المطبخ الريفي.. ساحة عمل غير مرئية للنساء في رمضان
تقارير وتحليلات
منذ 20 ساعة
مشاركة

بعد صلاة الظهر مباشرة، تدخل الأربعينية أم محمد مطبخها في ريف الحداء بمحافظة ذمار، وتهمس في نفسها: “الآن يبدأ الشوط الثاني من العمل”، حيث تتحول مطابخ الريف اليمني في رمضان إلى ساحات عمل مضاعفة، تعكس صبر النساء وقدرتهن على إدارة الوقت وتنظيم المهام رغم مشقة الصيام وقسوة الحياة الريفية.

في الأرياف، يتقاطع الصيام مع قسوة الحياة اليومية ويكشف الأدوار النسوية الشاقة التي غالبا ما تبقى طي الكتمان وبعيدة عن الأضواء، فالمرأة الريفية في اليمن لا ترى رمضان مجرد طقس تعبدي، بل اختبارا يوميا لصبرها وتنظيمها وقدرتها على العطاء وسط شح الموارد وتراكم المسؤوليات.

تقول أم محمد: “من بعد صلاة الظهر، وأحيانًا قبلها، تبدأ رحلة الطبخ اليومية التي غالبًا ما تنتهي الساعة التاسعة مساء، مع غسل الصحون، وتشير إلى أن الأدوار تتوزع بين نساء البيت، وكل واحدة تتولى مهمتها على أكمل وجه، من غسل الصحون وتجهيز الأواني إلى الطهي وتحضير الشوربة واللحوح والشفوت، وصولا إلى بقية الأطباق التقليدية.


مواضيع مقترحة


وتضيف:” من غسل الصحون وتجهيز الأواني، إلى الطهي وتحضير الشوربة واللحوح والشفوت، وإعداد بقية الأطباق التقليدية، يتحول المطبخ إلى ساحة عمل تعكس صبر النساء وقدرتهن على إدارة الوقت وتنظيم المهام، وصناعة لحظات العائلة قبل الأذان”.

تتوزع المهام بين النساء، إذ تقول سامية من ريف إب: “أنا على الطبخ الرئيسي، أختي تتولى الخبز واللحوح، وبنتي الصغيرة مسؤولة عن السلطة وترتيب السفرة والحلويات، العمل يتقاسم، لكن التعب لا يختفي، فقط يتوزع بلطف.

وتضيف لـ” ريف اليمن”:”أيام العزائم يتضاعف كل شيء، الكمية، الوقت، وحتى الجيران يشاركوننا في إنجاز المهام ، أحيانًا أدخل المطبخ قبل الموعد بساعتين وأظل واقفة حتى بعد أذان المغرب، مشيرة إلى أن أكثر الوجبات حضورا هي الأطباق التي تطهى بكميات كبيرة لتكفي الجميع هي الأرز باللحم أو الدجاج، الشوربة، الفته، الشفوت، والخبز البلدي.

أعباء مضاعفة

تؤكد إقبال حسن، مديرة إدارة تنمية المرأة الريفية بمكتب الزراعة والري بمحافظة أبين، أن النساء يتحملن أعباء مضاعفة خلال رمضان، في دورة يومية تبدأ من السحر وحتى الإفطار، وتوضح أن بعض النساء يبدأن نشاطهن مباشرة بعد السحور دون نوم، بين الأعمال المنزلية وتنظيف الحظائر، والتوجه للحقول لجلب أعلاف الماشية في رحلة شاقة قبل العودة لأخذ قسط وجيز من الراحة.

المطبخ الريفي في رمضان.. ساحة عمل غير مرئية للنساء
وجبات يمنية متنوعة(انترنت)

وتضيف”: تواصل المرأة بعد ذلك مهامها في تحضير متطلبات المائدة الرمضانية، مع رحلات لجلب الحطب مرتين أسبوعيا، معتمدة على المواقد التقليدية والتنانير الطينية، مما يضاعف الجهد البدني في ظل الصيام.

وعن التحضيرات الاستباقية، أشارت إلى أن الاستعداد لرمضان يبدأ قبل حلوله؛ إذ تتولى المرأة ترميم وتجهيز المنزل عبر جلب الطين على ظهور الحيوانات لدهن الأرضيات والمطابخ، وإصلاح التنور والموقد باستخدام “الخَلْفَة” التقليدية، كما تشمل الاستعدادات تنقية الحبوب والقمح وتجهيزها للمطاحن، لتأمين الوجبات الرمضانية الأساسية”.

أما رئيسة مؤسسة إنسان التنموية (HDF) أندى الصلاحي، فتقول إن النساء في الريف يعشن خلال الشهر الفضيل ضغطا مضاعفا، إذ لا يقتصر دورهن على العمل في الحقول ورعاية الأسرة، بل يمتد ليشمل إعداد وجبات رمضانية طويلة ومعقدة، في ظل أزمات خانقة تتعلق بالغاز وارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية.

وتوضح الصلاحي لـ “ريف اليمن”، أن هذا الجهد اليومي يستنزف طاقة النساء بشكل كبير، ويحول المطبخ الريفي إلى مساحة إضافية للمعاناة، حيث يتقاطع العمل المنزلي مع قسوة الظروف المعيشية في الريف، من شح الموارد إلى صعوبة الوصول للخدمات الأساسية.


الصلاحي: يجب أن يُعترف بهذا العمل كجزء أساسي من الاقتصاد المنزلي والمجتمعي، وجهد إنتاجي لا يقل أهمية عن العمل في الحقل أو السوق.


وحول نظرة المجتمع لهذا الجهد، تشير إلى أن العمل الذي تقوم به النساء في المطبخ الريفي ما يزال في كثير من الأحيان، يختزل في كونه “دورا تقليديا”، رغم أنه جهد إنتاجي واجتماعي لا يقل أهمية عن العمل في الحقل أو السوق ويتطلب دعما حقيقيا وتخفيفا فعليا.

وتشير الصلاحي إلى أن المجتمع لا يدرك حجم المعاناة الكامنة خلف إعداد الطعام في ظل الغلاء، وانقطاع الغاز، وصعوبة الحصول على الوقود والمياه، مؤكدة أن هذا العمل يجب أن يُعترف به كجزء أساسي من الاقتصاد المنزلي والمجتمعي، وجهد إنتاجي لا يقل أهمية عن العمل في الحقل أو السوق.

وفيما يتعلق بالحلول، تشدد رئيسة مؤسسة إنسان على الحاجة الملحة لإطلاق مبادرات إنسانية تستهدف تخفيف العبء عن النساء الريفيات خلال رمضان، من خلال توفير أدوات منزلية موفرة للوقت والجهد، وإنشاء مطابخ جماعية، أو اعتماد برامج تبادل الأطباق بين الأسر لتقليل الضغط اليومي.

كما أشارت إلى ضرورة تعزيز برامج الدعم الغذائي التي تضمن توفير المواد الأساسية مسبقا، خاصة في ظل الغلاء وأزمات الوقود والغاز، إلى جانب تبني حلول مرتبطة بالتكيف مع التغيرات المناخية، مثل دعم الزراعة المستدامة وتوفير مصادر طاقة بديلة، لمساندة النساء في مواجهة التحديات المتزايدة للحياة الريفية.

المطبخ الريفي في رمضان.. ساحة عمل غير مرئية للنساء
فطير داخل تنور طيني في إحدى قرى مديرية سامع جنوبي تعز(ريف اليمن)

دور مجتمعي

يشير شاهر سعد، مدير الإعلام بوزارة الزراعة بمحافظة تعز، إلى أن إعداد الطعام الرمضاني في الريف ليس نشاطا فرديا فقط، بل طقس جماعي يرتبط بالهوية الاجتماعية والدينية فالمرأة الريفية تستشعر نوعاً من العبادة غير المباشرة، إيمانا بالأجر الديني لإطعام الصائم، كما تعيش حالة من الإنجاز الاجتماعي، حيث جودة المائدة وانضباطها يعكس كرم البيت وحسن إدارته.”

ويضيف لـ”ريف اليمن: “النساء يتشاركن في تحضير المخبوزات التقليدية مثل الملوح واللحوح والخمير، وتبادل الأطباق الأصيلة مثل الشفوت والعصيد والسمبوسة، مما يحول المطبخ إلى مساحة للتعلم والتوريث الثقافي بين الجدات والأمهات والفتيات، ويعزز قيم التكافل الاجتماعي ويمنح المرأة حضورا اجتماعيا فاعلا ومؤثرا من قلب منزلها.

لافتا أن خبرته التي تمتد لأكثر من عقد في الوسط الريفي كمسؤول إرشاد وإعلامي، مكنته من ملامسة الدور المحوري الذي تضطلع به المرأة الريفية، لاسيما خلال شهر رمضان المبارك؛ حيث يتحول إعداد الطعام من مجرد روتين يومي إلى فعل اجتماعي ونفسي عميق الدلالة.

“ترتبط مكانة المرأة في الثقافة الريفية من خلال قدرتها الفائقة على إدارة الوقت، وتنويع المائدة، وإكرام الضيف؛ إذ يعد نجاحها في هذا “الاختبار الرمضاني” معيارا لنيل تقدير مجتمعي واسع، مما يجعل رأيها سديدا ومحل استشارة لدى قريناتها، وصولا إلى تحولها لمرجع موثوق في فنون الطهي التقليدي”، يقول سعد.

ويشير إلى أن العادات الريفية تفرض اعتمادا كليا على المنتجات المحلية كـ “الذرة، والدخن، واللبن، والسمن البلدي”، مع الحفاظ على أطباق رئيسية أصيلة مثل “السلتة، واللحوم، والحلبة”، ما يبرز الدور المحوري للمرأة بوصفها “حارسة للإرث الغذائي”.

*صورة الغلاف لوحة فنية لإمرأة ريفية أثناء صناعة الطعام باستخدام موقد الحطب(عزيز المعافري)

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية