عربي
أثناء ظهوري الإعلامي على إحدى الفضائيات العربية، أعاد الضيف لوكَ التُهمة المملة والأسطوانة المشروخة، عن العلاقة بين الكرد وإسرائيل. وكان رد فعلي الطبيعي أني وصفت تلك التهمة بـ"المسكة" أو "العلكة" وفق الوصف السوري، المستهلكة والمستعملة والتي آن لها أن تُرمى في سلة المُهملات. فليس أصعب على شعبٍ أن يُطالَب بإثبات وجوده وبراءته ووطنيته كلَّ صباح، أو في كل حوار ولقاءات. لذا أما آن لهذه الذهنية أن تتغير؟ ألم يعد من الأحقية بمكان اشتراك السوريين بعضهم مع بعض لبناء سردية وذاكرة جماعية جديدتين؟
تدور في مُخيلة الكردي أسئلة عديدة، هل ستعيش الأجيال الكردية القادمة ما عاشه أسلافها عقوداً طويلة من المحق؟ بمعنى هل سنعيش ومن يأتي بعدنا بين اعتراف ناقص وإنكارٍ كامل. بين شعبٍ يئن تحت ضربات "الشركاء" وتوقع متعرج ما بين الأفضل والأسوأ، أم هل سيبقى الكردي محتاراً بين وطن يقول لهم "أنتم منّا" وسلطة أو نظام يتصرف معهم كأنهم طارئون على هذه البلاد.
لا أرغب في الحديث كثيراً عن فاشية حكومات الانفصال والأسد والبعث ضد الكرد، فهي أصبحت واضحة ومعلومة للجميع، رغم ذلك يتجاهلونها. ففي ستينيات القرن الماضي، لم يكن الإحصاء الاستثنائي مجرّد إجراء إداري، بل لحظة تأسيسية لذاكرة جريحة. لحظة حول ناظم القدسي الكرد من مواطنين إلى فاقدي الشرعية القانونية والمواطنة، للعيش في هذه البلاد التي جاءت بها الاتفاقيات الدولية، جعلت من أبناء هذه الأرض أرقاماً مُعلّقة.
مع انطلاقة شرارة الثورة، تحوّل الكرد إلى فاعل سياسي وعسكري، بات من الصعب تجاهله. وأصبحت أسماء مدن كردية تتردد في أروقة العواصم الكبرى
ثم جاء الأسد والبعث، لتتراكم طبقات التهميش من سياسات التعريب إلى منع اللغة، مروراً بالتضييق الثقافي، وحزام عربي رسمته السلطة قسراً، لتتشكّل اللوحة الجغرافية بحيث تكون لكل قرية كردية على طول الطريق الدولي وخط العشرة الزراعي قرية للعرب المغمورين؛ نسبة إلى غمر سد الفرات ديارهم.
للفيلسوفة حنّة أرندت مقولة مهمة، يُمكن توظيفها في صراع التاريخ والجغرافية والهويّة الكردية مع الأنظمة: أخطر ما يمكن أن يُسلب من الإنسان الحق في أن يكون له حق. تختصر هذه العبارة حكاية الكرد في سورية عقوداً؛ ليس لجهة الحقوق المدنية المقيّدة فحسب، بل للشعور الدائم بأن السماح للوجود الكردي نفسه مشروط بموافقة السلطة. وهذا الوجود المشروط، يجعل من الهويّة في حالة دفاع دائم، وتتحول اللغة إلى مقاومة، وتنحصر الذاكرة في السياسة فحسب، والأكثر خطورة أن تتحوّل الذاكرة إلى سجنٍ للمستقبل.
غريبٌ أمر السلطة في دمشق! لا تُتعب نفسها في البحث حول كيفية تحويل الذاكرة من الظلم إلى مشروع جامع؟ هل يُمكن البحث في إعادة صياغة الألم عبر لغة العدالة، لا الخطابات الثأرية والتشفي وعقدة الاستعلاء والأفضلية. لعل أهم قاعدة على السلطة أن تعيها في تعاملها مع الكرد أنهم شعب صاغ هويّته السياسية بوعي كبير بذاته، ويحمل حساسات كثيرة تجاه فكرة الشراكة. علماً أن أيّ هويّةٍ، والكردية ليست استثناءً، حين تُحاصر طويلاً فإنها تميل إلى الانغلاق. والتحدي اليوم هو في كيفية الحفاظ على الهويّة نافذةً لا جداراً.
مع انطلاقة شرارة الثورة، تحوّل الكرد إلى فاعل سياسي وعسكري، بات من الصعب تجاهله. وأصبحت أسماء مدن كردية تتردد في أروقة العواصم الكبرى. ورغم الحركية الكبيرة للتحالف والصحافة العالمية، والجهات المانحة الدولية، لكنها لم تُلغ هشاشة الجغرافية، ولم تُخفف من حدّية التوترات الإقليمية، ولم تُنه الشكوك المتبادلة في الداخل السوري، ولم يتمكن الكرد من لمّ شملهم على كلمة ومشروع موحّدين. وكأن المشهد تحول إلى مفارقة عجيبة: حضور قوي على الأرض، ووجود دائم في أروقة المعارضة، وغموضٌ في الأفق.
وفي المشهد المُقابل، لم يتنازل بشار الأسد، وهو في أدنى درجات ضعفه وهوانه، للاعتراف بالكرد ولغتهم وأعيادهم، أو مجرد التفكير في ترميم الخلل التاريخي للكرد. ليصدر الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية أحمد الشرع مرسوماً تشريعياً رقم 13. وقد أحيط ذلك بكثير من الحديث عن تسويات وتنظيمات مقبلة، لكنه كشف عن حدود مقاربة رسمية أو ناقصة، لمعالجة إجرائية لملف بنيوي. يقول الحقوقيون والسياسيون الكرد إنه أول مرسوم يُقدّم اعترافاً صريحاً بالوجود الكردي، وبُنية صلبة يُمكن البناء عليه، لكنه اعترافٌ منقوص. وتشخيص مكامن الضعف لا يقتصر على مضمون النص، بل في روحه أيضاً؛ إذ تعامل مع القضية بوصفها مشكلةً تقنيةً يمكن احتواؤها، وليست قضية مواطنة متساوية تحتاج إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن السوري، وتعريف المواطن السوري. هذا الاعتراف، وفق هذا المرسوم، لا يُفضي إلى بناء شراكة دستورية حقيقية، ويُخشى أن تبقى خطوةً ناقصة، في ما يشبه منزلاً بواجهة مُرمّمة حديثاً، بالتزامن مع تصدع الأساسات.
يحمل الكرد في سورية اليوم رغبة الحديث والبحث بين ثنايا أبرز سؤال يواجه مصيرهم لدى السوريين ومعهم: ماذا يُريد الآخر منا؟
وفي فلسفة وسياسة الاعتراف بالآخر، كتب تشارلز تايلور عن أن تجاهل هويّة جماعة ما ليس حياداً، بل شكل من أشكال الإيذاء الرمزي. لذا ومن هذا المنظور لا يكفي أن تُعاد بعض الأوراق الثبوتية، أو تُخفّف القيود؛ فالمطلوب هو نيل الكرد الاعتراف المترجَم عبر الدستور، والتعليم، والثقافة العامة، وتوزيع السلطة.
خلال الأيام الماضية، فوجئ الزوار بوجود جناح كردي ضمن معرض الكتاب في دمشق. وعلى الرغم من تواضع الجناح، وقلة دور النشر الكردية، والاعتماد على ما جُمّع من هنا وهناك، فإن رمزية الأمر كان يُمكن لها أن تكون أكثر دلالة. والحديث هنا ليس عن المساحة المخصصة للجناح، بل عن الدلالة التي كان يُمكن لهذه الخطوة أن تفعلها، لو أن الكُتب الكردية التي مُنعت من العرض والنشر والطباعة والتوزيع في سورية تحولت إلى عرضها علناً. فالثقافة التي لا تحظى بحماية قانونية وسياسية تبقى ضمن إطار الهشاشة. علماً أنه كان يُمكن لجناح في معرض أن يُغلق الكثير من أبواب التأويل والضعف في التعاطي مع الثقافة واللغة الكرديتين، فطريقة التعاطي تعني أن الأمر مرتبط بمزاج سلطة وليس ثبات القانون. وبتفكيك ما يجري، يُمكن القول إن السلطة تقول قولوا ما تشاؤون، لكن لا تتحدّثوا عن تعريف الشراكة. في حين أن اللغة والتراث والثقافة تتجاوز كونها زينةً فلكلورية، بل إنها وعاء للذاكرة ومختبر للمستقبل.
يحمل الكرد في سورية اليوم رغبة الحديث والبحث بين ثنايا أبرز سؤال يواجه مصيرهم لدى السوريين ومعهم: ماذا يُريد الآخر منا؟ وما الذي يمكن أن تقدمه الدولة لنا؟ وكيف يُمكننا أداء واجباتنا؟ هل الحل في مركزية مُحددة تُعيد إنتاج الأزمات؟ أم لا مركزية دستورية متفق على شكلها، وتُطمئن الجميع. لماذا غاب حتى اللحظة الحديث عن مشروع وطني يلمّ شمل الجميع، ولمَ غاب أي حوار سوري شامل، بدلاً من العزل الأمني والشيطنة السياسية.
في مكان ما قال إدوارد سعيد: ليست الهويّة معطى جامداً، بل سردية قيد التشكيل. وللكرد سرديّتهم في سورية، والتي تقف عند مفترق طرق: ترفض الاستمرار في اختزالها في ملفٍ أمني، وتصرّ على التحوّل إلى رافعة لإعادة تخيّل الدولة. ما يعني أن الجميع مشمول بطرح مشروع وطني جامع، من الكرد ومن بقية السوريين، للاعتراف بأن العدالة ليست منّةً، بل شرطُ بقاء. دولة نطمئن إلى أن أبناءنا لن يُسألوا فيها عن لغتهم كأنها تهمة، ولا يضطر أبناؤنا فيها لإخفاء أسمائهم كي يعبروا حاجزاً. مشروعٌ يؤكد أن التنوّع ليس عبئاً إدارياً بل ثروة سياسية.
قصارى الحديث: ظُلم الكرد كثيراً، وهو ما لن يُلغى بمرسوم، ولن يتمكن جناح في معرض من علاج تراكمات محاربة اللغة والهويّة والثقافة. هما أمران مهمان، بشرط أن يتركّز في الوعي الجمعي لدى السوريين أن الإنكار لم يعد ممكناً. لماذا لا نقولها بجرأة: نحتاج نحن السوريين إلى دستور جديد، وتعليم يحترم ويعترف بكل لغات أبناء البلاد، نحتاج إلى سياسة ترى في التعدّدية والاعتراف قوة لا تهديداً. حينها فقط تتحول الذاكرة من عبءٍ ثقيل إلى طاقة لبناء وطن يتسع للجميع.

أخبار ذات صلة.
وصول منتخب إيران للسيدات إلى ماليزيا
الشرق الأوسط
منذ 5 دقائق