عربي
كشفت معلومات حصل عليها "العربي الجديد" أنّ مجلس الوزراء اللبناني طرح في جلسته، يوم الاثنين الماضي، موضوع التفاوض مع إسرائيل ضمن البند الثالث، على جدول أعماله، فيما أكّدت مصادر رسمية بأنّ تحرّكات سياسية يجريها لبنان، لوقف الاعتداءات الإسرائيلية، مشيرة في الوقت نفسه إلى أن البلد منفتح على كل أشكال التفاوض، وهو لا يريد الحرب، وبأنّ يتعرّض لضغوط شديدة لا سيما أميركية. وتأتي هذه المعلومات وسط إعلان رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام استعداد لبنان لاستئناف المفاوضات مع الاحتلال، مع الانفتاح على مناقشة أي جدول أعمال، وأي صيغة، وأي مكان لعقدها.
وارتفع في لبنان منسوب الحديث عن مفاوضات مباشرة مع إسرائيل على وقع التطورات الميدانية المتسارعة، وتكثيف الاحتلال ضرباته على مستوى العديد من المناطق اللبنانية، والتي أسفرت خلال أسبوع واحد فقط عن سقوط قرابة 400 شهيد، وما يزيد عن ألف جريح، وحوالي نصف مليون نازح. وانتشرت في الساعات الماضية تسريبات صحافية محلية حول اقتراح ممكن أن يتقدّم به لبنان لعقد مفاوضات مباشرة مع إسرائيل في أي دولة ثالثة، قد تكون قبرص، على أن تحمله المنسقة العامة للأمم المتحدة في لبنان جنين بلاسخارت إلى إسرائيل، وهو ما كان الاحتلال ومن خلفه الولايات المتحدة يضغطان من أجل حصوله.
وبحسب معلومات "العربي الجديد"، فإنّ موضوع المفاوضات طُرح في جلسة مجلس الوزراء، يوم الاثنين الماضي، ضمن البند الثالث، على جدول أعماله، والذي ينصّ على أنه "انطلاقاً من الحرص الثابت على عدم انجرار لبنان إلى أي صراع في ظل الأوضاع الإقليمية المتوترة، يطالب المجلس الدول الضامنة لإعلان وقف الأعمال العدائية بالحصول على التزام واضح ونهائي من الجانب الإسرائيلي بوقف جميع الاعتداءات على كامل الأراضي اللبنانية، مع تأكيد التزام لبنان التام والنهائي بمندرجات الإعلان كاملةً وبما يصون السلم والاستقرار. ويعلن المجلس استعداده الكامل استئناف المفاوضات في هذا الشأن بمشاركة مدنية ورعاية دولية"، وبالتالي، فإن هذا البند لم يحدّد ما إذا كان التفاوض مباشراً أو غير مباشر، على أن يبقى شكل التفاوض ومكانه وزمانه مفتوحاً، وقيد نقاش وبحث.
السيناريوهات المطروحة
وفي الإطار، تقول مصادر رسمية لبنانية، فضّلت عدم نشر اسمها، لـ"العربي الجديد"، إن "لا شيء محسوماً بعد أو مقرّراً بشكل نهائي، هناك احتمالات وأفكار وطروحات موضوعة على الطاولة، ويتم البحث بها بين الرؤساء، وكذلك على مستوى مجلس الوزراء، لكن مسألة التفاوض بُحث بها في جلسة الاثنين الماضي ضمن إطار البند الثالث، وكل أشكال التفاوض مطروحة، خدمة لمصلحة لبنان، لكن حتى الساعة، لم يردّ الإسرائيليون على أي اقتراح". وتشير المصادر إلى أن "لبنان منفتح على كل أشكال التفاوض، وهو لا يريد الحرب، ومستعدّ لبحث كل الحلول من أجل إنهاء الحرب الدائرة حالياً، كما يشدد في المقابل على ضرورة وقف الاعتداءات الإسرائيلية بالكامل، ووقف الخروقات اليومية البرية والجوية والبحرية، فالوضع لا يمكن أن يعود إلى ما كان عليه في السابق، بعدم التزام إسرائيل ببنود اتفاق وقف إطلاق النار".
وتلفت المصادر إلى أن "لبنان يكثف اتصالاته الدبلوماسية من أجل الضغط على إسرائيل لوقف اعتداءاتها، وأبرز حراك خارجي حتى الساعة هو الذي تقوده فرنسا، ولكن لا مؤشرات حلّ حتى الآن"، مشيرة إلى أن هناك أفكاراً عدة تطرح، منها وقف إطلاق النار بشكل كامل لفترة يجرى خلالها التفاوض، أو تخفيض التصعيد خلال هذه الفترة، لكن لا شيء محسوماً بعد.
ويُعدّ التفاوض المباشر مع إسرائيل مسألة فيها الكثير من الإشكاليات في لبنان، سواء المتعلقة بالسيادة أو الشرعية الدستورية، أو طبيعة الاعتراف المتبادل، إذ إن قسماً كبيراً من اللبنانيين يعتبر أن أي تفاوض مباشر مع إسرائيل هو بمثابة تطبيع أو اعتراف بإسرائيل كدولة لا كعدو، ويؤكد رفضه الكامل هذا التوجّه الذي من شأنه تفجير الوضع داخلياً، علماً أن قسماً آخر يؤيّد هذا المسار، وقد عبّر عنه أمس واليوم العديد من النواب في البرلمان، الذين اعتبروه خطوة ممتازة، مشيرين إلى أن أي اتفاق أمني سياسي مع إسرائيل من شأنه أن يجنّب لبنان الويلات والحروب.
ضغوطات أميركية كبيرة
وتبعاً للمعلومات، فإنّ الضغوط الدولية، ولا سيما الأميركية هذه المرّة، أكبر من تلك التي كانت قائمة خلال حرب أكتوبر/ تشرين الأول 2023، أو في فترة ما بعد اتفاق وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، وتشدد على ضرورة الحسم السريع لسلاح حزب الله، ونزعه بالكامل، من دون مراوغة أو مماطلة، أو التلطي خلف أي حجج أو خصوصيات، وحظر كامل أنشطته العسكرية والأمنية، وإقفال جميع المؤسسات التي تموّل نشاطاته، وذلك إلى جانب ضرورة قيام مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، علماً أن أميركا سعت في الفترة الماضية إلى تقليص اجتماعات لجنة الميكانيزم (مراقبة وقف العمليات العدائية)، وسط حديث عن محاولات لها لاستبعاد الطرف الفرنسي منها.
وبحسب المعلومات أيضاً، فإن أميركا تتشدّد في مواقفها، مانحة الضوء الأخضر لإسرائيل لمواصلة عدوانها، خصوصاً أنّها ترى أن الدولة اللبنانية ماطلت في تطبيق خطة حصر السلاح، وتظهر العمليات العسكرية التي يقوم بها حزب الله منذ يوم الاثنين الماضي أنه لا يزال حاضراً في الميدان، وقادراً على إطلاق الصواريخ من أي مكان يريد، وبحريّة.
وأعلن سلام في السياق، في مقابلة صحافية اليوم، استعداد لبنان لمناقشة أي صيغة تفاوض مع إسرائيل، قائلاً "أكدنا في جلسة مجلس الوزراء يوم الاثنين الماضي، أننا مستعدون لاستئناف المفاوضات مع إسرائيل، ضمن إطار يشمل شقاً مدنياً وبرعاية دولية، أما مسألة المفاوضات المباشرة فلم تُطرح بحد ذاتها، كما أن الإسرائيليين لم يردوا على اقتراحنا، ومع ذلك، نحن منفتحون على مناقشة أي جدول أعمال، وأي صيغة، وأي مكان لعقدها".
وأضاف سلام: "لا يمر يوم من دون أن نحاول حشد جهود الدول العربية والأوروبية والولايات المتحدة لوقف هذه الحرب، لكنها لا تتوقف لأسباب عدة، فمن جهة، هي مرتبطة عضوياً بالصراع الإسرائيلي - الأميركي مع النظام الإيراني، ومن جهة أخرى، فإن بعض شركائنا، وخصوصاً الدول العربية، منشغلون أولاً بمصالحهم ومخاوفهم الخاصة في هذا الصراع". وبشأن وجود مبادرات قيد البحث، قال سلام "لا يمكننا الحديث عن مبادرة في هذه المرحلة. لكن هناك أفكاراً مطروحة على الطاولة، وخصوصاً من الجانب الفرنسي". وشدد سلام على أن "لا أحد في لبنان سيقبل بالسلام وفق الشروط الإسرائيلية. لكن هذا لا يعني أننا لا نريد السلام، نحن نطالب بالسلام منذ 25 عاماً، منذ مبادرة السلام العربية التي أُقرت في بيروت"، مضيفاً أن "السلام الثابت والدائم والفعلي لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي، ولهذا أتمسك بهذه المبادرة".
من جانبه، قال الرئيس اللبناني جوزاف عون، خلال استقباله سفراء الدنمارك والسويد والنرويج، إنه أبلغ الدول الكبرى والأمم المتحدة استعداد لبنان الكامل لاستئناف المفاوضات، والبحث في النقاط الأمنية الضرورية لوقف التصعيد الإسرائيلي الخطير. وأشار عون إلى أن "قرار الحكومة المتعلق بحصر السلاح سينفذ وفقاً للخطة التي وضعتها قيادة الجيش متى سمحت الظروف الأمنية لذلك، وبالتالي فإنّ التعرض للجيش أو لقائده في هذه الظروف الدقيقة والخطيرة في آن، هو موقف مرفوض ومستغرب ومشبوه، لأنه يصب في محاولات تقويض سلطة الدولة والتشكيك بقدراتها، ويتناغم بشكل أو بآخر مع أهداف العاملين على زج لبنان في الحرب الإقليمية الدائرة تخطياً لإرادة أكثرية اللبنانيين الذين سئموا الحروب وتداعياتها ويتمسكون بحق الدولة وحدها في اتخاذ قرار الحرب والسلم".
مصدر في حزب الله: الكلمة للميدان
في المقابل، يقول مصدر نيابي في حزب الله لـ"العربي الجديد" إن "الكلمة حالياً للميدان، وحزب الله أثبت أنه لا يزال قادراً عسكرياً، وعملياته الجوية والبرية تثبت ذلك، مشيراً إلى أن حزب الله منح الدولة اللبنانية العديد من الفرص خلال 15 شهراً، ولم تحقق كل التنازلات التي قدمتها الحكومة أي شيء، وواصلت إسرائيل خرقها الاتفاق، وهو لم يعد قادراً على الوقوف متفرجاً أمام العدوان اليومي، ولن يقبل بعودة الوضع إلى ما كان عليه سابقاً، فالمطلوب وقف كامل للاعتداءات الإسرائيلية وانسحاب الاحتلال من النقاط الجنوبية، وإطلاق سراح الأسرى".
وأعلن حزب الله منذ الاثنين الماضي وحتى صباح اليوم عن 125 عملية عسكرية ضد مواقع وتجمّعات وتحركات جيش الاحتلال، وذلك في معرض ثأره أولاً لاغتيال المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، ورداً على الاعتداءات الإسرائيلية التي تطاول عشرات المدن والبلدات اللبنانية، بما فيها الضاحية الجنوبية لبيروت.
وكان لبنان قام بخطواتٍ عدّة في إطار تمسّكه بالحل الدبلوماسي لوقف اعتداءات إسرائيل وخروقها اتفاق وقف إطلاق النار، قبل توسع العدوان الاثنين الماضي، سواء على صعيد خطة حصر السلاح بيد الدولة، إلى جانب قبوله ضمّ مدني لترؤس الوفد اللبناني في اجتماعات الميكانيزم، علماً أن الاجتماع الأخير عُقد في 25 فبراير/ شباط الماضي بغياب الوفد المدني، واستكمل لبنان هذه الخطوات بقرارات جديدة اتخذها الأسبوع الماضي، لناحية حظر أنشطة حزب الله الأمنية والعسكرية، إلى جانب الإجراءات التي أعلن عنها في إطار مواجهة أي تهديد ممكن أن يشكله الحرس الثوري الإيراني.
انتقادات لقائد الجيش اللبناني
وتأتي هذه التطورات الداخلية في لبنان، على وقع هجوم يتعرّض له الجيش اللبناني، خاصة من نواب مستقلين و"تغييريين"، عقب الموقف الأخير الصادر عن قائده العماد رودولف هيكل، واتهامه بأنه يتساهل في تنفيذ قرار حصر السلاح بيد الدولة، وقد تزامن ذلك أيضاً مع حملات جديدة شنّها مسؤولون أميركيون على هيكل.
موقف يثير الاستغراب من قيادة الجيش:
١. كنا ننتظر من قيادة الجيش تأكيد الالتزام الواضح بقرارات الحكومة اللبنانية، والإشارة الصريحة إلى أن الجناح العسكري لحزب الله بات خارجًا عن القانون وفق هذه القرارات. فتنفيذ قرارات السلطة السياسية هو جوهر مهمة المؤسسة العسكرية.
٢. كما نود… https://t.co/NNonI95mEX
— Mark B. Daou 🇱🇧 (@DaouMark) March 7, 2026
وقال هيكل أول من أمس السبت إن الاعتداءات الإسرائيلية التي تطاول لبنان ومواطنيه تعرقل تنفيذ خطة الجيش، في ظل تطورات إقليمية متسارعة تنعكس على الوضع العام في البلاد، مشدداً على أن القيادة تتخذ قراراتها وفق ما يتناسب مع الظروف المعقدة القائمة، واضعةً نصب عينيها هدفاً رئيسياً هو الحفاظ على لبنان وضمان وحدته، والحفاظ على المؤسسة العسكرية التي تعمل تحت ضغوط داخلية وخارجية شديدة وبإمكانات محدودة، وتبذل قصارى جهدها لحماية الاستقرار الداخلي والوحدة الوطنية، مؤكداً أنّ الجيش يقف على مسافة واحدة من اللبنانيين كافة ويتعامل معهم انطلاقاً من موقعه الوطني الجامع.
وأضاف هيكل "هذه المرحلة الدقيقة ترتبط ببقاء لبنان، والحل ليس عسكرياً فقط، إنما يحتاج إلى التعاون والتكامل بين الجهود السياسية والرسمية على مختلف المستويات في موازاة جهود الجيش، بهدف تحصين الوحدة الوطنية وتجاوز التحديات".
