أوجلان.. من أسطورة التحرير إلى استعارة المواطنة
عربي
منذ 6 أيام
مشاركة
في 17 فبراير/ شباط 2026، وجّه عبد الله أوجلان خطاباً جديداً قُرأ في مؤتمر صحافي في العاصمة التركية أنقرة، وعلى مسرح المخرج الكردي يلماظ غوني، يدعو فيه إلى "السياسة الديمقراطية والاندماج" وطيّ صفحة العنف. غير أنّ هذا الموقف لم يأتِ فجأة؛ فقد سبقه في 27 فبراير/ شباط 2025 إعلان واضح بأنّ السلاح سيفقد معناه حيثما تتحقّق السياسة الديمقراطية، وأنّ المرحلة المقبلة ينبغي أن تكون مرحلة بناء إيجابي قُوامها المجتمع الديمقراطي والقانون. في ذلك الإعلان، اعتبر أنّ قرار المنظّمة حلّ نفسها وإنهاء استراتيجية الكفاح المسلّح ليس مجرّد إجراء تنظيمي، بل تحوّل ذهني يفضّل السياسة على العنف ويعلن مصالحة فكرية مع الجمهورية. ظاهرياً، يبدو هذا التحوّل انعطافة تاريخية في مسار رجل ارتبط اسمه منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي بتأسيس حزب العمال الكردستاني عام 1978، ثم إطلاق العمل المسلّح عام 1984 ضدّ الدولة في تركيا. غير أنّ القراءة الأكاديمية لا تكتفي بظاهر اللغة، بل تسأل عن عمق التحوّل: هل نحن أمام مراجعة فكرية جذرية، أم أمام إعادة تموضع فرضته موازين القوى والوقائع؟ لأكثر من أربعة عقود، كان الخيار المسلّح الأداة المركزية في مشروع أوجلان. الصراع الذي تفجّر في الثمانينيات والتسعينيات خلّف عشرات الآلاف من الضحايا، ودماراً واسعاً، وتهجيراً قسرياً طاول آلاف القرى، وأعاد تشكيل البنية الاجتماعية والاقتصادية في جنوب شرق تركيا. المجتمع الكردي دفع الكلفة الأكبر: أجيال من الشباب فقدوا حياتهم، عائلات تمزّقت، اقتصاد محلي أُنهك، وفضاء مدني ضاق بين قبضة الدولة ومنطق البندقية. من منظور تاريخي صرف، يصعب اعتبار هذه الحصيلة نجاحاً استراتيجياً، حتى لو كانت المطالب الأصلية تتصل بالاعتراف والحقوق الثقافية والسياسية. في أيّ مراجعة فكرية عميقة، لا يكفي الانتقال من السلاح إلى السياسة؛ بل يجب تفسير المسار السابق نقدياً في خطابه الأخير، يتحدّث أوجلان عن المجتمع الديمقراطي والتوافق والمواطنة والاندماج، ويشدّد على أنّ الأتراك والأكراد لا يمكن تصوّر أحدهما بمعزل عن الآخر، وأنّ العلاقة بينهما ذات خصوصية تاريخية ينبغي إحياؤها ضمن إطار جمهورية ديمقراطية. يدعو إلى مواطنة لا تقوم على الانتماء القومي بل على رابطة الدولة، وإلى حرية الدين واللغة والفكر، ورفض فرض القومية كما يُرفض فرض الدين. كما يثمّن إرادة القيادة التركية، بما في ذلك رجب طيب أردوغان ودولت بهجلي، ويشيد بمساهمات قوى سياسية أخرى، مُعتبراً أنّ الباب انفتح على عهد سياسي جديد يقوم على قوانين السلام وضمانات قانونية للمجتمع الديمقراطي. غير أنّ تحليل الخطاب يكشف مفارقة جوهرية. فنصّ الرسالة زاخر بالمفاهيم المعيارية وفق أسس ثابتة وجامدة: المجتمع الديمقراطي، الاندماج، المواطنة الحرّة، العقل الجمعي، البناء الإيجابي. لكنه يتجاوز مسألة أساسية هي الاعتراف الصريح بالمسؤولية التاريخية عن عقود من العنف. يتحدّث عن "تجاوز مرحلة" و"إنهاء استراتيجية" من دون أن يسمّي المرحلة خطأً أو يحدّد بوضوح لماذا كان العنف خياراً مشروعاً بالأمس ولم يعد كذلك اليوم. هذا التجاوز ليس مجرّد تفصيل بلاغي، بل مسألة أخلاقية تمسّ صدقية التحوّل ذاته. في أيّ مراجعة فكرية عميقة، لا يكفي الانتقال من السلاح إلى السياسة؛ بل يجب تفسير المسار السابق نقدياً. إذا كان الكفاح المسلّح لم يحقّق هدف "تحرير كردستان"، وأدى بدلاً من ذلك إلى عسكرة الهُويّة الكردية وتعقيد القضية وتحويلها إلى ملف أمني ثقيل، فإنّ الحدّ الأدنى من الأمانة السياسية يقتضي اعترافاً صريحاً بذلك. الاعتذار هنا لا يعني التنصّل من وجود مظالم تاريخية أو إعفاء الدولة من مسؤولياتها، بل يعني الاعتراف بأنّ خيار العنف، بوصفه أداة مركزية، لم يكن ناجعاً في ميزان النتائج، وأنّ ثمنه كان باهظاً على المجتمع الكردي قبل غيره. السلام المستدام لا يقوم على تفاهمات ظرفية بين قيادات سياسية، بل على بنية قانونية تحمي الحقوق بصرف النظر عن تغير الحكومات أو المزاج السياسي التجربة التاريخية الأوجلانية أظهرت أنّ عسكرة الصراع أضعفت فرص بناء تحالفات مدنية واسعة داخل تركيا، ورسّخت سردية أمنية لدى الدولة. كلّما تصاعد العنف، تصاعد الردّ الأمني، وكلّما اشتدّ الردّ، ازداد الاحتقان. بعد اعتقال أوجلان عام 1999 وطرده من سورية من قبل حافظ الاسد، وتغيّر ميزان القوى إقليمياً، بدأت تظهر ملامح ميكافيلية أنانية، وبراغماتية جديدة في خطابه، تمثّلت في دعوات مُتكرّرة إلى وقف إطلاق النار. السؤال اليوم هو ما إذا كان التحوّل الحالي امتداداً لتلك البراغماتية القسرية، أم أنه مراجعة فكرية تعترف بأنّ منطق السلاح نفسه كان موضع خلل في التقدير. إلى جانب ذلك، يظلّ مفهوم "الاندماج الديمقراطي" بحاجة إلى ترجمة مؤسساتية دقيقة. الحديث عن قوانين السلام وضمانات دستورية لا يكتسب معناه الكامل إلا إذا تُرجم إلى نصوص واضحة تكفل حرية اللغة والتعليم والتنظيم السياسي، وتفصل المواطنة عن الانتماء القومي، وتؤسّس لمساواة فعلية أمام القانون. السلام المُستدام لا يقوم على تفاهمات ظرفية بين قيادات سياسية، بل على بنية قانونية تحمي الحقوق بصرف النظر عن تغيّر الحكومات أو المزاج السياسي. الانتقال من منطق البندقية إلى منطق المواطنة خطوة تستحق التوقف، بل والتشجيع، إذا اقترنت بصدق المراجعة ثمّة بعد نفسي لا يقلّ أهمية عن البعد السياسي. أجيال كاملة تربّت على خطاب التحرير والكفاح، وقدّمت تضحيات جسيمة باسم هذا الهدف. حين يُعاد تعريف الغاية بلغة الاندماج والمواطنة من دون تفكيك نقدي واضح للسردية السابقة، ينشأ شعور بالالتباس وربما الخذلان لدى بعض القواعد. السياسة، في جوهرها، عقد أخلاقي بين القيادة وجمهورها. وإذا تغيّر جوهر المشروع، ينبغي تفسير هذا التغيير بوضوح، لا الاكتفاء بإعادة صياغة المفاهيم. مع ذلك، لا يمكن التقليل من أهمية الدعوة إلى إغلاق عهد السياسة القائمة على العنف وفتح عملية قائمة على المجتمع الديمقراطي والقانون. الانتقال من منطق البندقية إلى منطق المواطنة خطوة تستحق التوقّف، بل والتشجيع، إذا اقترنت بصدق المراجعة. قيمة هذا التحوّل لا تُقاس فقط بإعلان النيات، بل بمدى الاستعداد لمواجهة الماضي بشجاعة فكرية وأخلاقية، والاعتراف بأنّ الدم الذي سُفك لم يكن قدراً حتمياً، بل كان نتيجة خيارات وقرارات وسياسات خاطئة وفاشلة وقابلة للنقد. عندئذ فقط يمكن أن يتحوّل الحديث عن المجتمع الديمقراطي من استعارة خطابية إلى أفق واقعي، ومن وعد سياسي إلى تأسيس أخلاقي لمرحلة جديدة في العلاقة بين الأكراد والدولة التركية.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية