عربي
لا تزال الأغنية الشهيرة التي تساءلت بجرأة: "وين الملايين؟ الشعب العربي وين؟" حاضرة في الذاكرة العربية منذ الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987. كانت يومها صرخة غضب في وجه جرائم الاحتلال، ورمزًا للتضامن العربي مع القضية الفلسطينية، ومرآةً لوجدانٍ جمعي اعتبر فلسطين قضيته المركزية.
لكن السؤال نفسه يعود بإلحاح أكبر: أين تلك الجماهير؟ وأين الملايين؟ في ظلّ ما تتعرّض له القضية الفلسطينية ودول المنطقة من عدوان مفتوح يشنّه الكيان الإسرائيلي بدعم مباشر ومشاركة من الولايات المتحدة؟ وهل يرقى مستوى التحرّك الشعبي العربي والإسلامي لحجم الجرائم المُرتكبة بحقّ المدنيين في قطاع غزّة؟ أم أنّ الشعوب أُنهكت وأُغرقت في تفاصيل أزماتها الداخلية، حتى تراجعت قضاياها الكبرى إلى الهامش؟
لم يكن السؤال عن الملايين يومًا مجرّد كلمات في أغنية، بل كان يعكس تصوّرًا راسخًا لدى أجيال عربية كاملة بأنّ الشعوب لا تشبه حكّامها في المواقف، وأنّها أكثر التزامًا بقضاياها العربية والإسلامية من حسابات السياسة الضيقة، وقد حملت في وجدانها روحًا قومية وإنسانية ودينية تدفعها نحو الدفاع عن قضايا الأمّة العادلة، وفي مقدّمتها القضية الفلسطينية.
وفي الأدبيات السياسية العربية، ارتبطت أرض فلسطين التاريخية منذ نكبة عام 1948 بمقولات ثورية أصبحت جزءًا من الوعي العام للجماهير. ومن أبرزها ما قاله الزعيم جمال عبد الناصر: "ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة". لم تكن هذه العبارة مجرّد شعار سياسي، بل تعبيرًا عن فلسفة كاملة في مواجهة الاستعمار والاحتلال، تقوم على أنّ الحقوق والأرض والكرامة لا تُستعاد بالاستجداء، بل بالإرادة والمواجهة.
الحقوق والأرض والكرامة لا تُستعاد بالاستجداء، بل بالإرادة والمواجهة
هذا الفهم لم يكن حكرًا على التجربة العربية، بل شاركه كثير من الثوّار في العالم، مثل تشي غيفارا، الذي كان يرى أنّ الاستعمار لا يتخلّى عن هيمنته طواعية، وأنّ الشعوب لا تنال حريتها بكونها منحة، بل تنتزعها عبر النضال الطويل. ومن هنا، فإنّ مفهوم القوّة لم يكن يعني السلاح وحده، بل شمل أيضًا قوّة الموقف والكلمة والوعي والتنظيم الشعبي.
لذلك لم يكن التعويل على الجماهير في الخطاب العربي مجرّد حماسة عاطفية، بل استند إلى تجارب تاريخية أثبتت أنّ الحراك الشعبي قادر على إحداث تغيير حقيقي. فقد شهد التاريخ العربي والإسلامي انتفاضات وثورات ونضالات جماهيرية استطاعت، في لحظات معينة، أن تفرض إرادتها وتغيّر موازين القوى، بل وأن تهزّ أنظمة سياسية راسخة منذ عقود.
غير أنّ المشهد اليوم يبدو مختلفًا. فمع نتائج حرب الإبادة الإسرائيلية المدمّرة على قطاع غزّة، وما خلّفته من شهداء وجرحى بالآلاف ودمار غير مسبوق، يبدو الحراك الشعبي العربي والإسلامي محدودًا إذا ما قورن بحجم المأساة. فقد غاب الصوت الشعبي الفاعل في كثير من العواصم، وتراجعت أدوار النقابات والاتحادات المهنية والنخب الثقافية والسياسية، كذلك يتراجع حضور العلماء والدعاة والمؤثّرين، وكأنّ حالة من الصمت العام تُهيمن على المشهد.
مفهوم القوّة لم يكن يعني السلاح وحده، بل شمل أيضًا قوّة الموقف والكلمة والوعي والتنظيم الشعبي
هذا الغياب يفتح الباب أمام تساؤلات صعبة عن الفجوة بين الخطاب والممارسة. فلطالما رفعت الشعوب العربية شعارات نصرة فلسطين واعتبرتها قضية مركزية، لكن الواقع الراهن يكشف عن تباين واضح بين الشعارات التي رُدّدت لعقود، ومستوى الفعل الحقيقي اليوم على الأرض. وفي ظلّ هذا التراجع، يبدو الفلسطينيون، ولا سيما في غزّة، وكأنّهم يواجهون مصيرهم وحدهم أمام آلة حرب لا تتوقف، فيما تتصاعد التوتّرات في لبنان وإيران، وترتفع وتيرة الصلف والمطامع الإسرائيلية الأميركية لتضع المنطقة كلّها على حافة مواجهة إقليمية أوسع. ذلك يؤكْد حجم التحدي الذي تواجهه الشعوب العربية والإسلامية والدور الحيوي الذي يمكن أن تلعبه في قلب المعادلة لمصلحتها.
والمفارقة المؤلمة هنا أنّ مشاهد التضامن الشعبي في بعض العواصم الغربية بدت أكثر حضورًا وتأثيرًا من نظيراتها العربية. فقد شهدت مدن أوروبية مظاهرات حاشدة وتعبيرات تضامن واسعة مع القضية الفلسطينية وتنديداً بالعدوان، ما يثير تساؤلات عميقة عن خفوت صوت الشارع العربي والإسلامي في لحظة تاريخية بهذا الحجم.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل بعض النماذج التي أظهرت مستويات مختلفة من الدعم والمساندة. فقد برز الموقف اليمني بصورة لافتة، سواء على المستوى الشعبي أو الرسمي أو العسكري، إذ لم يتراجع حضوره في دعم الفلسطينيين رغم الظروف الصعبة التي يعيشها اليمنيون ورغم تعرّض بلادهم لعدوان إسرائيلي وأميركي بغية ثنيهم عن المواجهة والتضامن مع غزّة. وقدّم لبنان تضحيات كبيرة بعد انخراطه المُبكّر في جبهة الإسناد العسكرية للدفاع عن الشعب الفلسطيني المظلوم في غزّة.
تساؤلات عميقة حول خفوت صوت الشارع العربي والإسلامي في لحظة تاريخية بهذا الحجم
تشير هذه النماذج إلى أنّ مستوى الدعم لا يرتبط فقط بالإمكانات المادية، بل بالإرادة السياسية والشعبية والحقوق التاريخية والدينية أيضًا. فالشعوب التي تعاني ظروفًا قاسية يمكنها، مع ذلك، أن تجد طرقًا مختلفة للتعبير عن مواقفها ودعمها للقضايا العادلة.
هنا يبرز سؤال جوهري عن العلاقة بين الشعوب والأنظمة. فلطالما اعتمد الخطاب السياسي العربي على فصل واضح بين الطرفين، مُعتبرًا أنّ الشعوب بريئة من سياسات حكوماتها، وأنّ الفجوة بينهما كبيرة. غير أنّ الواقع الحالي يكشف أنّ هذه الفجوة لم تعد كما السابق، وأنّ بعض مظاهر الصمت واللامبالاة تطرح تساؤلات جدية عن مدى التزام الشعوب بمواقفها ودورها في الأحداث المصيرية.
وفي هذا السياق، لا تبدو حالة الصمت أو الاستكانة خيارًا آمنًا كما قد يظنّ البعض، بل قد تكون مدخلًا لمخاطر أكبر. فالتاريخ القريب يثبت أنّ تجاهل القضايا الكبرى أو التعامل معها ببرود لا يؤدي إلى احتوائها، بل يفتح الباب أمام اتساعها. وما تشهده المنطقة اليوم من تصاعد خطير في الصراع، يعكس حجم التوتّر الذي بات يهدد استقرار الإقليم بأسره. فالحروب حين تندلع في المنطقة لا تبقى محصورة في حدود جغرافية ضيقة، بل تمتدّ آثارها السياسية والاقتصادية والأمنية إلى الجميع. ولذلك فإنّ الاستمرار في الصمت أو التعامل مع ما يجري وكأنّه شأن بعيد قد يجعل المنطقة كلّها تدفع الثمن.
لذلك تبدو الحاجة ملحة اليوم إلى إعادة التفكير في معنى الدعم الشعبي للقضية الفلسطينية لكونها قضية مركزية ومحورية للأمة. فالقوّة الكامنة في الشارع العربي والإسلامي ليست مجرّد فكرة نظرية، بل حقيقة أثبتتها تجارب تاريخية عديدة، من الانتفاضات الشعبية إلى موجات الاحتجاج التي شهدتها المنطقة خلال العقد الماضي.
وإذا كانت تلك الشعوب قد استطاعت في لحظات معينة أن تهزّ أنظمة سياسية راسخة، فإنّ قدرتها على التأثير في قضاياها المصيرية لا تزال قائمة. وهذا يستدعي الخروج من حالة الصمت واللامبالاة، واستعادة الحدّ الأدنى من الفعل الجماهيري الذي يعكس حجم المأساة الإنسانية التي يعيشها الفلسطينيون في غزّة، بفعل الاحتلال. وهنا التحدي لم يعد مُقتصرًا عليهم وحدهم، بل يمتدّ إلى الخطر الداهم الذي يشكّله الكيان الإسرائيلي على المنطقة وشعوبها ومقدراتها. وقد باتت القضية الفلسطينية اختبارًا، ليس للأنظمة فحسب، بل أيضًا لضمير الشعوب ووعيها، وقدرتها على الدفاع عن نفسها وحماية مقدراتها وتاريخها ومستقبلها.