تدمير سياج خط ديورند... الحدود التي تتحداها القبائل وكابول
عربي
منذ 3 أيام
مشاركة
لا تظهر أي بوادر حتى الآن، توحي بأن الحرب الجارية بين أفغانستان وباكستان ستضع أوزارها قريباً، رغم جهود الوساطة التي تبذلها دول عدة وجهات غير رسمية، إذ يتمسك الطرفان بموقفيهما، كما أن الإجراءات على الأرض توحي باستعداد كلّ منهما لمواجهة طويلة الأمد، وربما لمعركة تهدف إلى حسم بعض الملفات العالقة. ومن بين تلك الإجراءات، تدمير الجانب الأفغاني السياج الفاصل بين البلدين، والذي حدّد مسار خط ديورند بينهما، فضلاً عن تدمير كل ما يرتبط به، بما في ذلك أبراج المراقبة، مع العمل على إنشاء أبراج ومراكز مراقبة جديدة، لتحول دون تمكن الجانب الباكستاني مستقبلاً من إقامة أي حواجز أو منشآت تفصل بين طرفي الحدود. يُذكر أن خط ديورند الفاصل بين باكستان وأفغانستان، هو خط الحدود الذي فرضه الاحتلال البريطاني في المنطقة، وظلّ محط نزاع بين كابول وإسلام أباد منذ استقلال باكستان عن الهند في عام 1947. وكان الطرفان الباكستاني والأفغاني قد ذهبا الأسبوع الماضي إلى التصعيد العسكري بشنّ غارات وهجمات متبادلة، وسط تصاعد التوتر بينهما وفشل أي مفاوضات، فيما تتمسك باكستان التي أعلنت "حرباً مفتوحة" على جارتها، باتهام الأخيرة بدعم حركة طالبان الباكستانية وإيواء قياداتها على الأراضي الأفغانية. تبرّر حكومة طالبان عملية تدمير السياج بأن "ديورند" فصل بين أبناء قبائل واحدة وفي هذا الشأن، يقول قاري محمد عمر، وهو قائد ميداني في "طالبان"، يقود حالياً القوات الأفغانية على جزء من الحدود مع باكستان، لـ"العربي الجديد": "تلقينا أوامر بالقضاء على السياج والأسلاك الشائكة على خط ديورند الفاصل (يسّميه خط ظالم) الذي فصل بين أبناء العمومة، وخرّب العلاقات الأسرية والنسيج الاجتماعي، كما حُرِم بسببه سكّان البلدين من الكثير من الخيرات الاجتماعية والاقتصادية". وبرأيه، فقد "آن الأوان لأن ندمر هذا الخط الذي مشى على صدر قبائل البشتون. لم ولن نعترف به"، موضحاً أن "باكستان استطاعت، بدعم أميركي، أن ترضي الحكومة الأفغانية السابقة كي توافق على نصب السياج سعياً منها لأن تأخذ هذه الحدود صبغةً رسمية، لكننا سنزيل الخط وسندمر السياج وكل ما يفصل بين الجانبين، ولن نسمح بعد ذلك بما سيفصل بيننا وبين أبناء عشائرنا على الجانب الآخر" من الحدود. وبدأت عملية تدمير السياج والخط الفاصل بين البلدين في المناطق الجنوبية خلال الأيام القليلة الماضية، لا سيما في ولايات: خوست وبكتيا وبكتيكا، ويشارك في العملية إلى جانب قوات الجيش أبناء قبائل منغل وزازي ووزير، مستخدمين آليات تدمير وسيارات خاصة بهم، كما من المقرر أن تمتد العملية إلى كل الحدود الفاصلة بين باكستان وأفغانستان. الهدف من تدمير سياج خط ديورند عبد المجيد داور: القضاء على السياج يوحي بأنه لا رجعة إلى الوراء والوضع السابق يبرر المسؤولون في حكومة طالبان عملية التدمير بأن خط ديورند فصل بين أبناء قبائل واحدة، لكن على المدى البعيد فإن لهذه الخطوة تأثيرات كبيرة وأهدافاً عميقة، يبينها الزعيم القبلي من مقاطعة شمال وزيرستان عبد المجيد داور، في حديث مع الـ"العربي الجديد"، بأن "تدمير السياج سيجعل كل القبائل على جانبي الحدود راضية وتقف إلى جانب "طالبان" لأن التحرك على الحدود دون موانع يمثّل شريان الحياة لنا". ويوضح في هذا الصدد أن "العمل عبر الحدود كان مصدر الدخل الأساسي لنا، وقد منعه السياج الفاصل، والذي بسببه اختنقت حياة القبائل بشدّة، فنحن قبائل الجانب الباكستاني فقدنا كل شيء بسبب هذا السياج". ويشرح داور أن "قبائل وزيرستان كانت تعمل في تربية الماشية قبل نصب السياج، ثم تأخذها لتبيعها في أفغانستان، لكن السياج الفاصل بدّل مسار الحياة". وعلاوة على ذلك، وفق قوله، فإن القضاء على السياج يسهّل الحرب والمواجهة المسلّحة مع الجيش الباكستاني بالنسبة للجانب الأفغاني، لأنّ السياج لم يكن فقط مانعاً، بل يحمل أبراج المراقبة التي نصبت عليها كاميرات، كما أن طالبان الباكستانية، التي تقف إلى جانب أفغانستان، تستمد دعمها من قبائل الطرفين. ويلفت إلى أن تدمير السياج "يسهّل عمليات العبور وحصول المقاتلين على ما يحتاجون إليه"، معتبراً أن هذه الخطوة تشير إلى أن قيادة "طالبان" قرّرت الاستمرار بحالة العداء مع باكستان، على اعتبار أن القضاء على السياج يوحي بأنه لا رجعة إلى الوراء والوضع السابق. ما بعد تدمير السياج أخطر وعلى الرغم من ترحيب القبائل بهذه الخطوة، فإنّ هناك من ينظر إلى هذه التطورات بعين حذرة جداً، خوفاً من أن يكون ضرر تدمير السياج أكثر من نفعه بالنسبة إلى القبائل. ويقول الطالب الجامعي نسيم الله نسيم مهمند، أحد أبناء قبائل مقاطعة مهمند، في حديث لـ"العربي الجديد"، إن "إغلاق الحدود ونصب السياج كان حلماً باكستانياً قديماً، والحرب على الإرهاب أتاحت لإسلام أباد هذه الفرصة، لكنه في الوقت ذاته، سرق من القبائل الحياة ولقمة العيش، ولم نر الخير بعد ذلك". وبالنسبة إليه، فإنه "ليتها تنتهي العملية بتدمير السياج والقضاء عليه، وعودة الحياة إلى طبيعتها كما كانت قبل نصبه وانتشار الجيش الباكستاني" معرباً عن خشيته من أن "يشكّل الخط الفاصل بين البلدين خلال الأيام المقبلة خط النار الأول" وأن يجعل تدمير السياج ومعالم الحدود من خط ديورند "خط النار والموت، الذي سيدفع أبناء القبائل على طرفي الحدود ثمنه". ويضيف: "حتى الآن قتل أكثر من 60 مدنياً من أبناء القبائل على الجانب الأفغاني، أما على الجانب الباكستاني، فلم يسقط ضحايا بعد من المدنيين نظراً لأن قوات طالبان تستهدف فقط المراكز العسكرية الآن، وهي أيضاً خطوة محسوبة من جهتها، لكن في المستقبل قد تُستهدف قبائل الطرفين"، مستبعداً أن تتنازل باكستان عن السياج بسهولة بعدما صرفت ملايين الدولارات عليه، على حد قوله. عن السياج وتاريخه نسيم الله نسيم مهمند: قوات طالبان تستهدف فقط المراكز العسكرية حتى الآن لم تكن في السابق أي معالم على الحدود تفصل أفغانستان عن باكستان في الكثير من المناطق، وظلّ المواطنون من كلا البلدين يتحركون بسهولة للقيام بأبسط أعمالهم اليومية. فعلى سبيل المثال، كان أبناء القبائل من البلدين يعبرون الحدود من أجل أداء صلاة الجمعة ورعي المواشي، والمشاركة في حفلات الزفاف والعزاء، كما كانت هناك زيجات عبر الحدود. لكن الأمور أخذت بالتبدل تدريجياً بعد الغزو الأميركي لأفغانستان (2001) وانضمام باكستان إليها، إلى أن اتخذ القرار بنصب السياج في عام 2017. ويشرح الأكاديمي الباكستاني من أبناء القبائل محسود أنور الله خان محسود، لـ"العربي الجديد"، أن الإجراءات على الحدود من الجانب الباكستاني اشتدت بعدما شنّت الولايات المتحدة حربها على الإرهاب وأصبحت باكستان عضواً مهماً في تحالف "محاربة الإرهاب"، وفي عام 2017، حينما ارتفعت وتيرة الهجمات المسلّحة في الداخل الباكستاني، أطلق الجيش الباكستاني مشروع نصب السياج، وهو عبارة عن أسلاك شائكة مزدوجة، على طول 2600 كيلومتر من الحدود، وبارتفاع ثلاثة أمتار تقريباً، مضيفاً أن العمل بنصب السياج، انتهى في الجزء الأكبر منه نهاية عام 2023، وبنسبة 95% وفق ما أعلن الجيش الباكستاني في ذلك العام. ويوضح خان محسود أنّ السياج ليس فقط عبارة عن أسلاك شائكة، بل يحتوي على مجموعة إجراءات أخرى منها: بناء نحو ألف مركز لقوات الجيش الباكستاني على امتداد الحدود بالقرب من السياج، علاوة على بناء 700 برج مراقبة على مسافات منتظمة، مع نصب كاميرات مراقبة حرارية، وبناء طريق مزدوج إلى جانب السياج يساعد عناصر الجيش على التحرك السريع والمنظم، مُذكّراً بأن السياج يمر عبر مناطق جبلية وعرة جداً، ما جعل فترة النصب طويلة نسبياً أي من عام 2017 حتى 2023، وبتكلفة قاربت الـ500 مليون دولار. لكن الأكاديمي الباكستاني يخلص، رغم ذلك، إلى أن السياج بكل مواصفاته، لم يكن خطوة قوية وأوصلت إلى الأهداف التي رسمها الجانب الباكستاني، وذلك لأنه يمرّ في منطقة حسّاسة جغرافياً واجتماعياً، وفعلياً فإنه يمرّ على صدر قبائل لها تاريخ وسطوة وقوة، ومن المعروف وفق رأيه، أن أي خطوة لا تكون القبائل ورائها أو داعمة لها، لن تنجح، وبالتالي فإنه كان متوقعاً أن هذه القبائل وحدها يمكنها القضاء على السياج بين ليلة وضحاها، وأن تقوم خلال أيام قليلة، بتخريب ما احتاج الجيش الباكستاني في بنائه سنوات.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية