احتفالية جوائز بريت الغنائية... قصة مدينتين
عربي
منذ 5 أيام
مشاركة
شهِدت احتفالية توزيع الجوائز الموسيقية البريطانية بريت (BRIT) هذا العام انزياحاً جغرافيّاً لافتاً، إذ تقرّر نقلُ مكان الاستضافة من لندن إلى مانشستر، لتكون المرّةُ الأولى التي تتنازل فيها العاصمةُ عن امتياز تنظيم الحدث الأهمّ في البلاد على صعيد الأغنية الجماهيرية، والذي ترعاه شركة ماستر كارد الدولية للائتمان. وللانزياح الجغرافي هنا رمزيةٌ ثقافية، إذ مثّل المهرجانُ في السابق الصورةَ التي روّجتها القارّة الأوروبية على الدوام، برأس حربتها الأنغلوساكسوني بريطانيا، على أنّها المُقابل الثقافي والموسيقي التقدّمي الأكثر تحرّراً وخروجاً عن المألوف لنظيرتها الأميركية الآتية من الضفّة الغربية للأطلسي، المحافِظة والرتيبة. ففي حين ركّزت الأخيرة على الصناعة الفنّية الملتزمة قبل كلّ شيء، بتحقيق العوائد والعمل على تلبية ما يطلبه الجمهور، قُدِّم البوب البريطاني، والأوروبي خلفه، على أنّه الموسيقى البديلة لجيل الشباب، سواء لجهة الشكل المنعتق من القوالب الجاهزة والمكررة المعدّة للاستهلاك، أو لجهة المضمون المبتعد عن الكليشيهات السطحية والمنخرط بنشاط في القضايا السياسية والإنسانية. وقد اضطلعت لندن، منذ سبعينيات القرن الماضي، بصفة الحاضرة المتروبوليتية الحاضنة لأصحاب الياقات البيضاء في البلاد، مُتمثّلين بالمؤسسة المالية والثقافية، من شركات إنتاج وتعليب وتسويق المنتجات السمعية، عبر إصدار الأسطوانات وترويج محتواها من خلال البث الإذاعي والتلفزيوني. لذلك، أولت المدينة اهتماماً بالدرجة الأولى بالصناعة الموسيقية الربحيّة، واستثمر وكلاؤها في الأغنية الجماهيرية الموجّهة للذائقة السائدة والمعدّة للاستهلاك واسع النطاق. إلا أنّها، في الوقت نفسه، وبحكم طابعها متعدّد الثقافات، ظلّت تؤوي ضمن منسوبٍ تحتيّ (Underground) بعض التيارات الموسيقية المثيرة للجدل، المتحدّية الأعرافَ الاجتماعية والمتصدّية لاحتكار اقتصاد السوق للإبداع الموسيقي والغنائي. فقد شهدت أحياءٌ في شرق المدينة، مثل سوهو وكاندن، تأسيس علامات تسجيل أسطوانات مستقلّة عن تلك التجارية، مثل Rough Trade، ومهّدت لظهور فرق نشطت خارج نطاق السوق الموسيقية، صاغت أغانيها بأساليب فريدة وأسّست لتيارات جديدة مثل "بانك"، وحمّلتها خطاباً سياسياً حادّ النبرة، مثل The Clash وThe Jam. في المقابل، عُرفت مانشستر، في الشمال الغربي من البلاد، بوصفها مدينة الياقات الزرقاء، مدينة عمّال المصانع. لذلك، اضطلعت منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي بدور الحاضنة لموسيقى الأندرغراوند والبديلة. فقد ظهرت في أحيائها السكنية المبنية بالقرميد الخمري تياراتٌ متأثّرة بأجواء رومانسية ما بعد الصناعة التي طبعت المدينة، إثر مرحلة الانتقال من التصنيع إلى اقتصاد الخدمات، إبّان رئاسة مارغريت تاتشر الحكومة. أسهمت علامات التسجيل المستقلّة والنوادي الصغيرة في ترسيخ تقاليد الإنتاج خارج هيمنة الشركات الكبرى، الأمر الذي مهّد إلى تأسيس فرق مؤثّرة في الثمانينيات مثل The Smiths.  في أواخر العقد المذكور، اتّسعت شهرة المدينة عالمياً مع صعود حركة مادشستر المرتبطة بنادي The Haçienda الشهير، حيث امتزج الروك البديل بثقافة الرقص والإلكترونيك والسايكيدليا عبر فرق مثل The Stone Roses. وقد استمرّت هذه الخصوبة الموسيقية حتى عقد التسعينيات مُنجبةً فرقةً مثل Oasis. وفي حين أنّ أياً من الفرق اللندنية البديلة لم يكن على رادار جوائز بريت غداة تحوّلها إلى حدثٍ سنوي ابتداءً من دورة سنة 1983، فإنّ بعضها كُرّم لاحقاً وبأثرٍ رجعي، مثل Sex Pistols وThe Cure، كما حصلت المغنّية متعددة الوسائط إيمي واينهاوس على جائزة أفضل مغنية بريطانية سنة 2007. أمّا الفرق القادمة من مانشستر، فقد تصدّرت المهرجان منذ البداية، إذ نالت فرقة The Stone Roses لقب أفضل فرقة سنة 1990، ومثلها فرقة Oasis مرّتين على التوالي (1996 و1997)، كما كُرّمت لاحقاً على إسهاماتها الفنّية سنة 2007. ولطالما كان تبنّي بريت مخرجات الموسيقى البديلة، سواء اللندنية منها أو المانشستريّة، بمثابة لحظة الخروج من أقبية الإنتاج المستقل والالتحاق بركب شركات الإنتاج الكبرى. ولئن جهد منظّمو التظاهرة منذ تأسيسها في الإبقاء على الغشاء الرقيق والجذّاب من الجِدّة والطرافة، ما زالت تبدو بجلاء تلك النزعة إلى المواءمة بين منصّة ذات طابعٍ أكثر تقدّمية، وبين الكواليس المُحافظة المتمسّكة بمعايير السوق وتحديد متطلّبات الجمهور. يشير الفوز الكبير للنجمة البريطانية أوليفيا دين (Olivia Dean)، التي تُمثّل نسخةً بريطانيةً سمراء من تايلور سويفت، إلى النفوذ الكبير للمؤسسة الفنّية وسطوة الذائقة السائدة. فقد حصدت ابنةُ السادسة والعشرين أربع جوائز: أفضل فنّان، وأفضل أغنية عن Rein Me In، وأفضل ألبوم عن The Art of Loving، إضافة إلى جائزة أقوى تأثير Best Pop Act، التي تُمنح وفق آلية تصويت الجمهور وتُقدَّم بناءً على سعة الانتشار الجماهيري وحجم التأثير في المشهد الثقافي العام. ويُقاس ذلك بالنجاح الذي يحقّقه الفنّان على قوائم الأغاني الأكثر رواجاً، ومعدّلات التحميل على منصّات الستريمنغ، وتواتر البث على أثير الإذاعات. إلا أنّ الشعبية المتنامية طبيعياً، وقد بات الإنتاج البديل يحظى بها خلال العقدين الأخيرين، جعلت من غشاء المهرجان التقدّمي الرقيق هذا العام أكثر بريقاً. فهذه الشعبية تُعزى إلى ظهور منصّات للاستماع على الإنترنت أصبحت بحكم البديل، فأنهت صلاحية القنوات القديمة كالراديو والتلفزيون والأسطوانة. أضف إلى ذلك تبدّل الذائقة لدى "جيل زي" وما بعده، الذي بات يميل إلى المنتج الغنائي ذي الشكل المركّب وغير الرتيب، والمضمون الملتزم بما يتجاوز الحلقة المفرغة من الغرام والهجران. من بين الأسماء الصاعدة التي كافأها المهرجان، والمحسوبة على فئة الموسيقى البديلة، والتي تحظى في الوقت نفسه بنجاح جماهيري، الإسبانية روزاليا (Rosalía)، إذ مُنحت جائزة الفنان الدولي لهذا العام. يُعزى نجاحها إلى استثمارها في ما ظلّ لزمنٍ طويل سلعةً فنّية رائجة، ألا وهي موسيقى وغناء اللاتينو، سواء أكان فلامنكو الآتي من إسبانيا أم رومبا الآتية من أميركا الجنوبية. غير أنّ ابنة الثلاثة والثلاثين عاماً استطاعت إخراجه من عبوته المستهلكة منذ عقد التسعينيات، لتطرحه ضمن مُنتجٍ مركّب يجمع الموسيقى الإلكترونية الجديدة والقديمة الأوروبية القروسطية، فضلاً عن تبنّيها أسلوباً سمعيّاً وبصريّاً متميّزاً متأثّراً بالفن المفاهيمي المعاصر.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية