المنخرطة في الصراع، أو المتأثرة به، إلى إعادة تموضعها وإعادة النظر في الافتراضات التي لطالما وجّهت قراراتها؛ فما يحدث اليوم لا يقتصر على إعادة رسم توازنات القوة في المنطقة فحسب، بل يفرض على إيران وحلفائها في ما يُعرف بمحور المقاومة مواجهة أسئلة مؤجلة منذ زمن طويل: ما هي مصالحهم الحقيقية وأدوارهم الفعلية في الصراع مع الولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة؟ كيف ستؤثر الخيارات التي يتخذونها اليوم في مستقبلهم عندما ينقشع غبار هذه المواجهة؟
من هذه الزاوية تحديدًا يمكن قراءة الموقف الحوثي من الصراع؛ ففي الأسابيع الأخيرة انصبّ معظم التحليلات على سؤال ما إذا كان الحوثيون سيدخلون الحرب أم لا، لكن مع استمرار الجماعة في البقاء على الهامش، يصبح السؤال الأكثر دلالة هو: ماذا يعني استمرار عدم انخراطهم في الحرب حتى الآن؟
التفسير الأكثر شيوعًا يفترض أن الأمر يتعلق بالتوقيت، وحسابات مشتركة بين صنعاء وطهران. وفق هذا المنظور، قد يكون امتناع الحوثيين حتى الآن جزءًا من إدارة إيقاع التصعيد داخل المحور؛ بحيث يتم استخدام الجبهات المختلفة وفق حسابات عملياتية وسياسية أوسع، غير أن هذا التفسير ـــ على وجاهته ـــ ليس التفسير الوحيد الممكن لسلوك الجماعة.
ثمة احتمال آخر يتمثل في أن غياب الحوثيين عن هذه المواجهة يعكس حسابات مختلفة داخل الجماعة نفسها، تقوم على موازنة كلفة الانخراط في حرب إقليمية واسعة مقابل المخاطر التي قد تهدد حجم السلطة والنفوذ الذي راكمته داخل اليمن خلال العقد الماضي، خصوصًا إذا ما تحولت الحرب إلى مواجهة إقليمية طويلة ومفتوحة.
في الوقت نفسه، قد تدفع الخسائر التي يتكبدها حزب الله في لبنان، إلى جانب الهزات العميقة التي تشهدها إيران نفسها، إلى إثارة نقاشات صعبة حول مستقبل محور المقاومة وموقع الحوثيين داخله. إذا ما أصبحت قدرة طهران على الاستمرار في تقديم الدعم للجماعة في اليمن موضع شك، فإن السؤال لن يعود متعلقًا بتوقيت مشاركة الحوثيين في الحرب بقدر ما سيتركز على ما سيأتي بعد ذلك بالنسبة للجماعة؛ فهل ستواصل لعب دور ركيزة أساسية ضمن منظومة إقليمية تقودها طهران، أم ستسعى إلى إعادة تموضعها كقوة قادرة على العمل بقدر أكبر من الاستقلالية في ظل تحولات المشهد الإقليمي؟
إذا استمر مسار الحرب في الاتجاه الحالي، بحيث يترك النظام الإيراني ضعيفًا من دون أن يؤدي إلى إسقاطه بصورة حاسمة، فقد يعزز ذلك ميل الحوثيين إلى البحث عن ترتيبات بديلة: قد يتمثل أحد السيناريوهات في أن تتحول الجماعة تدريجيًا إلى مركز ثقل جديد داخل محور المقاومة، أو حتى إلى الركيزة الأيديولوجية الرئيسية للمحور في المرحلة المقبلة، خاصة في ظل الفراغ القيادي الذي خلفته عمليات اغتيال أمين عام حزب الله حسن نصر الله، والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي.
في ذات الوقت، قد تسعى الجماعة إلى استكشاف فرص جديدة قد تتيحها هذه المواجهة مع دول تعارض الهيمنة الغربية، وعلى رأسها روسيا والصين؛ فقد شهدت العلاقات بين بكين والحوثيين بالفعل تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، إذ توفر الجماعة للصين أداة منخفضة الكلفة نسبيًا لمنافسة النفوذ الغربي في الشرق الأوسط.
في نهاية المطاف، لا تبدو خيارات الحوثيين محدودة، لكن الطريقة التي سيتصرفون بها في هذه اللحظة المفصلية لن تؤثر فقط في مستقبلهم أو مستقبل اليمن، بل ستكون لها تداعيات بعيدة المدى على الأمن الإقليمي والدولي.
*نشر أولاً في مركز صنعاء للدراسات
___
الكاتب: ماجد المذحجي هو مؤسس مشارك ورئيس مركز صنعاء للدراسات، شغل سابقًا منصب المدير التنفيذي منذ عام 2014 حتى 2022. نُشرت أبحاثه ومساهماته حول اليمن في منصات أكاديمية وإعلامية مختلفة، وهو معلّق دائم عن الشؤون اليمنية في وسائل الإعلام العربية.
The post حرب إيران: لحظة فاصلة في مستقبل الحوثيين appeared first on يمن مونيتور.
أخبار ذات صلة.