عربي
ليست كلّ خصومة تستحق حرباً، وبعض الحروب لا تكون شجاعة بقدر ما تكون اسماً آخر للانتحار السياسي. والعرب، في هذه اللحظة المُلبّدة بالدخان والاحتمالات المفتوحة، لا يواجهون سؤالاً عن مدى خلافهم مع إيران، فذلك أمر قائم ومفهوم وله أسبابه الكثيرة، بقدر ما يواجهون سؤالاً أخطر: هل من الحكمة أن تتحوّل هذه الخصومة إلى حرب مباشرة؟ وهل يكون الدخول فيها دفاعاً عن الأمن العربي، أم اندفاعاً إلى معركة قد يدفع العرب ثمنها الأكبر، فيما يجني آخرون أرباحها السياسية والعسكرية والاقتصادية؟
السبب الأوّل أنّ الحروب لا تُقاس بصواب الغضب الذي يسبقها، بل بحجم الخراب الذي تخلّفه. والمنطقة العربية ليست في وضع يسمح لها بتجربة كارثة إضافية تحت أيّ عنوان. فالعالم العربي، في أكثر من موضع، لم يخرج بعد من آثار حروب سابقة، ومن انهيارات مُتراكمة في الدولة والمجتمع والاقتصاد، ومن تآكل طويل في الثقة بالمستقبل. هناك بلدان لا تزال تعيش ارتجاج ما بعد الصراع، وأخرى تحاول التقاط أنفاسها من أزمات داخلية خانقة، وثالثة تبني رهاناتها على الاستقرار وجذب الاستثمار والانفتاح الاقتصادي. إدخال هذا الجسد العربي المُتعب في حرب مباشرة مع إيران لا يمكن وصفه بأنّه حماية للإقليم، بل تعريض لهزّة قد لا تعرف المنطقة كيف تخرج منها، ولا متى.
لا تُقاس الحروب بصواب الغضب الذي يسبقها، بل بحجم الخراب الذي تخلّفه
وإذا كانت هشاشة المنطقة وحدها سبباً كافياً للحذر، فإنّ موقع الخليج في الاقتصاد العالمي يجعل المغامرة أكثر خطورة. فالخليج ليس ساحة هامشية يمكن أن تُضرب ثم تستمر الحياة من دون ارتدادات كبرى، إنّه قلب أساسي في معادلة الطاقة العالمية. ووفق وكالة الطاقة الدولية، عَبَر مضيق هرمز في عام 2025 نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط والمُنتجات النفطية، أي قرابة ربع تجارة النفط المنقولة بحراً في العالم، مع اعتماد كبير أيضاً على هذا الممرّ في تجارة الغاز الطبيعي المُسال. معنى ذلك أنّ الحرب مع إيران لن تكون مجرّد مواجهة عسكرية بين خصمين، بل تهديداً مباشراً لشريان اقتصادي عالمي تمرّ عبره مصالح العرب قبل غيرهم. ومجرّد اهتزاز الثقة بأمن الممرات، ولو لفترة قصيرة، كفيل برفع الكلفة على التأمين والشحن والطيران والاستثمار والطاقة.
ولهذا تحديداً، لا يمكن قراءة بعض الضربات الإيرانية الأخيرة بمعزل عن الطريقة التي تنظر بها طهران إلى الوجود العسكري الأميركي في الخليج. فبعض هذه الضربات قد تكون مفهومة عسكرياً من وجهة نظر طهران، من دون أن تكون مبرّرة سياسياً أو أخلاقياً، لأنّ تلك القواعد ليست حيادية (في نظر طهران)، بل جزء من بنية التهديد والاستعداد. صحيح أنّ دولاً خليجية أعلنت رفض استخدام أراضيها أو أجوائها لمهاجمة إيران، لكن منطق الحرب لا يقف دائماً عند التصريحات، بل ينظر إلى التموضع والجاهزية وقابلية الاستخدام ساعة القرار. لذلك قد يبدو الردّ الإيراني خاضعاً لاعتبارات عسكرية، وإن ظلّ مرفوضاً حين يطاول المطارات أو المصالح الوطنية أو المدنيين، غير أنّ المغزى الأهم ليس الدفاع عن إيران، بل إدراك أنّ التورّط العربي المُباشر سيحوّل هذا الاشتباك المحدود إلى خطر أشمل وأغلى كلفة.
ليس الخليج ساحة هامشية يمكن أن تُضرب ثم تستمر الحياة من دون ارتدادات كبرى، إنّه قلب أساسي في معادلة الطاقة العالمية
ولا تقف هذه الكلفة عند حدود النار والدخان، بل تمتدّ سريعاً إلى الاقتصاد. فالمنطقة العربية لم تتعافَ أصلاً من آثار الصراعات المُمتدّة وعدم اليقين. وصندوق النقد الدولي خفّض بالفعل توقّعاته للنمو في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مقارنة بما كان متوقّعاً سابقاً، مُشيراً إلى أنّ الصراعات وعدم اليقين والاضطرابات العالمية تضغط على النمو وتزيد المخاطر السلبية، فإذا كان هذا حال المنطقة وهي تحاول احتواء أزماتها، فكيف إذا أُضيف إليها انخراط عربي مباشر في حرب واسعة مع إيران؟ عندها لن تكون المسألة مجرّد ضربة وضربة مُضادة، بل اختباراً قاسياً لقدرة الاقتصادات العربية على تحمّل هزّات مُتزامنة في التجارة والطاقة والثقة والاستثمار والمالية العامة.
ومن الاقتصاد تتسع الصورة إلى بعدها الاستراتيجي الأوسع. فمن يدخل حرباً كهذه يجب أن يسأل من يضع تعريف النصر، ومن يتحكّم بسقف التصعيد، ومن يملك قرار الإيقاف. العرب، في الغالب، لن يملكوا شيئاً من ذلك كاملاً. أمّا القوى الكبرى، فهي أقدر دائماً على إدارة الحروب من مسافة، تبيع السلاح، تُعيد التموضع، تضغط سياسياً، ثم تترك أبناء الإقليم لامتصاص الصدمة وإعادة البناء. وهنا تكمن المعضلة الحقيقية، فقد يجد العرب أنفسهم في حرب لا يحدّدون بدايتها ولا نهايتها ولا حتى صورتها النهائية، فيما تتحوّل أرضهم ومياههم ومجالاتهم الجوية إلى فضاء اشتباك مفتوح لحسابات تتجاوزهم.
لا ينبغي للعرب أن يدخلوا حرباً مع إيران. لا لأنّ إيران بريئة، بل لأن الحرب ليست بريئة
وما يزيد الأمر خطورة أنّ بعض الخطاب المتحمّس لا يزال يفترض أنّ الحرب يمكن أن تضع حداً نهائياً للخطر الإيراني. وهذا وهم ينبغي كسره، فالتجارب الحديثة في المنطقة لا تؤيّد هذا التفاؤل الساذج، لأنّ الحروب الكبرى نادراً ما تنتج استقراراً فورياً، بل كثيراً ما تفتح أبواباً أوسع للفوضى، وتصعد بالفاعلين ما دون الدولة، وتوسّع نطاق الاستهداف، وتخلق ذرائع جديدة للتعبئة والتصلّب. وإذا شعرت طهران بأنّ المعركة أصبحت وجودية، وأنّ العرب دخلوا فيها مباشرة، فإنّ سقف الردود قد يرتفع لا ينخفض، وقد يصبح الخليج نفسه، ببناه التحتية ومرافئه ومطاراته ومصالحه، في قلب المسرح لا على هامشه. عندها لن يكون السؤال كيف نرد على إيران، بل كيف نحمي ما بقي من الإقليم من حرب خرجت عن كلّ حساب.
لهذا، لا ينبغي للعرب أن يدخلوا حرباً مع إيران. لا لأنّ إيران بريئة، بل لأن الحرب ليست بريئة. ولا لأنّ العرب عاجزون، بل لأنّ العاقل لا يختبر قوّته بإحراق بيته. الطريق الرشيد ليس الاستسلام لإيران، ولا الارتماء في حرب معها، بل منع تحويل الأرض العربية إلى منصّة اشتباك، وحماية الداخل العربي من أن يصبح ساحة ردود متبادلة، والتفكير بعقل الدولة لا بانفعال الجمهور. وبين الخصومة والانتحار، ليس المطلوب من العرب أن يرفعوا صوتهم أكثر، بل أن يرفعوا منسوب الحكمة قبل أن يجدوا أنفسهم يدفعون فاتورة حرب قد لا يكونون أصحابها، لكنهم سيكونون أوّل ضحاياها.