عربي
بعد أكثر من عام على التحرير وسقوط نظام بشار الأسد، كان السوريون يظنون أن صفحة جديدة قد فُتحت في كتاب البلاد، وأن قطار العودة سيغصّ بالعائدين من المنافي. يحملون حقائبهم القديمة وذكرياتهم الثقيلة ويهبطون في المطارات والمعابر بقلوب تخفق كما لو أنها تعود من موتٍ طويلٍ إلى حياةٍ مؤجلة. كان المشهد المتوقع أن تمتلئ القرى بأصوات أبنائها، وأن تُضاء النوافذ التي أُغلقت قسراً، وأن تستعيد المدن ملامحها التي بهتها الخوف والغياب. غير أن ما جرى بدا معاكساً للتوقعات؛ فبدل أن تتكاثر أعداد العائدين، أخذت موجة هجرة جديدة تتشكل، موجة معاكسة تخرج من "سورية الجديدة" نحو أوروبا، بدوافع لجوء إنساني هذه المرة، كأن السوري محكومٌ بالارتحال حتى وهو يقف على أرضه.
حين يشعر الإنسان أن حياته يمكن أن تُختطف في لحظة، وأن العدالة ما تزال فكرةً نظريةً أكثر منها ممارسة فعلية، يعيد التفكير في معنى الاستقرار، ولو كان بعيداً عن أرضه
هذا التحوّل الصادم لا يمكن فهمه بوصفه نزوة جماعية أو مبالغة إعلامية، بل هو نتيجة شبكة معقدة من الأسباب التي تراكمت فوق جراح لم تندمل بعد، وجعلت فكرة العودة محفوفة بالقلق أكثر مما هي محاطة بالأمل. أول هذه الأسباب هو الواقع الأمني المرتبك الذي أعقب سقوط القبضة الحديدية؛ فالدولة التي وُلدت من رحم الفوضى لم تستطع بعد أن تبسط سيادتها الكاملة، وتحوّلت بعض المناطق إلى ساحات نفوذ متنازعة، تتناوب عليها مجموعات مسلحة، وتتداخل فيها الولاءات المحلية مع الحسابات الإقليمية. في هذا المناخ، أصبحت حوادث الخطف والقتل الثأري شبه يومية، لا تميّز بين مذنب وبريء، ولا بين من بقي ومن عاد. وحين يشعر الإنسان أن حياته يمكن أن تُختطف في لحظة، وأن العدالة ما تزال فكرةً نظريةً أكثر منها ممارسة فعلية، يعيد التفكير في معنى الاستقرار، ولو كان بعيداً عن أرضه. ليس الخوف شعوراً عابراً في مجتمع خرج لتوّه من حرب طويلة؛ إنه ذاكرة تسكن الأجساد، وأي صوت مرتفع أو حادثة غامضة قادرة على إيقاظه من سباته. لذلك، لم يكن غريباً أن يكون جزء كبير من المهاجرين الجدد من الأقليات التي عاشت تجارب قاسية خلال عام ونيف من الحكم المؤقت، منها من تعرض لمجازر أو حملات انتقام في مناطق مثل الساحل والسويداء، حيث اختلط السياسي بالطائفي، وتداخلت مطالب العدالة مع رغبات الثأر.
حين يشعر أبناء هذه المكونات أنهم مستهدفون أو مكشوفون بلا حماية كافية، يبحثون عن ملاذ آمن، حتى لو كان ذلك يعني عبور البحار من جديد. ولا يقتصر الأمر على الأمن بمعناه الضيق؛ فالأمن الاقتصادي والاجتماعي لا يقل أهمية. بلد أنهكته الحرب يحتاج إلى سنوات طويلة ليعيد بناء بناه التحتية ومؤسّساته، وإلى موارد هائلة ليخلق فرص عمل تحفظ كرامة الناس. اصطدم عائدون بواقع البطالة وغلاء المعيشة وغياب الخدمات الأساسية، فاكتشفوا أن الحنين وحده لا يطعم خبزاً، وأن الوطن، كي يكون قابلاً للعيش، يحتاج إلى أكثر من الشعارات. المدارس التي دُمّرت أو تدهورت، المستشفيات التي تعاني نقصاً في الكوادر والتجهيزات، الكهرباء المتقطعة، والمياه الشحيحة، كلها تفاصيل يومية تتحول إلى عوامل ضغط تدفع الإنسان إلى التفكير في مستقبل أطفاله خارج الحدود. فوق ذلك، هناك أزمة ثقة عميقة بين المواطن والدولة، وهي أزمة لا تُحل بإعلان سياسي أو تغيير أسماء الشوارع. سنوات القمع والخوف زرعت شكاً متبادلاً؛ المواطن يخشى أن تتبدل الوجوه وتبقى الذهنيات، والدولة تخشى من فوضى المطالب وتعدد الأصوات. بناء الثقة يحتاج إلى عدالة انتقالية شفافة، تعترف بالضحايا، وتحاسب المسؤولين عن الجرائم، وتفتح المجال لمصالحة سورية حقيقية لا تقوم على النسيان القسري بل على الاعتراف والإنصاف. من دون هذا المسار، تبقى الجراح مفتوحة، ويظل كل حادث أمني صغير قابلاً للتحوّل إلى فتيل أزمةٍ كبيرة. كما أن الخطاب العام يلعب دوراً حاسماً؛ فحين يسود خطاب إقصائي أو انتقامي، حتى لو صدر عن أفرادٍ لا يمثلون الدولة رسمياً، يرسل إشارات سلبية إلى الفئات الهشة، ويعزز شعورها بأنها غير مرحب بها في "الوطن الجديد".
الوطن ليس ساحة صراع بل مساحة حياة، يؤمن بالإنسان قبل أي شيء، ويضع الحرية في قلب تعريفه لذاته
في المقابل، يحتاج السوريون خطاباً جامعاً يؤكّد أن المواطنة هي الأساس، وأن التنوّع ليس عبئاً بل ثروة، وأن لا أحد يُسأل عن هويته بقدر ما يُسأل عن التزامه بالقانون. ولعل أحد أهم أسباب الهجرة العكسية الفجوة بين التوقعات والواقع؛ فقد رُسمت صورة وردية عن مرحلة ما بعد التحرير، صورة توحي بأن سقوط النظام سيعني تلقائياً ولادة دولةٍ عادلةٍ مزدهرة. لكن الانتقال من الاستبداد إلى الاستقرار ليس قفزة سحرية، بل مسار شاق مليء بالتعثرات. حين يكتشف الناس أن الطريق أطول مما ظنّوا، وأن التضحيات لم تثمر بعد نتائج ملموسة، يتسلّل إليهم الإحباط، ويبحث بعضُهم عن خلاصٍ فرديٍّ بدل انتظار خلاص جماعي قد يتأخر.
مع ذلك، لا ينبغي أن يُختزل سؤال العودة في معادلة الخوف مقابل الأمان فحسب؛ إنه سؤال يتعلق بالمعنى والكرامة والانتماء. كي يطمئن السوري ويعود، يحتاج إلى شعور بأن حياته مصونة بالقانون، وأن الدولة تقف على مسافة واحدة من جميع أبنائها، وأن أي اعتداء عليه سيُقابل بإجراءات عادلة وسريعة. يحتاج إلى مؤسّسات أمنية مهنية خاضعة للرقابة، لا مليشيات متنازعة. يحتاج إلى قضاء مستقل لا يخضع للضغوط، وإلى إعلام حر يكشف الخلل بدل أن يبرره. يحتاج أيضاً إلى فرص اقتصادية حقيقية، ومشاريع إعادة إعمار شفافة تتيح للمغتربين الاستثمار والمشاركة، لا أن تُدار في غرف مغلقة. لا يُبنى الأمان بالسلاح وحده، بل بالعدالة والوظيفة والمدرسة والمستشفى. كما أن على المجتمع نفسه دوراً لا يقل أهمية؛ فالتعايش لا يُفرض بمرسوم، بل يُصنع في الحياة اليومية، في الحي والجامعة ومكان العمل. حين يرى المواطن أن جاره المختلف عنه في الدين أو العرق شريكٌ في الحلم ذاته، وأن الخلاف السياسي لا يتحول إلى عداوة وجودية، يبدأ الإحساس بالوطن في الترسخ. الوطن الحقيقي ليس مجرد جغرافيا تُستعاد، بل عقد أخلاقي بين الناس، يضمن لكل فرد حقه في أن يكون نفسه بلا خوف. ربما تمر سورية بمرحلة مخاض طويلة، وربما تتعثر خطواتها أكثر من مرّة، لكن الهجرة العكسية ليست قدراً محتوماً إذا ما توفرت الإرادة السياسية والرؤية المجتمعية لبناء دولة قانون. عندها فقط يمكن أن تتحول العودة من مغامرة محفوفة بالمخاطر إلى خيار طبيعي، وأن يشعر السوري، أياً كان انتماؤه، أن له مكاناً آمناً في بلده، وأن الوطن ليس ساحة صراع بل مساحة حياة، يؤمن بالإنسان قبل أي شيء، ويضع الحرية في قلب تعريفه لذاته. حين يتحقق ذلك، لن تكون العودة واجباً وطنياً يُملى على الناس، بل رغبة صادقة تنبع من الطمأنينة، ويصبح السفر استثناء لا قاعدة، ويستعيد السوريون حقهم البسيط في أن يعيشوا حيث يحبون، لا حيث يضطرّون.

أخبار ذات صلة.
غضب قبلي يتصاعد في رداع ضد الحوثيين
الشرق الأوسط
منذ 4 دقائق
صرخة في المضيق !
العربي الجديد
منذ 11 دقيقة