برتران بادي: ما بعد القوة والحرب – الطاقة الاجتماعية الغامضة
عربي
منذ 19 ساعة
مشاركة
يناقش أحدث مؤلَّف لأستاذ العلاقات الدولية والعلوم السياسية برتران بادي والصادر مؤخراً عن دار أوديل جاكوب الباريسية بعنوان "ما بعد القوة والحرب – الطاقة الاجتماعية الغامضة"، مفهوم القوة وتطوره في السياق المعاصر. مشيراً إلى أن بروز "طاقة اجتماعية" يسمح بمناهضة هذه القوة. وإذا كانت هذه الطاقة لا تَسُنّ القوانين، فإنها تُمكّن مع ذلك من التأثير نسبياً على أهمية القوة. ويتمثل الهدف في تحديد ما يميّز القوة القديمة عن القوة الجديدة من خلال مجموعة من المعايير، من بينها يُبرز المؤلف وجود انفصال جديد بين القوة والنظام، بحيث لم تعد الأولى قادرة على ضمان ديمومة الثاني. ويستدعي بادي مفهوم "عجز القوة" للتشكيك في فكرة عودة القوة، كما يسلّط الضوء على التوتر القائم بين "قوة يُعاد اختراعها بسذاجة" و"طاقة اجتماعية متعززة" يفلت صعودها من سيطرة الدولة. تطور قوة العامل الاجتماعي ومكانتها يحلّل برتران بادي وقائع جيوسياسية تاريخية عدّة لدراسة تطور القوة والمكانة المتزايدة للعامل الاجتماعي. ففي المقدمة، يشرح كيف تشكّل الطاقة الاجتماعية منعطفاً مقارنةً بفترة كان فيها "الشعوب تتحمّل سلبياً العداوات التي كان يفرضها عليها أميرها". ويعرّف هذه الطاقة بأنها "القدرة الكامنة في كل علاقة اجتماعية، خارج مؤسساتية أو شبه مؤسساتية، على التأثير في مسار العلاقات الدولية، إلى حد إعادة تشكيلها على نحو غير مسبوق". وفي مقابل ذلك، تقوم القوة على "فرض الإرادة على الآخر عبر المبالغة في تقدير السيادة الذاتية، وهو ما يؤدي في الوقت نفسه إلى الانتقاص من الحقوق السيادية للشريك". ويشير بادي إلى مزالق المقاربة التي تتحدث عن عودة القوة، لأنها في الواقع قد تحوّلت عمّا كانت عليه حتى عام 1945.  فهذه القوة الجديدة، وقد أصبحت أقل أيديولوجيّة وأقل قيمة وأقل قانوناً، تتسم بانفصالها عن النظام. فهي تدمّر من دون أن تبني شيئاً، ما يجعلها مكلفة وعقيمة في آن واحد، كما أنها تختلط بالليبرالية الاقتصادية المتطرفة.  الاستحواذ الاجتماعي منذ عام 1945، أدت العولمة، وتطور وسائل الاتصال، والتشابك المتزايد بين الاجتماعي والسياسي، وارتفاع مستوى التعليم عالمياً، إلى بروز مسار "الاستحواذ الاجتماعي" على العلاقات الدولية. ويمكن لهذه الطاقة الاجتماعية أن تتخذ أشكالاً متعدّدة؛ مقاومة، شغب، غضب، تعاطف، وتضامن. غير أن بادي يؤكد أنها في ذاتها ليست خيراً ولا شراً، لكنه يرى مع ذلك إمكانية بروز حساسية أرسطية "تُظهر طريق المصالحة وتضع أسس وفاق صريح ودائم، قادر على فرض السلام الحقيقي". الطاقة الاجتماعية تتخذ أشكالاً متعدّدة منها المقاومة والشغب والتضامن القوة اليتيمة وتعقد قراءة العالم يحمل القسم الأول عنوان "القوة اليتيمة"، ويشرح ما لم تعد عليه هذه القوة. فهي لم تعد وحدها المحرّك الحصري للمشهد الدولي، إذ انضمت إليها التحولات الكوكبية، والاحتجاجات الشعبية، وعدم اليقين الاقتصادي، ما يجعل قراءة العالم أكثر تعقيداً وغير قابلة للتنبؤ. ويؤكد بادي حصول فكّ ارتباط بين النظام الدولي والقوة، التي لم تعد كذلك الشكل الوحيد للتنافس العالمي. فهي تتجسد اليوم عبر سجلات متعددة، سياسي-عسكري، اقتصادي، ثقافي، ديني. ولم تعد القوة تترك أثرها، إذ يبدو حصادها عقيماً لأنها لم تعد تبني شيئاً بعد إقامة نظام عالمي ثنائي القطب في أعقاب الحرب العالمية الثانية. ويعزو بادي ذلك إلى أن "أسسها الأصلية باتت غير متلائمة مع معطيات العالم الجديد"، ولم تعد القوة وحدها سبب اندلاع الحروب، كما أنها لا تنجح في إنهائها. وأخيراً، لم تعد التحالفات تشكل رهاناً مركزياً للقوة، التي تعتمد أشكالاً أخرى من العلاقات بين الدول، أكثر سيولة وبراغماتية وأقل صلابة، يسميها بادي "اتحادات حرة" أو "تعدّد العلاقات العاطفية الدبلوماسية". ضعف فعالية القوة المعاد ابتكارها في القسم الثاني، المخصّص لتعريف "هذه القوة المُعاد ابتكارها"، يحلّل تغيّر البنية الذي يجعل آثار القوة أكثر تشتتاً وصعوبة في القراءة. فالقوة تُستعرض بكثافة ويستدعيها القادة، لكنها تبدو إلى حد كبير غير فعّالة. وهي في الواقع في طور إعادة التشكّل، مدفوعة خصوصاً بالطاقة الاجتماعية التي لا تكف عن تحدّيها. ومع تطور المشهد الدولي، تبدو القوة غير ملائمة. فمن جهة، يستعيدها رؤساء الدول، منجرفين تدريجياً نحو الشعبوية والحنين إلى "القوة القديمة الجيدة"، خوفاً من تراجع، بل وحتى اختفاء قدرتهم على الفعل. ومن جهة أخرى، يتغيّر المشهد الاقتصادي بفعل العولمة والنيوليبرالية. وهكذا تتشكّل ألفة غريبة بين القوة والليبرالية المتطرفة، تفضي إلى تطور قوة خام، مجرّدة من القيم، تعبّر عن قدر من الازدراء للقانون. وهذا ما يسميه بادي "القوة العارية". ويتساءل عندئذ عن طبيعة هذا التحول، فهل هو مجرد نزعة عابرة، أم إعادة تركيب حقيقية للقوة؟ وأخيراً، يخصَّص القسم الثالث لدراسة ميزان القوى بين القوة والطاقات الاجتماعية، فالحنين إلى "القوة الويستفالية" يصطدم بالاستحواذ الاجتماعي على القضايا الدولية، ما يؤدي إلى مواجهة متزايدة المباشرة بين الدولة وسكانها، الذين قد يمتلكون آراءً مختلفة حول قضايا دولية. ويرى بادي أن صعوبة القراءة تكمن في أن هذه الحركات غالباً ما تكون ضعيفة التنظيم ولا تعبّر عن نفسها أحادياً، ما يعقّد أيضاً تموضع الدولة في المقابل. ويعبّر مصطلح "الطاقة الاجتماعية" عن القدرة على إيقاظ الوعي الجماعي، حتى وإن ظلّ بناء نظام عالمي جديد خارج المتناول. ومع ذلك، فهي عامل جديد ينبغي إدماجه في تحليل العلاقات الدولية لتعزيز قراءة للعالم تقوم على التحويل التدريجي لمعاناة الآخر إلى قضية عالمية.  تدويل تدريجي للمعاناة الاجتماعية والغضب العابر للحدود يتحدث بادي هنا عن "تدويل تدريجي للمعاناة الاجتماعية"، كما يشرح تصاعد الغضب الذي يصبح عابراً للحدود، مع تدرّج من النفور إلى السخط. ويؤدي ذلك أيضاً إلى إعادة تأكيد الذاتية التي تعيد تشكيل العلاقة بالمؤسسات الدولية من زاوية الارتياب. وأخيراً، نشهد مساراً من الكونية مع نشوء أشكال تضامن جديدة، بوصفها "تحالفات الألفية الثالثة"، قائمة على التعاطف. يوضح كيف تتشكّل ألفة غريبة بين القوة والليبرالية المتطرفة في الخاتمة، يعود بادي إلى إعادة تشكيل القوة، التي تجعل النصر صعباً، على غرار الجيش الروسي، الذي يُقدَّم بوصفه ثالث أقوى جيش في العالم، لكنه غارق في نزاعه مع أوكرانيا. ويُعزى العجز عن بناء نظام بديل إلى عولمة تُضعف سيادة الدول وتُعقّد التنافس بين الدول بفعل الترابط المتبادل بينها. وإذا جرى تجاهل هذا الترابط، يصبح من شبه المستحيل بناء نظام عالمي جديد.  وتبرز الطاقة الاجتماعية عندئذ وسيلة لملء هذا الفراغ عبر هيكلة الآراء الدولية الحاملة للتعاطف والتضامن. وبالنسبة إلى بادي، يتمثل الأمر في "منح الإنسان تصريح إقامة طويل الأمد داخل الساحة الدولية" تمهيداً لظهور محتمل لقوة جديدة "أقل ميكانيكية وأكثر إنسانية". تتمثل الإضافة الأساسية للكتاب في إدخال مفهوم الطاقة الاجتماعية. وتشكل هذه الأصالة المفاهيمية نقطة قوة، لأنها تتيح أخذ هذا العامل الجديد في الحسبان لتفسير تحولات النظام الدولي، وتجديد التفكير في حدود القوة الكلاسيكية. ويعتمد بادي قراءة تاريخية مستمدة في معظمها من القرن العشرين، وكذلك من الراهن القريب وقراءة سوسيولوجية للعلاقات الدولية، لإبراز التوتر بين القوة الدولتية والديناميات الاجتماعية. * كاتب وباحث سوري مقيم في فرنسا

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية