في الأيام الراهنة، يعود النظام الإيراني إلى استدعاء خطاب الإسلام والدفاع عن حياض الأمة، وهو خطاب حقيقته (التُقيَة)، في محاولة منه لاستثارة المشاعر واستدرار العواطف في نفوس المسلمين والعرب.. لكن الوقائع الماثلة على الأرض تأبى إلا أن تشهد على هوة سحيقة بين الخطاب والفعل، والادعاء والواقع.
النظام نفسه، الذي تتلقى أركانه ضربات أمريكية وإسرائيلية على عمق أراضيه وقتلت أربعين قياديًا من الصف الأول بينهم مرشد النظام خامنئي، لا يجد من متنفس له سوى توجيه ردوده صوب دول عربية خليجية، ومتخذًا من الدين مطية لصقل صورته، ومتزرًا بثوب حامي الملة، في الوقت الذي تبقى اليد التي ترفع هذا الشعار ملوثة بدماء أبناء جلدته من العرب والمسلمين، ولن يمحو الزمن وصمتها.
ما يثبت زيف هذه الدعوى أن التاريخ القريب لا يدع مجالًا للالتباس أو التأويل.. فما إن حل العام 2003، وحطت دبابات الغزو الأمريكي في بغداد بمساندة ومساعدة إيران، حتى سارعت إلى ملء الفراغ، مدعومة بأجنحتها العسكرية وفصائلها المسلحة، لتحيل العراق عمليًا إلى ساحة خلفية لمشاريعها التوسعية.. وملايين العراقيين، ومنهم أطفال لم يعرفوا للحياة طعمًا، دفعوا ثمنًا باهظًا لتلك المغامرة، بينما يقف النظام اليوم ليخطب ودّ الأمة التي نكبها.
وعلى الجبهة السورية، كانت دمشق مسرحًا آخر للأطماع.. فقد دأبت طهران على إسناد النظام هناك بكل ما أوتيت من قوة سياسية وعسكرية ومالية، عبر مليشيات مستقدمة من شتى البقاع، لتطيل أمد النزيف الذي أودى بحياة الملايين وشرد الألوف، حتى أذن الله بسقوط ذلك النظام الباغي في العام 2025.
أما في لبنان الجريح، فقد تحول حزب الله إلى ذراع إيرانية تمد نفوذها في مفاصل الدولة والمجتمع، وتتدخل في شؤون السياسة والأمن تدخلًا يخدم أجندة خارجية، بينما تُرفع الرايات الدينية لتخفي حقيقة التبعية وتضلل الرأي العام.
وفي اليمن، لم يكن الدعم الإيراني لمليشيا الحوثي سوى وقود يُذكي نار الحرب ويمدد في أمدها، مستثمرًا الخطاب الديني ذاته ليخفي به مرارة الحقيقة وينأى بها عن الأنظار.
بل إن المتناقضات تبلغ ذروتها حين نرى النظام الإيراني، بدلًا من أن يوجه سهامه نحو من يقصفه اليوم، ينشغل باستهداف دول عربية مجاورة، ملبيًا نداءات لا تمت للأمة بِصِلة، ومستحضرًا مشهد المظلومية الذي ألفه، علّه يحوّل الهزيمة انتصارًا والتخاذل بطولة.
هذه التناقضات الفاضحة لا تدع شكًا في أن الخطاب الديني لم يعُد إلا ستارًا يُلقى على بشاعة الأفعال، وأداة يبرر بها العدوان، واستثمارًا للصراع يهدف إلى تثبيت أركان النفوذ الإقليمي، باستخفاف لا يخفى بدماء شعوب المنطقة وأقدارها.
إن العراق وسوريا ولبنان واليمن، لم تكن يومًا ساحات هينة في صراع إقليمي، بل شواهد ناطقة على سياسة منظمة تتخذ من الدين قناعًا، ومن الدماء جسرًا نحو مشاريع الهيمنة.. ويبقى السؤال يفرض نفسه على كل ذي ضمير حي:
أي وثوق يبقى في خطاب يدّعي حماية الأمة، وأي مصداقية لمدّعٍ والوقائع على الأرض تنطق بالتناقض الجلي، واليد التي تمتد للعناق تبقى ملطخة بالدماء؟!
أخبار ذات صلة.