سبتمبر نت: مقال/ صلاح القميري
أفرد المشرع اليمني في قانون الجرائم والعقوبات العسكرية رقم 21 لسنة 1996 جرائم الفتنة في الباب الثالث وتحديداً في المادتين (24) و(25)، وذلك إدراكاً منه لخطورة هذه الجرائم على تماسك المؤسسة العسكرية وأمن الدولة، فقد نصت المادة (24) على أنه: “يعاقب بالحبس مدة لا تزيد عن خمسة عشر سنة كل من أحدث فتنة بين أفراد القوات المسلحة، أو ساهم، أو اتفق مع غيره على إحداثها، أو بجزاء يتناسب مع نتائج الجريمة مع مراعاة ما نص عليه القانون العام، وتصل العقوبة إلى حد الإعدام إذا أسفرت عن إزهاق نفس”.
ونصت المادة (25) على أنه: يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سبع سنوات من ارتكب إحدى الجرائم الآتية:
أ- حضوره الفتنة وتقصيره في إخمادها مع تمكنه من ذلك.
ب- تقصيره في الإبلاغ في الحال عن الفتنة أو الاتفاق الجنائي مع تمكنه من ذلك.
وبقراءة المادتين معاً، يتبين أن القانون حدد أربع صور مستقلة للجرائم التي تقع من أي شخص خاضع لقانون العقوبات العسكرية، وهي:
– إحداث فتنة بين أفراد القوات المسلحة.
– المساهمة في الفتنة أو الاتفاق مع الغير على إحداثها.
– حضور الفتنة والتقصير في إخمادها مع التمكن من ذلك.
– التقصير في الإبلاغ الفوري عن الفتنة أو الاتفاق الجنائي عليها مع التمكن من ذلك.
والجانب الأساسي هنا أن هذه الأفعال لا تشكل جريمة واحدة بصور متعددة، وإنما يشكل كل منها جريمة قائمة بذاتها، لها أركانها المستقلة، ويمكن أن تتعدد وتتراكم مسؤولياً إذا ارتكب الجاني أكثر من واحد منها.
أولاً: تعريف الفتنة
نهج المشرع اليمني مسلكاً حكيماً بتجنب وضع تعريف جامد للفتنة، انطلاقاً من المبدأ الأصولي بأن “التعريفات من شأن الفقه والقضاء لا المشرع”. وهذا يمنح النص مرونة كافية لاستيعاب المتغيرات وصور التمرد المستحدثة، وتكييف الأفعال وفقاً لعلة التجريم دون التقيد بقوالب لفظية ضيقة.
هذا وقد استقر الفقه والقضاء المقارن (كالدكتور مأمون سلامة) على تعريف الفتنة بأنها:
“مقاومة شخصين فأكثر من الخاضعين للقانون العسكري للسلطات الشرعية، أو عدم الانصياع لها؛ بقصد التمرد أو عزلها أو الخروج عن طاعتها”.
وعلى ضوء ماسبق، تقوم الفتنة على العناصر التالية:
– السلوك الإجرامي: ويتمثل في المقاومة أو عدم الانقياد للأوامر والأنظمة العسكرية.وهو سلوك قديكون إيجابياً (بالمقاومة الفعلية للسلطات) أو سلبياً (بعدم تنفيذ الأوامر) ويدخل في نطاقه الاحتجاج والمظاهرات غير القانونية، حتى لو كانت مصحوبة شكلياً بتنفيذ الأوامر.
– الجماعة: يجب أن يصدر السلوك من شخصين فأكثر من الخاضعين للقانون العسكري وهذا ركن جوهري، فلا تتحقق جريمة الفتنة بفرد واحد مهما كان موقعه
– القصد الخاص: يجب أن يتجه قصد الجناة إلى عزل السلطة العسكرية أو الخروج عن طاعتها. فإذا تخلف هذا القصد، لا تقوم جريمة الفتنة، بل قد تدخل الأفعال في إطار جرائم أخرى مثل مخالفة الأوامر أو عصيانها.
ثانياً: العناصر المشتركة في جرائم الفتنة
– صفة الجاني: الجاني في جميع هذه الجرائم يجب أن يكون من الأشخاص الخاضعين لأحكام قانون الجرائم والعقوبات العسكرية، أصالة أو حكماً. فإذا ارتكب الجريمة شخص مدني فإنه لا يعاقب بموجب هاتين المادتين بل بموجب نصوص جرائم أمن الدولة في قانون العقوبات العام.
– المصلحة المحمية: المصلحة التي يحميها المشرع هنا هي أمن وسلامة القوات المسلحة ووحدة صفوفها. ولذلك وسع المشرع نطاق التجريم ليشمل كل فعل يهدد هذه المصلحة، سواء بالإضرار الفعلي أو بمجرد التهديد بالضرر.
ثالثاً: صور جرائم الفتنة
الصورة الأولى:
إحداث الفتنة أو المساهمة فيها أو الاتفاق عليها (المادة 24) تعد هذه الجريمة من جرائم السلوك والنتيجة، حيث يتطلب قيامها توافر رابطة سببية بين السلوك الإجرامي ونتيجة هي وقوع الفتنة فعلاً (أي إحداث الانقسام في الصفوف وعدم الانصياع للأوامر).
الركن المادي:
يتمثل في أي سلوك إيجابي أو سلبي، بالقول أو الفعل أو الإشارة، من شأنه إحداث الفتنة وتشمل المساهمة بجميع صورها (أصلية أو تبعية) كما جرم المشرع الاتفاق الجنائي على إحداث الفتنة بوصفه جريمة مستقلة، حتى لو لم تبدأ أي إجراءات تنفيذية، ومجرد تلاقي الإرادتين يكفي لقيام الجريمة.
الركن المعنوي:
يقوم على القصد الجنائي العمدي (العلم والإرادة)، حيث يجب أن تنصرف إرادة الجاني إلى إحداث الفتنة أو المساهمة فيها. فإذا تحققت النتيجة دون قصد (بخطأ غير عمدي) فلا عقاب، لأن القانون لم ينص على صورتها غير العمدية.
الصورة الثانية:
حضور الفتنة والتقصير في إخمادها (المادة 25/أ)
الركن المادي:
يقوم على عنصرين:
(أ)- حضور الفتنة، أي أن يكون الجاني في موقع تصل إليه نتائجها تحت سمعه أو بصره،
(ب)- التقصير في إخمادها بالرغم من التمكن من ذلك. والقدرة عل الإخماد تقديرية، تخضع لمركز الجاني وسلطته. ويكفي لبذل الجهد، ولا يُشترط تحقيق نتيجة إيجابية.
الركن المعنوي:
تتميز هذه الجريمة بأنها تقوم على القصد الجنائي (بإرادة الامتناع عن الإخماد) وعلى الخطأ غير العمدي(بالإهمال في الإخماد) وقد ساوى المشرع بينهما في المسؤولية، وهو أمر لافت.
الصورة الثالثة:
التقصير في الإبلاغ عن الفتنة أو الاتفاق عليها (المادة 25/ب).
الركن المادي:
يتمثل في الامتناع عن الإبلاغ الفوري للقائد المختص، مع العلم بوقوع الفتنة أو الاتفاق عليها، والقدرة على الإبلاغ. فالتأخر عن المدة الكافية للإبلاغ، وفقاً للظروف وبما يحقق الركن المادي.
الركن المعنوي:
يقوم أيضاً على القصد الجنائي (التأخر المتعمد) والخطأ غير العمدي (الإهمال في الإبلاغ)،
وقد ساوى المشرع بينهما. وينتفي الركن إذا حالت ظروف قهرية دون الإبلاغ. ويلاحظ أن الإبلاغ يجب أن يكون للقائد، فإن كان القائد متورطاً فيجب الإبلاغ للمستوى الأعلى.
رابعاً: نظام العقوبات
– العقوبة الأصلية (المادة 24): الحبس مدة لا تزيد على 15 سنة. وتشدد العقوبة لتصل إلى الإعدام إذا أسفرت الفتنة عن إزهاق روح. وتنطبق هذه العقوبات على الفاعل الأصلي والمساهم والمتفق على إحداث الفتنة وفقا للقواعد العامة في المساهمة الجنائية
– العقوبة المخففة (المادة 25): الحبس مدة لا تزيد على 7 سنوات للحاضر المقصر في الإخماد، وللمقصر في الإبلاغ. ويكون الجاني مسئولا بوصفه شريكاً في
إلامتناع للجريمة التي وقعت وفقاً للقواعد العامة في المسؤلية الجنائية.
من خلال استقراء نصوص المادتين (24) و(25) من قانون الجرائم والعقوبات العسكرية اليمني رقم (21)لسنة 1996م ، يمكن الخروج بنتائج الدراسة الشامل :
أولاً: التجريم الواسع
يتبين أن المشرع اليمني تبنى فلسفة قانونية تقوم على الحماية الموسعة للقوات المسلحة، حيث لم يقتصر التجريم على الفاعل الأصلي (محدث الفتنة)، بل امتد ليشمل دائرة واسعة من الأطراف ذات الصلة. فشمل المساهم، والمتفق، بل وصل إلى الحاضر الذي لم يحرك ساكناً لإخماد الفتنة، والمقصر في الإبلاغ. هذه الفلسفة تعكس إدراكاً عميقاً بأن خطر الفتنة لا يكمن فقط فيمن يشعلها، بل أيضاً فيمن يتفرج عليها أو يتكاسل عن منعها أو الإبلاغ عنها، خاصة في مؤسسة تقوم على الانضباط والطاعة.
ثانياً: استقلالية الجرائم
الأهم في هذا الباب هو أن الأفعال الأربعةالمنصوص عليها تشكل جرائم مستقلة لا صور متبادلة لجريمة واحدة. وهذا يعني أن الجاني الواحد يمكن أن يسأل عن أكثر من جريمة إذا ارتكب أكثر من فعل(كأن يحدث الفتنة ويقصر في إخمادها) فتتعدد الجرائم ويتعدد العقاب وفقاً لقواعد التعدد. كما أن لكل جريمة أركانها الخاصة التي تميزها عن غيرها.
ثالثاً: دور القصد الخاص كمعيار تمييز
يمثل القصد الخاص (عزل السلطة العسكرية أو الخروج عن طاعتها) حجر الزاوية في تحديد ماهية الفتنة. فهو المعيار الذي يميز الفتنة عن غيرها من المخالفات العسكرية كعصيان الأوامر أو التمرد البسيط. فوجود هذا القصد هو الذي يرقى بالجريمة إلى مستوى الجرائم الخطيرة التي تمس أمن القوات المسلحة ويبرر تغليظ العقوبة فيها.
رابعاً: التوسع في الركن المعنوي
لافت للنظر أن المشرع ساوى في جريمتي الحضور والتقصير في الإخماد (المادة 25/أ) والتقصير في الإبلاغ (المادة 25/ب) بين القصد الجنائي والخطأ غير العمدي. وهذا توسع في الركن المعنوي، يهدف إلى تغليظ المسؤولية على أفراد القوات المسلحة، ودفعهم إلى أقصى درجات اليقظة والحذر، بحيث لا يعذر أحد بالجهل أو الإهمال. لكن هذا التوسع يقابله انتفاء المسؤولية بانتفاء الخطأ، كما في حالات الظروف القاهرة .
خامساً: غموض التعريف والحاجة إلى الاجتهاد القضائي
يبقى الإشكال الأساسي في غياب تعريف تشريعي واضح للفتنة في القانون اليمني، سواء في القانون العسكري أو القانون العام. يلقي بظلاله على التطبيق العملي، ويجعل مهمة تحديد ما إذا كان الفعل يشكل “فتنة” مطروحة للاجتهاد القضائي.
أخيرا: تمثل جرائم الفتنة في القانون العسكري اليمني نظاماً متكاملاً لحماية المؤسسة العسكرية ومن أخطر ما يمكن أن يهددها الانقسام والتمرد. وهي جرائم تعكس خصوصية القانون العسكري الذي يقدم المصلحة الجماعية للقوات المسلحة على أي اعتبار آخر.