عربي
في زمن الحروب، تولد الروايات سريعاً، فتنساب عبر شاشات التلفزة ومنشورات التواصل الاجتماعي وخطب السياسيّين، لتُشكّل وعي المجتمعات بما يحدث، ولماذا يحدث. ومن بين هذه الروايات التي عادت تطفو على سطح النقاش الدائر حول المواجهة الحالية مع إيران فكرة أن هذه الحرب دينية: صراع حضارات، أو اصطدام أديان ورؤى لاهوتية. فشهدنا في الأيام الماضية استعمالاً لافتاً للرموز الدينية في الخطاب المحيط بالاستعداد العسكري الإمبريالي الأميركي - الإسرائيلي ضدّ إيران. فقد استحضر رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، فكرة الحرب المقدَّسة، وشبّه النظام الإيراني بـ"العماليق"، ذلك العدو التوراتي الذي أُمرت إسرائيل "بمحو ذكراه". واقتبس عبارة "تذكّر ما صنع بك عماليق، واعمل"، وهو مقطع من سفر التثنية يُتلى تقليدياً قبل عيد المساخر اليهودي. وتلقّى الرئيس دونالد ترامب بركاتٍ من كنيسته داخل البيت الأبيض، في تأطير رمزيٍّ لأفعاله باعتبارها مفوّضة من السماء. أمّا وزير دفاعه بيت هيغسيث، فارتبط اسمه برموز دينية شديدة الاستفزاز، منها وشم يستحضر الحروب الصليبية مثل عبارة "Deus Vult" ("الله يريد ذلك") وصليب القدس، المرتبطَين تاريخياً بالتعبئة الدينية للحرب. تبدو هذه الصور وكأنّها تهدف إلى حشد التأييد للصراع عبر خطاب ديني، وتأطير النزاع بلغة النبوءة والقدر المقدَّس والواجب الأخلاقي.
وليس في هذا جديد. فعلى امتداد التاريخ الحديث، اعتاد الفاعلون السياسيون استعمال اللغة المقدَّسة لحشد الدعم لحروب كانت خلفياتها العميقة استراتيجية أو اقتصادية. ففي الحرب الباردة، كثيراً ما صاغ القادة الأميركيون الصراع مع الشيوعية دفاعاً عن الإيمان في مواجهة الأيديولوجيا الإلحادية. بيد أن الحرب الباردة لم تكن حرباً دينية بين مؤمنين وملحدين، بل كانت صراعاً جيوسياسياً على النفوذ والسلطة والنظم السياسية. وكذلك غزو العراق عام 2003، الذي غالباً ما يُبرَّر بمصطلحات أخلاقية أو حضارية، يدركه المؤرّخون وعلماء السياسة صراعاً تغذّيه دوافعُ استعمارية، ومخاوفُ أمنية، وحساباتٌ إقليمية وسياسية خاطئة، لا صلة لها باللاهوت.
تاريخياً، اعتاد الفاعلون السياسيون استعمال اللغة المقدَّسة لحشد الدعم لحروب كانت خلفياتها العميقة استراتيجية أو اقتصادية
هل ينبغي لمن يستهدفهم هذا التأطير الإمبريالي/الديني الأميركي - الإسرائيلي أن يبادروا إلى الردّ بالمثل؟ يرى هذا المقال أن تبنّي الخطاب الديني نفسه هو الخطأ بعينه، فسياسات الهُويّة المفرطة (المرتبطة غالباً بالإسلاموفوبيا بخطاب ليس اليمين المتطرف فقط، وإنما أيضاً بخطاب من أسمّيهم بـ"الليبراليين الرمزيين") تهدّد بتصعيد النزاع وترسيخ التحيّز والوصم. كما أن الردّ بمعاداة اليهود أو رهاب المسيحية لا يقلّ خطورةً وإضراراً. فبعض الجماعات تحتجّ بآيات قرآنية كريمة مثل: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} (المائدة: 82). لكن الاقتباس الانتقائي يتجاهل آيات أخرى تؤكّد الدقّة وعدم التعميم، مثل قوله تعالى: {لَيْسُوا سَوَاءً ۗ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ ۖ وَأُولَٰئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ} (آل عمران: 113–114)، وقوله: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا} (آل عمران: 75). هذه الآيات تحذّر من التعميمات الواسعة، وتحثّ على التمحيص والدقّة، من خلال فهم سياقاتها التاريخية وأسباب نزولها.
يذكّرنا عالم الاجتماع الأميركي روجرز بروباكر في كتابه "الإثنية من دون مجموعات" أن الديناميكيات العرقية والدينية نادراً ما تتخذ شكل جماعات متقابلة واضحة المعالم. فرغم أن الخطاب الأميركي الراهن يحاول خلق "كتلة" يهودية - مسيحية، لا يقابلها كتلةً إسلامية موحّدة متجانسة، بل مجموعات مستعمَرة ومهيمَن عليها. وإساءة قراءة الصراع عبر عدسة دينية ضيّقة إنما تخفي أسبابه العميقة.
رغم حضور الخطاب الديني في النقاش الدائر حول الصراع، تشير بنية المواجهة ودوافعها وتحالفاتها جميعاً إلى واقع آخر. الحرب الراهنة ليست حرباً دينية في المقام الأول، بل هي صراع استعماري استيطاني وجيوسياسي على الموارد الاقتصادية والسلطة والنفوذ والنظام الإقليمي في الشرق الأوسط. فالتشخيص الخاطئ للصراع بوصفه دينياً، من شأنه أن يزيد الهُويّات تصلّباً، ويُعمّق الاستقطاب، ويجرّد الدبلوماسية من شرعيتها. وحتى إذا كان النظام الإيراني قد تحالف مع قوى دموية مثل نظام الأسد في سورية أو دعم مشروعاً طائفياً في العراق واليمن، فإن ذلك لا يجعل من الحرب حرباً دينية في جوهرها. يبقى السبب الجذري هو الاستعمار الاستيطاني والأبارتايدي المستمر في فلسطين ورفض قبول حلّ الدولتَين أو حلّ الدولة الواحدة. والنزعات الانتقامية التي تستهدف إيران أو حلفاءها في لبنان تفتقر إلى البصيرة التاريخية، وتشكّل خطورةً استراتيجية.
هناك فرق بين الدين بوصفه خطاباً يُوظَّف، والدين بوصفه بنية سببية تُحرِّك الأحداث
لو كانت هذه الحرب الإمبريالية على إيران دينية في جوهرها، لرأيت التحالفات ترسم خيوطها على نسيج المعتقَد، ولانحاز كلُّ فريق إلى قُبلة مذهبه. لكنّ التاريخ شاهد لا يُكذَّب: الحروب الأوروبية الدينية في القرنين السادس عشر والسابع عشر تقدّم لنا مثالاً كلاسيكياً لهذا النمط من الاستقطاب. أمّا اليوم، فمشهد الشرق الأوسط يكسر هذه القاعدة، ويعبر الحدود الدينية بامتياز. فالولايات المتحدة توثّق علاقاتها الاستراتيجية مع دول ذات غالبية مسلمة، وإسرائيل تنسج تحالفات دبلوماسية وأمنية مع أنظمة عربية تحت خيمة "الاتفاقات الإبراهيمية"، فيما تمدّ إيران يد التعاون إلى قوىً لا يحرّكها إلا البوصلة الاستراتيجية، لا الدين. الحرب إذن تُقرأ بمنطق الردع العسكري، والسباق نحو التفوّق النووي، والصراع على الممرّات الحيوية، وكلّها عناوين تخدم هدفاً أسمى: الحفاظ على المشروع الاستعماري الاستيطاني الإسرائيلي، وترسيخ الهيمنة الاقتصادية في المنطقة.
الإبادة الجماعية في غزّة، والحرب على لبنان وفنزويلا وإيران، تبدوان وكأنّهما نذر "اللا- نظام" العالمي الإمبريالي الجديد، الذي يطلّ بوجهه من تحت رماد القديم. حين نختزل الصراعات في معادلة "صراع الحضارات"، نمحو التنوّع الداخلي للمجتمعات، ونفتح الباب على مصراعيه للّوم الجماعي. أمّا إدراكنا أن هذه الحروب (على غزّة ولبنان وإيران) هي، في العمق، حروب استعمارية جيوسياسية، فلا يعني تجاهل حضور الدين في الفضاء العام، فهو لا يزال يصوغ الهُويّة، ويؤسّس للأعراف الاجتماعية، ويمنح الخيارات الأخلاقية مبرراتها.
الرؤية التحليلية الثاقبة تفرض علينا تمييزاً دقيقاً: هناك فرق بين الدين بوصفه خطاباً يُوظَّف، والدين بوصفه بنية سببية تُحرِّك الأحداث. في هذا الصراع، يظهر الدين في الغالب أداةً خطابيةً تُستعمل لتجميل الإرادات، لا محرّكاً جوهرياً لسلوك الدول. وإن نحن أسأنا قراءة هذا المشهد، فإننا نخاطر بإضفاء شرعية على العنف، وتجميد الهُويّات في قوالب جامدة، والأهم: تحويل البصر عن نظام الفصل العنصري الإسرائيلي ومشروعه الاستعماري الاستيطاني، وعن الحقائق الجيوسياسية التي تصوغ هذا الصراع وتُحدّد مسارَه.
