عربي
لم يعد محلَّ شكٍّ أن الحرب الجارية بين واشنطن وطهران مخطّطٌ لها ومتعمَّدة من الولايات المتحدة، بعد أن أخذ الأميركيون يردّدون أن المفاوضات غير مجدية بسبب تعنّت إيران ورفضها التوصّل إلى اتفاق، وهو ما نفاه ضمناً وزير خارجية عُمان بعد ساعات من بدء الهجوم الإسرائيلي الأميركي، بقوله إن طهران كانت قد قبلت أهم مطالب واشنطن... وقد بادرت طهران فور التعرّض للهجوم إلى إطلاق عشرات الصواريخ والمسيّرات لقصف قواعد عسكرية أميركية ومواقع مدنية ومنشآت حيوية في دول الخليج، ثم استهداف منشآت استراتيجية وأهداف عسكرية مهمة في قلب إسرائيل.
أوحى هذا التسلسل بأن واشنطن وطهران تعلمان جيّداً ما تفعلان، وأن مسار المعركة يطابق السيناريوهات المرسومة بدقّة للهجوم والدفاع، لكنّ واقع الأمر ينطق بغير ذلك؛ فمواقف الطرفين وتحرّكاتهما اختلفت عما كانت قبل عشرة أيام مع بدء الحرب، في إشارة واضحة إلى أن الحسابات المسبقة لم تكن دقيقة، كما بدت ظاهرياً، أو كما ادّعى الطرفان.
فبعد أسبوع من بدء هجوم "الغضب الملحمي"، توالت تسريبات غربية عن عجز في الذخائر المستخدَمة في الهجمات الإسرائيلية الأميركية. واضطرّ الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلى الاعتراف بمشاوراتٍ أجراها مع أكبر شركات التصنيع العسكري الأميركية لسدّ ذلك العجز في أسرع وقت ممكن. وبعيداً من التفاصيل اللوجستية والتقديرات العسكرية المتعلّقة بهذه المسألة، ثمة دلالة عميقة بشأن التوقيتات المقدّرة لتلك الحرب. فمعنى نفاد الذخيرة المستخدَمة في حرب جارية بالفعل، أن المدى الزمني الذي كان مقدّراً للعمليات أقلّ كثيراً من الواقع الفعلي.
ويعضد هذا التحليل تدشين العمليات العسكرية باغتيال المرشد علي خامنئي، أي إطاحة رأس النظام الإيراني، برمزيّته الدينية والسياسية الرفيعة، ظنّاً أن "قطع الرأس" سيجعل النظام ينهار فتنتهي الحرب سريعاً في غضون أيام. وبالفعل، بادر ترامب في اليومين الأولين للحرب إلى مطالبة الشعب الإيراني بالخروج وإسقاط نظام الحكم في طهران، قبل أن يستدرك البيتُ الأبيض الموقفَ بإعلان أن مفهوم تغيير النظام المقصود ينصرف إلى تغيير "السلوك". وتكرّر التراجع أيضاً بشأن المدى الزمني للحرب، فتعدّدت التقديرات في الخطاب الأميركي الرسمي (والإسرائيلي أيضاً) من أيام وأسابيع إلى شهور.
لم تقتصر التراجعات على الجانب الأميركي الإسرائيلي فقط؛ فإيران أيضاً سارعت فور بدء الهجوم عليها في 28 من الشهر الماضي (فبراير/ شباط) إلى ضرب أهداف مهمة في خمس من دول الخليج العربية، قبل أن تضمَّ سلطنة عُمان أيضاً إلى دائرة الاستهداف. ثم في مساء الخميس الماضي، قدّمت طهران اعتذاراً علنياً بلسان الرئيس مسعود بزشكيان، الذي أكّد ألّا عداوة بين بلاده ودول الخليج.
ولأن الاعتذار في الثقافة الإيرانية أمر صعب، ففي تلك الخطوة إشارة واضحة إلى مدى التهوّر في إقدام طهران على ضرب أهداف داخل دول مجلس التعاون الخليجي، بخاصّة أن القصف لم يقتصر على مصالح أميركية كما ادّعت إيران حينها، وإنما امتدّ إلى أهداف ومنشآت محض خليجية، بعضها مدني.
من المعتاد أنْ تشهد الحروب تغييرات عملياتية، لكن ما يجري في الحرب حالياً ليس مجرّد تعديل جزئي أو خداع تكتيكي للخصم، وإنما تراجعات حقيقية عن تقديرات خاطئة وخطوات متسرّعة جاءت بنتائج عكسية، لكن هذا لا يعني تراجع إسرائيل وانسحاب واشنطن أو استسلاماً كاملاً من طهران؛ بل على العكس، الأرجح أن يسعى كلُّ طرف إلى استغلال أخطاء الآخر وتراجعاته. والنتيجة مزيد من التصعيد المتبادل والهروب إلى الأمام من الجانبَين، لتستمرّ الحرب على وقع أخطاء الجانبَين، وإنْ بوتيرة أبطأ واندفاع أقلّ.
