عربي
تواجه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب معادلة معقدة في أسواق الطاقة العالمية، مع اقتراب أسعار النفط من مستويات لم تشهدها منذ سنوات نتيجة تصاعد الحرب في المنطقة، والاستهداف المتبادل لمنشآت النفط، وتعطل مضيق هرمز أحد أهم شرايين تجارة الطاقة في العالم. وأغلق خام برنت، وهو المعيار العالمي لأسعار النفط، عند 92.69 دولاراً للبرميل يوم الجمعة الماضي، مرتفعاً بنسبة 28% خلال الأسبوع إلى أعلى مستوى له منذ عام 2023. كما قفز خام غرب تكساس الوسيط، وهو المعيار الأميركي، بنسبة 36% إلى 90.90 دولاراً للبرميل، في أكبر مكسب أسبوعي له منذ عام 1983.
وحذر بنك غولدمان ساكس الأميركي من أن أسعار النفط قد تتجاوز 100 دولار للبرميل الأسبوع الجاري إذا لم تظهر أي مؤشرات على حلول بحلول ذلك الوقت. وأضاف البنك الاستثماري أنه إذا استمرت القيود على حركة المرور عبر مضيق هرمز طوال شهر مارس/آذار، فمن المرجح أن تتجاوز الأسعار ذروتها التي سجلتها في عامي 2008 و2022، عندما تجاوز سعر برنت 147 دولاراً للبرميل ووصل سعر البنزين إلى مستوى قياسي بلغ خمسة دولارات للغالون.
توقعات ترامب
وقال ترامب خلال حديثه للصحافيين على متن طائرة إير فورس وان أول أمس السبت إنه غير قلق من الارتفاع الأخير بأسعار الوقود في الولايات المتحدة، متوقعاً أن تتراجع الأسعار قريباً. وأضاف: "كنا نتوقع أن ترتفع أسعار النفط، وهذا ما سيحدث. لكنها ستنخفض أيضاً". وتابع: "ستنخفض بسرعة كبيرة، وسنكون قد تخلصنا من سرطان كبير على وجه الأرض". وسُئل الرئيس عما إذا كان يدرس اتخاذ خطوات إضافية لمعالجة ارتفاع أسعار الوقود، بما في ذلك السحب من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الطارئ للولايات المتحدة. ولم يوضح ترامب ما إذا كان سيتخذ هذه الخطوة، مشيراً إلى أن البلاد تمتلك إمدادات نفطية كبيرة. كما انتقد سلفه جو بايدن لاستخدامه الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأميركي.
وقال ترامب: "لقد ملأت الاحتياطي، لكنه خفضه إلى أدنى مستوى وصل إليه على الإطلاق. سنبدأ في الوقت المناسب، وهو في الأساس قرار يعتمد على الحدس، وسنبدأ عندها في إعادة ملئه". وكان ترامب قد تعهد بإعادة ملء الاحتياطي عند توليه المنصب، لكنه لم يفعل ذلك العام الماضي عندما كانت الأسعار أقل. ولم تعد القضية تقتصر على تأمين المعروض، بل امتدت لتشمل مخاوف من ضرر هيكلي طويل الأمد يلحق بقطاع الطاقة، مما يضع البيت الأبيض أمام خيارات أحلاها مر لكبح جماح الأسعار التي بدأت تنهك جيوب المستهلكين.
وبحسب رابطة السيارات الأميركية، ارتفع متوسط سعر غالون البنزين العادي على مستوى الولايات المتحدة بنحو 27 سنتاً خلال أسبوع واحد فقط ليصل إلى 3.25 دولارات يوم الخميس الماضي، ثم ارتفع إلى 3.32 دولارات بعد ظهر الجمعة. وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد نشهد قريباً وصول سعر البنزين العادي في الولايات المتحدة إلى أربعة دولارات للغالون. أما البنزين الممتاز فقد تجاوز بالفعل هذا المستوى. وتقول رابطة السيارات إن آخر مرة ارتفع فيها المتوسط الوطني بهذا القدر خلال أسبوع واحد كانت في مارس/آذار 2022 بعد الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا.
وقالت صحيفة "واشنطن بوست"، في تقرير لها، أمس الأحد، إن تعطل إمدادات النفط عبر مضيق هرمز الذي يمر عبره أكثر من ربع النفط المنقول بحراً في العالم، قد يتسبب في صدمات سعرية تشمل الأدوية وأشباه الموصلات وكل ما يصنع من النفط. وأشارت إلى أن ارتفاع أسعار الوقود يؤثر بشكل غير متناسب على الأشخاص الذين يمتلكون هامشاً مالياً محدوداً. فبالنسبة للأسر التي تعاني بالفعل من ارتفاع تكاليف المعيشة، يمكن حتى لزيادة بسيطة في سعر البنزين أن تفرض خيارات صعبة بين الاحتياجات الأساسية.
خيارات ترامب
وحذر خبراء من أن خيارات دونالد ترامب لكبح الارتفاع الحاد في أسعار النفط الذي أشعلته الحرب محدودة للغاية، ما لم يتمكن بسرعة من إعادة فتح مضيق هرمز للسماح بتدفق الخام من الخليج، بحسب "فايننشال تايمز". وقالت الصحيفة، في تقرير لها، أمس الأحد، إن إدارة ترامب كشفت الأسبوع الماضي عن خطط لتأمين ناقلات النفط ومرافقتها أثناء عبورها الممر البحري الضيق، كما خففت العقوبات على النفط الروسي العالق في البحر، في محاولة لضخ سيولة إضافية بأسواق الخام العالمية. كما درست الإدارة خيارات لزيادة إنتاج النفط في الولايات المتحدة وفنزويلا، ويقال إنها ناقشت - ثم تخلت - عن خطة للتداول في عقود النفط الآجلة. لكن معظم الخبراء قالوا، بحسب الصحيفة، إن الطريقة الوحيدة لكبح أكبر قفزة في أسعار النفط منذ أكثر من ثلاثة عقود هي أن يقوم الجيش الأميركي وحلفاؤه بسرعة بتدمير قدرة إيران على تهديد الناقلات التي تعبر المضيق.
وقال مايك سومرز، الرئيس التنفيذي لمعهد البترول الأميركي، وهو أكبر جماعة ضغط في صناعة النفط: "التركيز الحقيقي يجب أن يكون على تأمين مضيق هرمز، لأن أياً من هذه الإجراءات، حتى جميعها مجتمعة، لن توفر مستوى الاستقرار الذي تحتاجه الاقتصادات العالمية". وأشار إلى أن الخيارات الأخرى لن يكون لها سوى تأثير هامشي على الأسعار". وأوضحت "فايننشال تايمز" أن "الارتفاع الكبير في أسعار النفط، قد يخلق أزمة سياسية داخلية للإدارة الأميركية في عام انتخابي (الانتخابات النصفية في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل)، في وقت تواجه فيه بالفعل غضب الناخبين بسبب تكاليف المعيشة. وقد يؤدي ارتفاع الأسعار إلى تفاقم أزمة الغلاء، التي ساهمت فيها جزئياً الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس على السلع الأجنبية، والتي تكافح الإدارة بالفعل للسيطرة عليها".
وقال مسؤولون في الإدارة الأميركية إن زيادة تدفقات النفط من فنزويلا - حيث سيطرت الولايات المتحدة على الإنتاج بعد اختطاف زعيمها نيكولاس مادورو في يناير/كانون الثاني - قد تساعد في سد الفجوة. كما خففت وزارة الخزانة الأميركية يوم الخميس الماضي مؤقتاً العقوبات على مبيعات النفط الروسي إلى الهند، وأشارت إلى إمكانية إصدار إعفاءات إضافية بهدف ضخ سيولة في السوق. وكانت ناقلات محملة بالنفط الروسي تطفو في البحر دون وجهة. وقال وزير الخزانة سكوت بيسنت لقناة فوكس نيوز: "قد نرفع العقوبات عن مزيد من النفط الروسي. هناك مئات الملايين من البراميل الخاضعة للعقوبات… الموجودة في البحر، وبشكل أساسي يمكن لوزارة الخزانة، عبر رفع العقوبات عنها، أن تخلق إمدادات إضافية – ونحن ننظر في ذلك".
وكان أحدث تحرك للإدارة لتهدئة الأسواق هو الإعلان عن برنامج إعادة تأمين بقيمة 20 مليار دولار من مؤسسة تمويل التنمية لتغطية الناقلات التي تعبر المضيق. غير أن متخصصين في قطاع التأمين شككوا بقدرة الوكالة على توفير التغطية اللازمة لمنح ملاك السفن الثقة لاستئناف الشحنات، وفق "فايننشال تايمز". وقد عبرت أقل من 50 سفينة المضيق خلال الأسبوع الماضي، وهو جزء ضئيل من الحركة المعتادة، في حين بقيت نحو 500 ناقلة نفط وغاز عالقة في المياه المحيطة. وحذر ملاك السفن من أنهم يحتاجون إلى ضمانات أمنية قبل إرسال السفن والموظفين عبر المضيق. وانتقد بعض الخبراء تعامل إدارة ترامب مع العمليات في إيران وارتفاع الأسعار، محذرين من أن أسواق النفط قد تدخل في حالة انهيار إذا لم يتم اتخاذ إجراءات حاسمة.
وقال مايكل ألفارو، كبير مسؤولي الاستثمار في صندوق التحوط "غالو بارتنرز" المتخصص في الطاقة والصناعة إن "العديد من قرارات السياسة التي اتخذتها الإدارة أو طرحتها خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية تبدو وكأنها محاولة يائسة لتهدئة أسواق النفط". وأضاف: "إذا لم نر مؤشرات على إعادة فتح مضيق هرمز بسرعة بحلول اليوم الاثنين، فإننا نتوقع قفزة جديدة في أسعار السلع الأساسية".
