الخليج وسؤال الحكم في إيران
عربي
منذ يوم
مشاركة
لم يكن الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، في حاجةٍ إلى الاستدراك أمس على أقوالٍ له أعلنها أول من أمس، فيُخبرنا بأن "العدو" حرّف ما صدَر عنه بشأن الاعتداءات العسكرية التي تواصلها بلادُه على دول الخليج العربية، و"اعتذر" عنها الرئيس، وقال إن القوات المسلحة الإيرانية ستستهدف أي أرضٍ تنطلق منها هجمات. ولم يكن ذلك الكلام في حاجةٍ إلى مثل شُرّاح ألفيّة ابن مالك ليتحدّث صاحبُه عن التحريف غير الظاهر. ذلك أن المشكلة الأساس في أن "الاعتذار" الذي أفضى به، مقروناً بتعهّدٍ بعدم تكرار الضربات على دول الجوار العربي الخليجي، كان من لزوم ما لا يلزم، وإنْ نُسب هذا التعهّد إلى "مجلس القيادة المؤقت"، على ما أوضح بزشكيان الذي يعمل في غير المجرى الذي يمضي فيه الحرس الثوري، وكذا المستوى العسكري في قيادة الجيش، فهؤلاء أصحاب القرار، يساندهم فيه أركانٌ موثوقون نافذون من دائرة المرشد الأعلى الذي نالت منه اليد الإسرائيلية الطولى، فقضى اغتيالاً. وفي الوقت نفسه، لا غضاضة لدى أيٍّ من هؤلاء في أن يصرّح الرئيسُ بما يشاء، وأن يهاتف نظراءَ له في غير بلدٍ. والأمر نفسُه لوزير الخارجية، عباس عراقجي، الذي تتكيّف تصريحاتُه بحسب ظروفه بين الأجنحة العليا لصناعة القرار، فهو الذي كان قد ألمح إلى مسؤوليّة الحرس الثوري عن الهجمات التي تتعرّض لها دول الخليج، ثم نلقاه، بعد أيام، يمنح الجيران "حقّ التذمّر"، ويأمل منهم أن يوصلوا تذمّرهم إلى أميركا وإسرائيل اللتيْن اختارتا هذه الحرب، ويجب الضغط عليهما، على ما قال. دوّت المقذوفات الإيرانية، ساعاتٍ بعد "الاعتذار" النافل الذي أطلقه فخامة الرئيس، في سماوات دول الخليج العربية الست، في اعتداءاتٍ متنقّلةٍ مشهودة. وبالتزامن، دوّت أسئلةٌ عن الحسابات والرهانات في الجمهورية الإسلامية، وعمّن هم الحاكمون فعلياً في هذا البلد، وأين هو بالضبط موقع الرئيس في خريطة القيادة العليا، طالما يُجاز له أن يعتذر، بالنيابة عن نفسه (!)، ويتعهّد باسم القيادة العسكرية بما يتعهّد به، ثم لا يعتدّ بشيءٍ من هذا وذاك. وقد استفاض المختصّون في الشأن الإيراني في درْس مستويات القوة في مراجع الحكم وهيئاته، والسلطة الأولى للمرشد الأعلى الذي لا يُجيز للمفاوض الأسبق في الملف النووي، علي لاريجاني، بأن يترشّح في انتخابات رئاسة الجمهورية، ثم ينصّبه أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، فيكون الشخص الأرفع في المنطقة الوسطى بين السياسة والأمن، إلا أن هؤلاء الدارسين، في الأرجح، لم يقعوا في وقائع تتابعت منذ انتصار الثورة في 1979 على حالةٍ كالتي تبدّت قدام الجميع في السابع من مارس/ آذار 2026. الواضح، إلى حدٍّ كبير، أن طهران عندما تضرب منشآتٍ ومرافق مدنيةً وحيويةً ونفطيةً في دول الخليج العربية الست لا تكترث بالذي تُعلنه هذه الدول أن الهجمات الأميركية على الداخل الإيراني لا تنطلق من قواعد أميركية في أراضيها، غير أن الاستراتيجية، التي لم تعُد خافية، وتتوطّن في الحرس الثوري والتشكيلات العسكرية هناك، أن من غير المقدور ضرب الولايات المتحدة نفسها، ولا حاملات طائراتها القريبة والبعيدة، فيصير التوجّه إلى الضغط الميداني على دول الخليج، في محاولةٍ لتأزيم الإقليم ورفع أكلاف الحرب على حلفاء واشنطن وأصدقائها، عساها، هذه المحاولة، من دون أي اكتراثٍ بتبعاتها الفادحة، في شأن الطاقة خصوصاً، تنجح في الضغط باتجاه وقف الحرب، والذهاب إلى جولات تفاوض متجدّدة. ولا تملك الدول العربية المستهدفة إلا أن تتهيأ منظوماتُها الدفاعية، وتعمل على تطويق هذا العبث الإيراني وتماديه، فليست معنيةً بالذي في مدارك قادة الحرس الثوري وأمثالهم في الجمهورية الجارة، المعتدية على ما لا يجوز وصف آخر لها. من لزوم ما يلزم أن يعرف أهل الخليج، قادة وحكوماتٍ وشعوباً، من يحكُم في إيران، ومن سيحكُم، غير أن الأهم أن يعرفوا أن ثمّة فرصة استثنائية توفّرها المستجدّات الحادثة والمتتابعة، لمراجعة مفهوم الأمن القومي لكل دولة، ولمنظومة مجلس التعاون مجتمعة، فقد تأكّد، مجدّداً، أن أولويات الشاغل الأميركي بيع الأسلحة والطائرات الحربية، وليس العمل الجدّي على تأمين الخليج الذي لا شكّ يحميه أبناؤه، وأن الجار الإيراني لا يقيم اعتباراً لشروط صداقةٍ مأمولةٍ ومشتهاة، والحاكمون فيه يستخفّون باعتذارٍ معلن من رئيس الجمهورية، بلا حرج أو غير حرج.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية