عربي
"قتلوه كما لو كان مصرياً"... عبارة قالتها والدة الباحث الإيطالي جوليو ريجيني، طالب الدكتوراه في الاقتصاد السياسي بجامعة كمبردج، الذي جاء إلى مصر لإنجاز بحث، فتعاملت معه الأجهزة الأمنية باعتباره جاسوساً، خطفوه وعذّبوه وقتلوه، وألقوا بجثّته في الطريق الصحراوي مشوّهة، وعليها آثار نزع أظافر يديه وقدميه، وتكسير أصابعه كلّها، و20 كسراً في عظامه، وطعنات متعدّدة في جسده، وتشوّهات في أذنيه وأنفه، وآثار حرق سجائر في جسمه كلّه، وصعق كهربائي في أعضائه التناسلية، ونزيف في الدماغ وكسر في العنق. تحوّلت عبارة والدة ريجيني إلى خبر يومي، لكن ليس في حقّ باحثين غربيين، بل في حقّ مصريين وسوريين وسودانيين، وغيرهم ممَّن لا ظهير لهم، مثل ريجيني الذي تسبّبت قضيته في "وجع دماغ" السادة أصحاب الفخامة كلّهم، من فخامة الرئيس إلى أصغر صاحب فخامة في الدولة (وفي العائلة).
ربّما يكون الحديث عن خطف مقيم سوري وترحيله أمام جرائم القتل اليومية في أقسام الشرطة وغيرها "رفاهية"، فعلينا وعلى أهله أن نحمد ربّنا أنه حيّ، لم يُقتل ولم يُعذّب، ولم يختفِ سوى ساعات قبل ترحيله. لكن أهمية ما حدث مع الصحافي السوري سامر مختار أنه واضح وفجّ ومباشر، لا تفاصيل يختبئ وراءها شياطين التبرير والتمرير؛ رجل يعرفه الجميع، حتى هؤلاء الذين يشاركون الدولة جرائمها بالصمت حينا، أو بتغطية هذه الجرائم بالحديث عن لفّ سفراء الدول الغربية المحشي في إفطار المطرية، بينما تشتعل الحرب في بقية الإقليم.
عاش الصحافي السوري سامر مختار في مصر ما يقارب 14 عاماً، وتزوّج صحافية مصرية، وأنجبا طفلاً مصريَ الأمّ والمولد والنشأة والجنسية. انتهت إقامة سامر منذ ثلاثة أشهر، وحاول تجديدها بالطرق القانونية كلّها من دون جدوى. ناشدت زوجته، الصحافية إيمان عادل، أجهزة الدولة تجديد إقامة طليقها حتى لا يُحرم ابنها من أبيه، من دون جدوى. لجأت إلى الوساطات كلّها من دون جدوى. جرّبت الطرق كلّها من دون جدوى. سجّلت فيديو مناشدة ليصل صوتها، ووصل، واستجابت الدولة، وتواصلت معها إدارة الجوازات، فنشرت مبتهجة بذلك، وقالت إن المشكلة حُلَّت، وإن الشكر موصول لكلّ من ساعد. وذهبت مع سامر وابنها إلى موعد تجديد الإقامة، فإذا به "كمين"، دخل سامر التفتيش الجنائي واختفى، وحين رأى ابنه أباه محاصراً بالضبّاط والعساكر، جرى نحوه ليحتضنه، فإذا بأحد رجال الشرطة يعتدي على الطفل الصغير بالضرب ويدفعه بعيداً، أمام أمّه وأبيه، وداخل أجهزة الدولة المصرية التي تقدّم لضيوفها ما تقدّمه لمواطنيها، كما يقول الرئيس في خطاباته، وكما هو واضح.
رُحّل الصحافي السوري الذي لم يرتكب جرماً، وكانت أوراقه سليمة، وكان يحاول تجديدها بالطرق القانونية، وكان أباً لطفل مصري وزوجاً لسيّدة مصرية. ومع ذلك رحّلوه، وحرموه من أسرته، وحرموا ابنه منه. تكشف قصة سامر مختار المسافة الشاسعة بين خطابات الدولة وممارستها، بين كلام الرئيس عن "عظيمات مصر" وقوانين دولة الرئيس التي تمنح الجنسية المصرية لزوجة الرجل المصري، بينما لا تمنحها لزوج المرأة المصرية؛ لا جنسية ولا إقامة ولا إجراء واحداً يحفظ استقرار أسرة مصرية وأمانها.
تكشف القصة الوجه الحقيقي لأجهزة الدولة التي لن يستطيع ألف مسلسل من إنتاج الشؤون المعنوية أن يُجمّلها: دولة تعدّ كمينا لرجل وزوجته وطفله، وتتصل به وتمنحه الأمان، وتوهمه بالاستجابة إلى مطلبه المشروع، ثم تخطفه وتهينه أمام ابنه وزوجته، وتضرب ابنه أمامه، وتُرحّله من دون اعتداد بموقفه القانوني السليم، ومن دون ذرّة عقل أو رحمة. هذه هي الدولة التي تدافع عن نفسها، وتدافع عنها كتائبها الإلكترونية المدفوعة والمتطوّعة "شكّك"، بأنها "شريفة في زمن عزّ فيه الشرف".
ربما يُسهم طلوع سامر "التريند" في تحسين أوضاعه، أو في تدارك جرائم استدراجه والاعتداء على ابنه وترحيله رغم سلامة موقفه. لكن قضية سامر وأسرته "صورة بالحجم الطبيعي للدولة المصرية". ... وغداً قريب.
