عربي
بعد تسعة أيام فقط من اندلاع الحرب الإسرائيلية-الأميركية ضد إيران، وما حملته من تهديدات محتملة لإمدادات الطاقة والغذاء في المنطقة، تحولت قضية أسعار السلع الأساسية في مصر إلى ملف شديد الحساسية، دفع السلطات إلى التعامل معه باعتباره مسألة أمن قومي تستدعي حالة طوارئ، في ظل موجة ارتفاعات مفاجئة في الأسواق، ومخاوف من استغلال بعض التجار للتوترات الإقليمية لتحقيق أرباح سريعة على حساب المواطنين.
ظهرت مخاوف السلطات جلية في أثناء حفل إفطار نظمته الأكاديمية العسكرية بعد ستة أيام من اندلاع الحرب، كشف خلاله الرئيس عبد الفتاح السيسي عن توجيهه بدراسة إمكانية إحالة المتلاعبين بالأسعار إلى القضاء العسكري. وهي خطوة رفضها قانونيون باعتبارها تقفز بالأزمة إلى حالة طوارئ من دون سند دستوري، بينما يراها مسؤولون رسالة ردع قوية للتجار والمضاربين في الأسواق، رغم أن مصر ليست طرفاً مباشراً في الحرب الدائرة، ولم تعلن بعد حالة الطوارئ التي تتيح تطبيق قوانين استثنائية.
وتسوّق السلطات لهذا الإجراء مع تصاعد المخاوف من أن تتحول موجة التوترات الإقليمية إلى فرصة لبعض التجار لرفع الأسعار بصورة مبالغ فيها.
وقد واكب ذلك ارتفاع غير مسبوق في سعر الدولار بالبنوك ليصل إلى نحو 52.21 جنيهاً، وفي سوق المعاملات التجارية بلغ 55 جنيهاً، إضافة إلى مطالبة غرفة صناعة الأدوية والمنتجين برفع الأسعار، رغم أن تأثيرات الأزمة لم تصل بعد إلى مستوى يبرر تلك الزيادات.
وقال السيسي إن الدولة تعيش ما وصفه بـ"حالة شبه طوارئ"، تفرض ضرورة عدم التلاعب باحتياجات المواطنين الأساسية، مؤكداً أن الأزمات الإقليمية قد تفرض ضغوطاً على الأسواق، لكن ذلك لا يبرر استغلالها في رفع الأسعار أو تخزين السلع بهدف المضاربة.
وتشير تقديرات حكومية إلى أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى اضطراب طويل الأمد في المنطقة، بما يؤثر على حركة التجارة الدولية. ومع ظهور زيادات كبيرة في أسعار الطاقة والشحن البحري، انعكس ذلك بدوره على الاقتصاد المصري الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد في تلبية احتياجاته الغذائية والصناعية.
وبحسب جولة ميدانية لـ"العربي الجديد"، تشهد الأسواق المصرية قفزات في أسعار عدد كبير من السلع الغذائية والصناعية منذ اندلاع الحرب، متأثرة بارتفاع الدولار وزيادة تكاليف التأمين على الواردات وأسعار الشحن والسلع. فقد ارتفعت الأعلاف بنسبة تصل إلى 40%، منها فول الصويا بنحو 12%، بينما ارتفعت الذرة الصفراء بنحو ألف جنيه للطن. وقفزت أسعار الدواجن البيضاء من 100 إلى نحو 125 جنيهاً للكيلو غرام للمستهلك، كما ارتفعت أسعار الدقيق والخضراوات وسط اتهامات للتجار باستغلال الأوضاع الإقليمية لرفع الأسعار.
وطاولت الزيادات صناعات أخرى، منها السيراميك بنحو 25%، كما ارتفعت أسعار السيارات والهواتف المحمولة بنحو 15% نتيجة ارتفاع تكلفة الاستيراد وبدء احتساب التجار تكلفة الائتمان للبضائع مع تقييم الدولار بنحو 55 جنيهاً.
وفي قطاع الدواء، حذر رئيس شعبة الأدوية في اتحاد الغرف التجارية، علي عوف، من احتمال ارتفاع تكلفة تصنيع الأدوية بنحو 30% خلال الأشهر المقبلة إذا استمرت الأوضاع الحالية، نتيجة ارتفاع أسعار المواد الخام المستوردة وتكاليف النقل والتأمين، بما يزيد من تعقيد الأزمة الصحية في ظل الزيادات الكبيرة والمتكررة خلال العام الماضي.
ورغم أن التلويح بإحالة المتلاعبين بالأسعار إلى القضاء العسكري لقي تأييداً من بعض البرلمانيين والمسؤولين باعتباره أداة ردع سريعة، أثارت الفكرة مخاوف حقوقيين ورجال قانون يرون ضرورة إنهاء القوانين الاستثنائية التي تحد من الحريات العامة وتهدد سمعة الاستثمار في دولة متعطشة للقروض والاستثمارات الأجنبية وجذب الأموال الساخنة.
وأبدى الفقيه الدستوري يحيى قدري، في تصريحات لـ"العربي الجديد"، تحفظه على إسناد الجرائم المدنية إلى القضاء العسكري، مؤكداً أن المسار المقترح من السلطة التنفيذية يضفي صبغة غير دقيقة على القضاء العادي الذي يمتلك القدرة على التعامل مع هذه القضايا بكفاءة.
وشدد قدري على ضرورة أن يظل القضاء العسكري مختصاً بالجرائم العسكرية، موضحاً أن الفارق بين القضاءين لا يتعلق بشدة العقوبات أو نصوص القوانين بقدر ما يتعلق بسرعة الفصل في القضايا، مقترحاً بدلاً من ذلك تعديل القوانين الحالية بما يمكن القضاء المدني من تسريع إجراءات المحاكمة في قضايا الاحتكار والتلاعب بالأسعار.
في المقابل، دافع بعض المصنعين والتجار عن زيادات الأسعار، مشيرين إلى أن الأزمة الإقليمية أدت إلى ارتفاع كبير في تكاليف الإنتاج والاستيراد. وقال رئيس شعبة الأدوية علي عوف في تصريحات صحافية إن صناعة الدواء في مصر تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد المواد الخام من الصين والهند، ما يجعلها شديدة الحساسية لأي اضطراب في حركة التجارة العالمية.
وأضاف أن تكاليف التأمين على الحاويات ارتفعت بنسبة تصل إلى 50%، كما ارتفعت تكلفة الشحن الجوي بين 200% و300%، وهو ما يهدد بزيادة تكلفة الإنتاج بنسبة تصل إلى 30% خلال الأشهر الثلاثة المقبلة. وأشار إلى أن نظام التسعير الجبري للأدوية يمنع الشركات من تمرير هذه الزيادات مباشرة إلى المستهلكين، ما يضع الشركات أمام معضلة مزدوجة بين ارتفاع التكاليف وثبات الأسعار.
ويرى اقتصاديون أن هذا الاعتماد الكبير على الاستيراد يجعل أي اضطراب إقليمي في أسعار النفط أو حركة التجارة الدولية ينعكس سريعاً على الأسواق المحلية.
وعلى الصعيد السياسي، أثارت موجة ارتفاع الأسعار ردات فعل واسعة داخل مجلس النواب، حيث تقدم عدد من النواب بطلبات إحاطة للحكومة لمناقشة أسباب الارتفاعات المفاجئة في الأسعار. وطالب النواب بتشديد الرقابة على الأسواق ومحاسبة المسؤولين عن أي تقصير في ضبط الأسعار أو توفير السلع الأساسية.
كما دعا بعض النواب إلى اتخاذ إجراءات صارمة ضد التجار الذين يستغلون الأزمات الدولية لرفع الأسعار من دون مبرر، مؤكدين أن حماية المواطنين من الغلاء مسؤولية مشتركة بين الحكومة والأجهزة الرقابية.
وفي مواجهة هذه التطورات، أعلنت الحكومة اتخاذ سلسلة من الإجراءات لضبط الأسواق ومنع الاحتكار. وقال رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي، في تصريحات صحافية مؤخراً، إن الحكومة وضعت سيناريوهات للتعامل مع الأزمة منذ أشهر، مؤكداً أن الدولة لن تسمح بأي ممارسات احتكارية أو استغلال للأزمة، وأن المخزون الاستراتيجي من السلع يكفي لعدة أشهر.
وكثفت وزارتا التموين والتنمية المحلية حملات التفتيش على المخابز والمتاجر، كما أطلقت وزارة التموين تطبيقاً إلكترونياً باسم "رادار الأسعار" يتيح للمواطنين متابعة أسعار السلع الأساسية والإبلاغ عن أي زيادات غير مبررة.
بدورها دعت الغرف التجارية التجار إلى الالتزام بالأسعار وعدم استغلال الأزمات. وقال رئيس شعبة المستوردين في الاتحاد العام للغرف التجارية، في تصريح لـ"العربي الجديد"، متى بشاي، إن توجهات الدولة بشأن ضبط الأسعار جاءت في توقيت مهم في ظل التوترات الإقليمية، مشدداً على أن ارتفاع سعر الدولار أمام الجنيه لا يبرر زيادة الأسعار بصورة فورية، لأن هذا الارتفاع مؤقت، كما أن الأسواق لم تشهد انخفاضاً مماثلاً عندما تراجع سعر الدولار في الفترة الماضية.
