تجارب عنف قاسية واستهداف متعمّد لنساء السودان
عربي
منذ 3 أيام
مشاركة
خلّفت حرب السودان المستمرة منذ ثلاثة أعوام أوضاعاً بالغة السوء للنساء، وأوجدت أنماط جرائم قتل ارتكبت ضدهنّ، وخطف واختفاء قسري وتعذيب واغتصاب واستغلال جنسي وعمل قسري، وترافق كل ذلك مع معاناة التشرد وفقدان الأمان وتفشّي الجوع، كما خسرت آلاف الفتيات مستقبلهنّ بعدما توقفت حياتهنّ المهنية والعلمية بسبب الحرب. وأثناء عمليات النزوح المتكرّر ومحاولتهنّ البحث عن مناطق آمنة بعيداً عن الحرب التي كانت تطاردهن من مكان إلى آخر واجهت النساء صعوبات تفوق قدراتهنّ. هذا ما تؤكده ناهد محمد (38 سنة)، وهي ربة منزل نزحت في بداية الحرب من الخرطوم إلى أم درمان، ثم إلى الولاية الشمالية، قبل أن تعود مجدداً إلى الخرطوم بعدما خرجت قوات الدعم السريع منها. وتصف ناهد، وهي أم لثلاثة أطفال، في حديثها لـ"العربي الجديد"، الظروف التي عاشتها خلال الحرب بأنها "كارثية" بعدما تسببت في خسارتها ممتلكاتها ومنزلها الذي سُرق، وأيضاً وظيفتها في شركة محلية عملت فيها أكثر من عشرة أعوام، وتقول: "عندما اندلعت الحرب في إبريل/ نيسان 2023، كنت أعمل في شركة محلية براتب مناسب، ويدرس أطفالي في مدارس جيدة، وكنت أخطط لترميم أجزاء من منزلي، واشتريت الطوب والأسمنت، ثم بدأت الاشتباكات العسكرية قرب الحي الذي كنت أسكن فيه، ونزحت مع أطفالي إلى أم درمان بأمل أن تتوقف الحرب سريعاً، وبعد ثلاثة أسابيع اضطررت إلى النزوح للمرة الثانية إلى الولاية الشمالية، ولم أستطع العودة إلّا بعد عامين من بدء الحرب". تضيف: "بعدما خرجت قوات الدعم السريع من الخرطوم عُدت إلى منزلي، وكنت متأكدة أنه سُرق، لكنني لم أفكر بأن السرقة ستكون بهذه الطريقة، إذ لم تنحصر في الأثاث والأواني والأدوات الكهربائية أو حتى مواد البناء التي كانت جاهزة، بل شملت أيضاً الأبواب والشبابيك التي اقتلعت من مكانها فتحوّل البيت إلى حطام لا يصلح للسكن. رغم أن ما تعرضت له قد يكون أقل ضرراً مقارنة بآخرين قضوا أو فقدوا أقارب لكن أطفالي خسروا فرصتهم في التعليم، وتوقفت عن العمل، وتحوّلت أسرتي إلى شبه مشرّدة تعتمد على إعانات يقدمها أهل وأقارب". وبينما كانت الطالبة قسمة حماد تستعد لامتحان الفصل الثالث في كلية طب بجامعة في الخرطوم، اندلعت الحرب. وقبل أن تفوق من صدمتها أعلنت الجامعة توقف الدراسة وتعليق الامتحانات، ما دفعها إلى مغادرة مكان الإقامة الجامعية والانتقال إلى منزل أسرتها في أم درمان، وتقول لـ"العربي الجديد": "لم أتخيّل أنّني سأترك كلية الطب للأبد، لكن هذا ما حدث بعد مرور ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب".  خسرت آلاف الفتيات مستقبلهنّ بعدما توقفت حياتهنّ المهنية والعلمية، وكانت تُحتجز النساء فترات في منازلهن ويُعذبن ويُغتصبن جماعياً تضيف: "عندما أوقفت الجامعة الدروس وعلّقت الامتحانات اعتقدت بأن الأمور ستعود إلى طبيعتها بعد فترة قليلة، وبعد أيام من الحرب وصلت قوات الدعم السريع إلى المنطقة التي نعيش فيها في أم درمان، وسيطرت عليها تماماً ما جعلنا غير قادرين على النزوح ولا حتى على الحركة داخل الحي. كنت اختبئ داخل الغرفة كلما شعرت بحركة جنود يقتربون من المنزل لأنّ النساء والفتيات كن يتعرضن لكثير من الانتهاكات الجسدية، واعتدي عليهن مرات ونهبت ممتلكاتهنّ وأغراضهنّ الشخصية. وبعد سبعة أشهر استطاعت عائلتي مغادرة الحي، ووصلنا بصعوبة بالغة إلى شمال أم درمان التي انتقلنا منها إلى بورتسودان حيث مكثنا في مخيّم للنازحين حتى يونيو/ حزيران 2025". تتابع: "خلال ثلاثة أعوام فشلت في مواصلة الدراسة التي كانت عبر الإنترنت في البداية بسبب حجب الاتصالات في مناطق سيطرة الدعم السريع. وعندما نزحت إلى بورتسودان لم يكن لدى هاتف خليوي ولا جهاز كمبيوتر، وحين أصبحت الدراسة حضورياً في الجامعة لم أستطع تسديد الرسوم المالية، وأكمل طلاب في دفعتي الدراسة وتخرجوا. وفي نهاية الأمر عملت مشرفة على روضة أطفال في الحي لتوفير احتياجاتي اليومية. كنت على وشك أن أصبح طبيبة لكن الحرب جعلتني أخسر مستقبلي بطريقة لا تصدق. قتِل عدد من أفراد أسرتي من بينهم شقيقي، وأصبح من بقي منهم نازحين في مخيمات لا يملكون القدرة المالية لمساعدتي في العودة إلى الدراسة. ربما أستطيع أن أفعل ذلك في المستقبل، لكن حتى لو عدت لن أكون بالروح ذاتها التي كنت عليها قبل هذه الحرب، إذ أشعر بأنني فقدت الشغف والرغبة". وتقول يسرى السر (38 سنة) التي كانت تعمل قبل الحرب موظفة حسابات لـ"العربي الجديد": "عندما بدأت الحرب لم أتوقع أن تتغيّر حالي بهذه الصورة، وأتحوّل إلى لاجئة انتظر الحصول على مساعدات إنسانية غير منتظمة بعدما كان لديّ منزل مؤسّس جيداً وراتب شهري يكفي أسرتي من دون أي معاناة". وتوضح: "جربت مخاطر النزوح، ونقلت أسرتي إلى قرية نائية في ولاية نهر النيل شمال الخرطوم. وبسبب سوء الأوضاع والخوف من امتداد الحرب اضطررت إلى اللجوء لأوغندا التي وصلتها منهكة القوى ومعدومة تماماً من دون أن أملك مالاً كافياً لتوفير احتياجات أسرتي. كانت تجربة النزوح واللجوء الأكثر مأساوية في حياتي، إذ لم يسبق لي أن سرت على قدمي مسافات طويلة أو نمت على الأرض من دون أغطية وشعرت بإهانة وذل وخوف. كانت تجربتي قاسية ومؤلمة بصورة لا تطاق خلال الحرب والنزوح. حالياً خسرت كل مدخراتي ومنزلي وفقدت وظيفتي، وإذا توقفت الحرب لا أعرف كيف أبدأ حياتي من جديد. أشعر بأنني حائرة". بدورها، واجهت فاطمة أحمد (62 سنة)، وهي أم لستة أبناء وابنتين، أوضاعاً مؤلمة في أم درمان التي كان يسيطر عليها قوات الدعم السريع، ونزحت إلى إقليم دارفور في يوليو/ تموز 2025. وتقول لـ"العربي الجديد": "بعد أيام قليلة من بدء الحرب سيطرت قوات الدعم السريع على المنطقة، وسارت الحياة في شكل عادي حتى قصف الجيش مناطق سيطرة الدعم السريع بالطائرة الحربية والمدافع التي تصل إلى مدى بعيد وتسقط عشوائياً من دون هدف ما تسببت في مقتل عشرات المدنيين من بينهم أحد أبنائي، وهدم المنازل على رؤوس السكان". وبعد مقتل ابنها نزحت فاطمة إلى قرية في غرب أم درمان. وفي نهاية الأمر اضطرت إلى النزوح نحو إقليم دارفور الذي يخضع لسيطرة الدعم السريع. وتصف فاطمة رحلتها التي قطعت بعضها سيراً على الأقدام بأنها "رحلة إلى المجهول"، وتتابع: "لم يسبق أن زرت إقليم دارفور لكن بعدما تقدم الجيش أصبح كل المواطنين الذين يعيشون في مناطق سيطرة الدعم السريع معرضين لتنكيل بحجة أنهم ساندوا الدعم السريع، وكي لا يُتهم أولادي بالتعاون مع الدعم السريع نزحت بهم بعيداً من مناطق الجيش وتركت خلفي منزلي وحياتي السابقة". وبسبب النزوح الاضطراري خسر أربعة من أبناء فاطمة فرصتهم في مواصلة تعليمهم، وكان أحدهم يدرس في الجامعة وثلاثة في مدارس ثانوية وتقول: "فضلت أن يخسروا التعليم بدلاً من أن يُقبض عليهم ويُحاكموا بالإعدام أو السجن عشرين عاماً، وهو ما يحدث لمواطنين بقوا في منازلهم بمناطق سيطرة الدعم السريع". وتفيد منظمة "صيحة" المهتمة بقضايا النساء في السودان بأن "طرفَي الحرب ارتكبا جرائم شنيعة في حق النساء تنوعت بين القتل والاغتصاب والسجن والاخفاء القسري"، وأوضحت في تقرير نشرته في ديسمبر/ كانون الأول الماضي أنها وثقت أكثر من 1290 حالة عنف جنسي خلال فترة الحرب، وتؤكد أن "العنف الجنسي استخدم بطريقة منهجية في الحرب وزاد مع تغيّر خطوط المواجهة وتفاقم النزوح، وكلما تتنقل النساء عبر طرق ونقاط تفتيش عسكرية تزداد خطورة، وتقع جرائم اغتصاب عند فرار نساء من خطوط المواجهة والمناطق المحاصرة حيث كان الوصول إلى الخدمات شبه مستحيل". وتشير المنظمة إلى أن "العنف الجنسي زاد مع امتداد الحرب. وفي بعض الأوقات كانت تُحتجز النساء في منازلهنّ فترات طويلة، ويعذبن ويغتصبن جماعياً، ويُجبرن على الزواج". وهي وثقت سجن 1120 امرأة داخل معتقلات الجيش بتهمة التعاون مع قوات الدعم السريع بكل من ود مدني (الجزيرة) والقضارف وبورتسودان والدلنج. ومن بين السجينات نساء حوامل. وتقول المنظمة إنّ "النساء أكثر عرضة للانتهاكات في المناطق التي استردها الجيش من الدعم السريع، وتعرضن على نحوٍ متزايد لاحتجاز تعسفي وتجريم، وصُنّفن بحسب انتمائهنّ العرقي أو وضعهنّ الاجتماعي والاقتصادي أو أماكن إقاماتهنّ".  وتقول سليمى اسحاق، وزيرة الرعاية الاجتماعية المسؤولة عن ملف النساء بالسودان، لـ"العربي الجديد"، إن "الوزارة وثقت 2200 حالة اعتداء جنسي، وهذا الرقم ضئيل جداً مقارنة بالواقع الحقيقي للانتهاكات والجرائم التي حدثت"، وتخبر أن "النساء واجهن معاناة النزوح القسري وإجبارهن على ترك منازلهن، ما أنهكهن اقتصادياً بعدما خسرن ممتلكاتهنّ وأعمالهن".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية