ترجمة وتحرير “يمن مونيتور”
على مدار أسبوع كامل، استمرت إيران في تسيير أمورها بسلاسة مدهشة تحت وطأة القصف الأمريكي والإسرائيلي؛ إذ مضت الاستعدادات التي أمر بها المرشد الأعلى، آية الله علي خامنئي، قبيل اغتياله في 28 فبراير، وفقاً لما هو مخطط له. وقد أسفرت الموجة الأولى من الضربات الجوية عن مقتل عدد أقل من القادة الإيرانيين عما أُفيد به في البداية؛ حيث نجا جميع نواب القادة تقريباً وشخصيات النظام الرئيسية، بما في ذلك الرئيس مسعود بزشكيان، وعلي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي.
وفي وقت مبكر من يوم 9 مارس (بتوقيت إيران)، ظهرت أكثر العلامات تحدياً على أن النظام لا يزال متماسكاً، وذلك بتسمية مجتبى خامنئي، نجل علي خامنئي، مرشداً أعلى جديداً للبلاد. وخلافاً لوالده، الذي كانت له الكلمة الفصل، فمن المرجح أن يُنظر إلى مجتبى كواجهة صورية؛ إذ يظهر صعوده إلى السلطة أن مقاليد الحكم الفعلية باتت بيد الحرس الثوري الإسلامي، المدافع الصلب عن الجمهورية الإسلامية.
ومن شأن هذا التطور أن يحبط آمال الإصلاحيين الذين ربما تطلعوا لتنصيب واحد منهم، كما سيصاب الكثير من رجال الدين بخيبة أمل أيضاً؛ إذ إن التوريث السلالي فيما يُفترض أنها “ثيوقراطية” (حكم ديني) سيكون غير شعبي لدى أولئك الذين ما زالوا يؤمنون بمبادئ الثورة التي أطاحت بنظام ملكي وراثي.
ولعل هذه الخلافات تفسر سبب استغراق “مجلس خبراء القيادة” وقتاً طويلاً لانتخاب مجتبى. وبالإضافة إلى ذلك، واجهت اللجنة المكونة من 88 من كبار رجال الدين صعوبة في الاجتماع بعد أن دمرت الضربات الإسرائيلية مقرها في مدينة قم المقدسة. وفي الواقع، من المرجح أن يظل مجتبى مختبئاً في أعماق الأرض لحماية نفسه من الاغتيال، وهو المصير الذي تعهدت إسرائيل بإلحاقه بكل خليفة. ولم يُشاهد مجتبى منذ الضربات الأولى قبل أكثر من أسبوع، كما عُرف أن أفراداً من عائلته المقربين قد لقوا حتفهم، مما أثار تكهنات حول حالته الصحية.
ويُعد مجتبى، البالغ من العمر 56 عاماً، شخصية منعزلة دائماً؛ فرغم إدارته لـ “بيت المرشد” -وهو البلاط المكون من 4000 رجل والذي كان يشرف على قبضة والده على الدولة- إلا أنه لا توجد له أي لقطات مصورة تقريباً. ويصفه الإيرانيون الذين التقوا به بأنه متواضع وخجول، رغم إدارته لإمبراطورية اقتصادية بمليارات الدولارات، وكان يقود سيارة “بيكان” متهالكة (النسخة الإيرانية من سيارة هيلمان هانتر القديمة) للذهاب إلى مدرسته الدينية.
- شفرة أرقام غامضة تُبث عبر موجات الراديو القصيرة في أمريكا.. هل هي إيران؟
-
خلافة فوق الرماد: مجتبى خامنئي يرث “ثورة” محاصرة بالنيران والخصوم
ويرى الإصلاحيون في مجتبى شخصية قمعية؛ إذ إن أقرب حليف سياسي له هو حسين طائب، وهو رجل دين تولى سابقاً رئاسة جهاز الاستخبارات المخيف التابع للحرس الثوري. وقد عمل الاثنان معاً على ملاحقة الإصلاحيين، ودعما -ويُقال إنهما زورا- انتخاب رئيس متشدد في عام 2009، وساهما في تحويل إيران من ثيوقراطية هجينة ذات سمات ديمقراطية إلى “دولة أمنية” تسحق المعارضة.
كما أن لدى رجال الدين سبباً للاعتراض؛ فمجتبى يفتقر إلى المؤهلات الدينية والسياسية التي يتطلبها الدستور في المرشد الأعلى، إذ لم يشغل قط أي منصب رسمي، ولم ينشر أي رسالة علمية تؤهله ليكون “مجتهداً” أو مرجعاً دينياً معترفاً به، فضلاً عن عدم وصوله إلى رتبة “آية الله العظمى”.
والبلاد التي ورثها مجتبى تقف الآن على الحافة بين الصمود والانهيار. وقد فاجأ عمق وشدة ودقة ترسانة الصواريخ الإيرانية المسؤولين في واشنطن وتل أبيب؛ إذ إن الخوف من الرد الانتقامي جعل دول الخليج العربية تحجم حتى الآن عن الانضمام إلى الهجوم رغم تعرضها لهجمات متكررة.
وبدلاً من الانهيار، يتحدث مراقبو الشأن الإيراني عن تجدد تماسك النظام وعزيمته، بعد أن تراجعا في أواخر عهد خامنئي الأب، مع ندرة التقارير حول حدوث انشقاقات. ويقوم جنرالات الحرس الثوري بإدارة الحرب دون إشراف مدني، ويبدو أن العسكريين بدأوا يحلون محل رجال الدين الذين ينص الدستور على توليهم إدارة البلاد. ويحذر رجل أعمال إيراني في المنفى قائلاً: “موت خامنئي حررهم من القيود.. إنهم الآن أكثر تشدداً وقومية وجرأة”.
- إيران “المنفلتة”.. الكابوس الذي يقضّ مضاجع جيرانها الخليجيين
- هدير الكرملين بلا صدى.. لماذا تغيب الأسلحة الروسية عن جبهة طهران؟
ويعزز ذلك تقييمات خارجية، مثل تقرير استخباراتي خليجي صدر في 5 مارس، أشار إلى أنه “خلافاً لتقديرات الاستخبارات الأولية، لا تزال أجزاء كبيرة من القيادة العسكرية الإيرانية تعمل بكفاءة”. وهو ما يتردد صداه في تقرير استخباراتي أمريكي أُعد قبيل الحرب، خلص إلى أن الهجوم على إيران من غير المرجح أن يؤدي إلى إطاحة النظام.
ومع ذلك، وبعد تسعة أيام من القتال، يواجه الصمود الإيراني اختباراً قاسياً؛ إذ تنتقل القوات الغربية من المرحلة الأولى (تدمير القدرات العسكرية الإيرانية) إلى المرحلة الثانية (استهداف المؤسسات الحكومية والبنية التحتية الحيوية). وقد خلفت الضربة التي استهدفت مكتب المرشد الأعلى، إلى جانب مخبئه الممتد على مساحة 5000 متر مربع في وسط طهران، ثغرة في آلة الحكم.
وباتت الخدمات الأساسية في خطر؛ فرغم تأكيد الإيرانيين أن المواد الغذائية لا تزال متوفرة في العاصمة، وأن عمال النظافة يكنسون الشوارع عند الفجر بينما يتردد صدى الانفجارات حولهم، إلا أنهم يقولون إن طهران بدأت تشبه غزة بعد الهجمات الإسرائيلية. وقد أدت الضربة التي استهدفت المنشآت النفطية في 8 مارس إلى إضاءة ليل العاصمة قبل أن تغرق أجزاء كبيرة منها في الظلام مع بزوغ الفجر، في حين تدفقت قنوات الصرف القديمة في المدينة كأنهار من النيران بسبب احتراق النفط، مما أدى إلى اشتعال النيران في المتاجر والمنازل، وهطلت أمطار سوداء لزجة.
ويعاني الاقتصاد من شلل حاد؛ حيث أدى تدمير الموانئ وإغلاق المعابر الحدودية إلى عرقلة الواردات، كما تسببت الهجمات على المصانع في شل الإنتاج المحلي. ويخشى بعض المسؤولين من نقص المخزونات الغذائية قبيل عيد الفطر وعيد “النيروز” (رأس السنة الفارسية) في 20 مارس/آذار.
كما تتعرض البنية التحتية لضغوط هائلة؛ فالضربة التي استهدفت محطة لتحلية المياه في الجنوب تهدد إمدادات المياه التي كانت تعاني أصلاً قبل الحرب، كما تم تقنين الوقود. وإذا وصلت الهجمات إلى حقول النفط والغاز -أو محطة التصدير الرئيسية في جزيرة خارق- فقد تنقطع إمدادات الغاز الحيوية لتوليد الكهرباء والطهي.
وبدأت حالة الاحتقار الواسعة التي كان يكنها الكثير من الإيرانيين لحكامهم -خاصة بعد مقتل آلاف المتظاهرين في يناير الماضي- تتحول إلى شعور بالأسى على تدمير الدولة نفسها. لكن في ظل غياب وسائل المقاومة، فإن تصاعد المشاعر الوطنية وحده لا يمكنه الدفاع عن الدولة.
بالإضافة إلى ذلك، قد يواجه مجتبى صعوبة في فرض سلطته كمرشد أعلى؛ فقد تعمد والده تفويض السلطة المركزية كجزء من استعداداته للحرب. وقبيل وفاته، أُعطي القادة المحليون مجموعات من الأهداف وصدرت لهم تعليمات بمواصلة القتال في حال فقدان السلطة المركزية. ويقول مسؤول كردي يراقب الأوضاع من أربيل: “سمعنا أنهم قسموا إيران إلى 31 وحدة، لكل منها قيادة مطلقة وسلطة لاتخاذ كافة القرارات دون الرجوع إلى وزارة أو قيادة مركزية”. كما قام النظام بتقسيم “البسيج” -القوة شبه العسكرية الضخمة التي تستخدم لقمع الاحتجاجات- إلى خلايا صغيرة تتكون من خمسة أفراد، ووزع مئات الآلاف من الأسلحة.
- ماذا نعرف عن مجتبى خامنئي المرشد الأعلى الجديد لإيران؟
- إيران تختار مرشداً أعلى جديداً.. ماذا يعني ذلك؟
- أصابع على الزناد.. وعيون على البقاء: لماذا يلتزم الحوثيون “الصمت الحذر”؟
وعلاوة على ذلك، يواجه رؤساء فروع النظام المختلفة، المشتتون في مخابئ يُعتقد أنها في أعماق جبال زاجروس غرب إيران، صعوبة في تنسيق خطابهم. فبعد نصف ساعة من اعتذار السيد بزشكيان عن الضربات الصاروخية على دول الجوار، أطلق الحرس الثوري طائرات مسيرة جديدة باتجاه دول الخليج العربية.
وينطوي هذا اللامركزية على مخاطر جمة؛ إذ يمكن للقادة الذين يديرون شبكات تهريب متنافسة أن يتحولوا إلى أمراء حرب، كما قد تبدأ الدول المجاورة في نهش أطراف الدولة الضعيفة.
فدولة الإمارات العربية المتحدة تطالب منذ فترة طويلة بثلاث جزر استراتيجية صغيرة بالقرب من مضيق هرمز، وقد تتدخل تركيا لحماية الأذريين المتحدثين بالتركية في إيران، كما فعلت مع التركمان في العراق وسوريا. وقد يتقدم مقاتلو “تنظيم الدولة – ولاية خراسان” من قواعدهم في أفغانستان، والأكثر خطورة هو احتمال عبور المقاتلين الأكراد من كردستان العراق للحدود والسيطرة على المدن الكردية.
بالنسبة لإسرائيل، فإن تعطيل القوة العسكرية الإيرانية يستحق المخاطرة بحدوث فوضى وانهيار للدولة. أما ما تريده أمريكا فهو أقل وضوحاً؛ فقد يجد الرئيس دونالد ترامب أن نشوء “دولة فاشلة” -كما حدث في العراق- سيطارد الشرق الأوسط لسنوات، مما يقوض الاستقرار والنفوذ الأمريكي هناك. ويعد التعيين الجديد انتكاسة لآمال ترامب في ظهور “رجل قوي” أو “مجلس عسكري” يمكنه إبرام صفقة نووية معه لتأمين الـ 400 كيلوجرام من اليورانيوم عالي التخصيب لدى إيران. ويحث بعض المعارضين في المنفى السيد ترامب على إنهاء الحرب الآن بينما لا تزال إيران تمتلك مركزاً للقرار، وإن كان ضعيفاً.
ويواجه المرشد الأعلى الجديد ورفاقه في الحرس الثوري قرارات صعبة؛ هل يواصلون القتال أم يسعون لإنهاء سريع للحرب؟ هل يقايضون البرنامج النووي برفع العقوبات، أم يسعون لمحاكاة النموذج الكوري الشمالي المسلح نووياً؟ وكيف يمكنهم تقديم مستقبل للشعب الإيراني المنهك؟
قبل الحرب، كانت هناك تكهنات بأن مجتبى قد يصبح “النسخة الإيرانية” من محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي الذي تخلص من سيطرة رجال الدين وخفف حدة المواجهة مع إسرائيل. لكن مقتل أفراد عائلته قد يطفئ هذه الآمال؛ إذ يرجح أن تتسم فترته بالارتباك والانتقام. ويقول أحد أقاربه: “سيكون متشدداً للغاية”. وإذا كان الأمر كذلك، فقد يفضل الحفاظ على عداء والده تجاه إسرائيل وأمريكا، ومقاومة الإصلاح الداخلي، وترسيخ قبضة الحرس الثوري. لكن عليه أولاً أن ينجو.
The post جمهورية الابن والجنرالات: عندما يصبح المرشد الإيراني واجهة للحرس الثوري appeared first on يمن مونيتور.