عربي
أعرب المرصد المغربي لحماية المستهلك (غير حكومي) عن قلقه إزاء التوسّع المتسارع في استخدام كاميرات المراقبة داخل فضاءات يرتادها المواطنون يومياً، من قبيل المقاهي والعيادات والمؤسسات التعليمية والبنوك والقاعات الرياضية.
واعتبر المرصد، في بيان، أن "النقاش الدائر لا يتعلق بمدى الحاجة إلى هذه الوسائل الأمنية، بقدر ما يرتبط بمدى احترام الضوابط القانونية المؤطرة لاستعمالها، وضمان عدم تحولها إلى وسيلة تمسّ جوهر الحياة الخاصة. الفضاءات الحساسة تشكل أعلى درجات الخطر، فالعيادات والمصحات تتطلب حماية صارمة للملفات الطبية، والوكالات البنكية ومكاتب المهن الحرة تحتاج إلى مراقبة دقيقة لضمان سرية المعطيات المالية والمهنية، بينما المؤسسات التعليمية تستدعي موافقة قانونية، فيما الإدارات العمومية والقاعات الرياضية تتطلب ضبطاً صارماً لحق المواطن في الخصوصية".
وينص الفصل 24 من الدستور المغربي على ضمان الحق في حماية الحياة الخاصة وحرمة الاتصالات، ويؤطر القانون حماية الأشخاص تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، ويفرض جمع الصور والتسجيلات ومعالجتها بعد التصريح المسبق لدى الجهة المختصة، وتحديد الغاية المشروعة من المعالجة، واحترام مبدأي الضرورة والتناسب، وضمان مدة احتفاظ محدّدة وآمنة بالمعطيات، مع تمكين المعنيين من ممارسة حقوقهم القانونية في الولوج والتصحيح والحذف.
ويؤكد الناشط المدني محمد النحيلي ضرورة التوازن بين متطلبات الأمن واحترام الحقوق والحريات الفردية، ويوضح لـ"العربي الجديد"، أنه "لا يمكن إنكار أنّ كاميرات المراقبة أصبحت أداة تكنولوجية مهمة تساهم في تعزيز الإحساس بالأمن، كما تساعد في الوقاية من بعض الأفعال الإجرامية، وتسهّل عملية الكشف عن مرتكبيها، غير أنّ التوسّع في استعمال هذه الوسائل يجب أن يجري في إطار من الشفافية والضوابط القانونية، ما يضمن عدم المساس بخصوصية المواطنين، أو استعمال هذه الوسائل خارج الأهداف التي وضعت من أجلها".
ويضيف: "حماية الأمن العام تظل مسؤولية جماعية، لكن هذه الحماية ينبغي أن تسير جنباً إلى جنب مع احترام الحق في الخصوصية وصون المعطيات ذات الطابع الشخصي. من هذا المنطلق، فإنّ الحاجة أصبحت ملحّة لتعزيز الوعي بأهمية احترام المقتضيات القانونية المنظمة لاستعمال كاميرات المراقبة، وضمان وجود رقابة فعالة على طرق استعمالها وتدبير تسجيلاتها".
ويلفت النحيلي إلى أن "بناء مجتمع آمن لا يقتصر على اعتماد الوسائل التقنية، بل يقوم كذلك على ترسيخ الثقة بين المؤسسات والمواطنين، وهي ثقة لا يمكن أن تتحقق إلّا من خلال احترام القانون وضمان حماية الحقوق والحريات الأساسية، لذا ندعو إلى استمرار النقاش العمومي حول هذا الموضوع، بما يفضي إلى مقاربات متوازنة تضمن الأمن وتحترم في الوقت نفسه كرامة المواطن وحقه في الخصوصية".
من جهته، يرى رئيس المكتب التنفيذي للجمعية الوطنية للدفاع عن حقوق الإنسان، محمد رشيد الشريعي، أن "الإشكال يطرح أكثر داخل الفضاءات الحساسة التي تتداول معطيات دقيقة، من قبيل المؤسسات الصحية التي تحتوي على معلومات طبية، والمؤسسات التعليمية التي تضم قاصرين، والوكالات البنكية التي تعرف معالجة يومية لمعطيات مالية، إضافة إلى الإدارات العمومية حيث يدلي المواطنون بوثائق شخصية ورقمية".
ويؤكد الشريعي لـ"العربي الجديد"، أن وجود كاميرات في مثل هذه الفضاءات يقتضي احتراماً صارماً لحدود التغطية ومجال التسجيل، مع إشعار واضح بوجودها والغرض من استعمالها، مشيراً إلى أن "الانتشار المتزايد للكاميرات أثار نقاشاً واسعاً بين مؤيدين يرون فيه خطوة لتعزيز الأمن، ومعارضين يخشون من انعكاساته على الحريات الفردية. الحل يكمن في تنظيم استعمال التكنولوجيا عبر قوانين واضحة تضمن التوازن بين الأمن واحترام الحياة الخاصة، مع وضع ضوابط صارمة تحدّد أماكن تركيب الكاميرات، وطريقة حفظ البيانات، والجهات المخول لها الاطلاع عليها".
ويشدد على أهمية إخبار المواطنين بوجود كاميرات المراقبة عبر إشعارات واضحة، واحترام القواعد المتعلقة بحماية المعطيات الشخصية، لافتاً إلى أن "الجدل المحلي حول كاميرات المراقبة يبقى جزءاً من نقاش عالمي أوسع يتعلق بكيفية التوفيق بين متطلبات الأمن وضمان الحريات الفردية، فبينما يرى البعض أن هذه الكاميرات تعزز الشعور بالأمان وتحد من الجريمة، يعتقد آخرون أن الإفراط في استخدامها قد يؤدي إلى مجتمع يخضع للمراقبة الدائمة. في ظل هذا الجدل، يبدو أن التحدي الحقيقي يكمن في إيجاد توازن دقيق يسمح بالاستفادة من مزايا التكنولوجيا من دون المساس بحقوق المواطنين الأساسية".
