من غزة إلى لبنان: سياسة الإنذارات الإسرائيلية استراتيجيةً للتهجير
عربي
منذ 6 أيام
مشاركة
أعادت أوامر الإخلاء التي أصدرها جيش الاحتلال الإسرائيلي لسكان الضاحية الجنوبية في بيروت قبل يومين تسليط الضوء مجدداً على إحدى الأدوات التي باتت ثابتة في السلوك العسكري الإسرائيلي خلال الحروب، وهي سياسة الإنذارات المسبقة بالإخلاء. فهذه السياسة، التي يروج لها الاحتلال بوصفها إجراءً يهدف إلى حماية المدنيين، تحولت خلال السنوات الماضية إلى جزء من تكتيكات الحرب والضغط النفسي على السكان، واعتمدها جيش الاحتلال على نحو متكرّر منذ أكثر من عقد ونصف في عملياته العسكرية، ولا سيّما في قطاع غزة. وتلا إنذار جيش الاحتلال الإسرائيلي في لبنان تصريح لوزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش قال فيه إن الضاحية الجنوبية لبيروت ستصبح قريباً مثل خانيونس في قطاع غزة، وهو تطور يؤشر إلى النوايا الإسرائيلية، سواء على صعيد تهجير السكان وتوسيع رقعة الدمار وإقامة منطقة عازلة، وتحويل المناطق "المحسوبة" على حزب الله إلى مناطق عسكرية وأهداف لصواريخها. وأخلى سكان المناطق المهددة منازلهم بسرعة، ما أسفر عن تسجيل زحمة سير خانقة، إذ اختار بعضهم افتراش الطرقات في العاصمة، بينما غادر آخرون إلى عائلاتهم وقرى بعيدة عن بيروت. في المقابل، عملت وزارة الصحة، بالتنسيق مع المنظمات والهيئات المعنية، على إخلاء مرضى من المستشفيات، وقد سُجلت حالتا وفاة لسيدتين خلال عملية النقل. وكثّف جيش الاحتلال من غاراته على الضاحية الجنوبية لبيروت، والتي لم تتوقف بعد ليل أمس، بالتزامن مع تصعيده أيضاً على مستوى باقي المناطق، خصوصاً في القرى الحدودية والعمق الجنوبي والبقاع شرقي البلاد. وبالتوقف عند التوزيع الديمغرافي والتطورات العسكرية، يقول العميد المتقاعد علي أبي رعد لـ"العربي الجديد" إن الضاحية تمثل تقريباً بين 28 و29% من مساحة بيروت ككل، وهي تمتد من مشارف خلدة جنوباً وصولاً إلى الشمال، أي الجناح ومستديرة الطيونة، ضمن حدود المدينة الرياضية، أي السفارة الكويتية، ثم شرقاً عين الرمانة، الخط الفاصل على أوتوستراد الرئيس كميل شمعون، وصولاً إلى منطقة سانت تيريز، ثم إلى أول الشويفات وكفرشيما والحدث. ويشير أبي رعد إلى أنه في أواخر عام 2016 بلغ عدد السكان حدود مليون أو مليون و70 ألف نسمة، باستثناء الفلسطينيين في مخيمات برج البراجنة وصبرا وشاتيلا، وهذه الأرقام طبعاً قد تغيرت خلال السنوات الماضية. ويلفت إلى أن الضاحية تعد المعقل الرئيسي لحزب الله، خصوصاً حارة حريك، حيث مجلسا الشورى والقيادة، وهذه البلدة بمثابة المركز الاقتصادي وحتى السياسي للحزب. ويضيف أن سكان الضاحية ليسوا جميعهم من الطائفة الشيعية، إذ تشكل النسبة الأكبر، وتصل إلى نحو 87%، لكن هناك وجوداً سنياً ومسيحياً، كما يوجد تعدد حزبي، مثل الحزب القومي السوري الاجتماعي والحزب الشيوعي. ويلفت أبي رعد إلى أن "هذه الاستهدافات لها خلفيات نفسية وعسكرية، فإلى جانب التهجير وخلق حالة ذعر في صفوف الناس، هناك محاولات لتأليب بيئة حزب الله عليه. فالاحتلال فوجئ بردة فعل حزب الله أو بالضربة الاستباقية لمشروع إسرائيل الذي كانت تنوي تنفيذه بالدخول براً إلى الأراضي اللبنانية. وهناك كثير من المؤشرات تدلّ على ذلك، منها وجود الفرقة 91 الإسرائيلية شمال فلسطين المحتلة، وقد عززت بلواء من الوحدات الخاصة، ونقل الفرقة 146 إلى الحدود مع لبنان، عدا عن التسريبات التي وصلت إلى الحكومة اللبنانية والأفرقاء اللبنانيين، والتصريحات الإسرائيلية، سواء من قيادات سياسية أو عسكرية، حول الدخول إلى لبنان وإقامة منطقة عازلة. وكل ذلك تهيئة للأجواء لعمل بري يثبت أقدام الاحتلال داخل الأراضي اللبنانية لحدود عشرة كيلومترات، ويخلق منطقة عازلة تمتد غرباً من الناقورة وصولاً إلى جبل الشيخ، مروراً بتلال كفرشوبا وشبعا". ويشير أبي رعد إلى أن هذه الضربة الاستباقية وما تلاها من عمليات عسكرية قام بها حزب الله أحدثت صدمة للمجتمع الإسرائيلي وقادة الاحتلال، وكذلك للإعلام العبري الذي عبّر عن غضبه الكبير مما حصل، خاصة أنه أتى بعد نحو 15 شهراً من القصف الإسرائيلي وتدمير مراكز تابعة للحزب، وبعد حديث عن ضرب لقدراته العسكرية. ويضيف أن "الحزب نفذ سلسلة عمليات رغم السيطرة الإسرائيلية الجوية الكاملة على سماء لبنان، وألحق خسائر بجيش الاحتلال، عدا عن الاشتباكات البرية على مسافة صفر التي شهدتها مدينة الخيام، ودفع القوات الإسرائيلية إلى المغادرة نحو تلة الحمامص، وهي معركة جرى التعتيم عليها إسرائيلياً، ما أثار نقمة الاحتلال ووضعه في موقف حرج أمام مجتمعه، فحاول التعويض عن ذلك بتهديدات وغارات وحشية على الأراضي اللبنانية". وتبعاً لذلك، يرى أبي رعد أن "الاحتلال الإسرائيلي، وربطاً بما يفعله حزب الله، وللتعويض عن الضربات التي يتلقاها، قد يرتكب جرائم حرب كما فعل في غزة، من استباحة لكل شيء، مدارس ومستشفيات وجامعات ومبانٍ وغيرها. ومن هنا يمكن توقع الأسوأ ومزيد من جولات العنف إذا لم يحصل أي تدخل دولي". ويشير إلى أن الدولة اللبنانية معنية بالتحرك، خصوصاً لحماية المنشآت الحيوية الموجودة في المنطقة، ومنها مطار بيروت ومجمع الجامعة اللبنانية والمؤسسات والمرافق، وخزانات الوقود والغاز المنتشرة في المنطقة. وتعود بدايات استخدام هذه السياسة بوضوح في قطاع غزة إلى العدوان الإسرائيلي عام 2008، حين بدأ جيش الاحتلال إصدار تحذيرات محدودة للسكان قبل تنفيذ بعض الضربات الجوية وعمليات تدمير المنازل والأبراج السكنية. ومع صدور تقرير المقرر الأممي ريتشارد غولدستون عقب نهاية تلك الحرب في يناير/ كانون الثاني 2009، توسع الاحتلال في استخدام ما يسميه "الإنذارات المسبقة"، محاولاً تقديمها على أنها إجراء يهدف إلى تقليل الخسائر في صفوف المدنيين. وخلال الحروب اللاحقة على غزة، خصوصاً في أعوام 2012 و2014، ثم في جولات التصعيد المتكررة بين عامَي 2017 و2021، استمرت هذه السياسة من الاحتلال الإسرائيلي مع تغييرات في شكلها العام. وفي حرب عام 2014 استخدم الاحتلال الإسرائيلي هذه السياسة أكثر، ولا سيّما في المناطق الشرقية الجنوبية من القطاع في مدينتَي رفح وخانيونس، إذ دمر الاحتلال تلك المناطق بعدما نزح سكانها منها، فيما ارتكب مجازر بحق السكان المدنيين الذين لم يغادروها. ومع تنفيذ الاحتلال لهذه السياسة في غزة ولبنان وإيران واليمن، قبل الوصول إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في القطاع في أكتوبر/ تشرين الأول 2025، كان الاحتلال يعمد إلى نشر خريطة يحدد فيها المناطق المخلاة من السكان قبل وقت من قصف تلك المناطق. لكن المراحل الأولى لتنفيذ الاحتلال لهذه الاستراتيجية العسكرية كانت تقوم على اتصالات هاتفية تقتصر على أصحاب المنازل أو الشقق السكنية المنوي استهدافها، وهو السيناريو المتبع حتى عام 2021، أو عبر رسائل قصيرة على الهواتف المحمولة، أو من خلال ما كان يطلق عليه الاحتلال الإسرائيلي "صواريخ تحذيرية". ومع حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، بات جيش الاحتلال يصدر أوامر إخلاء تشمل أحياءً كاملة أو مناطق واسعة، إذ طلب من مئات آلاف المدنيين إخلاء مناطقهم خلال فترات زمنية قصيرة، وسط ظروف إنسانية بالغة التعقيد. ورغم المزاعم الإسرائيلية المتكرّرة في أوامر الإخلاء بأنها لضمان أمن المدنيين، فإنّ جيش الاحتلال ارتكب عدة مجازر وعمليات قتل بحق فلسطينيين خلال نزوحهم من المناطق الشمالية للقطاع إلى المناطق الجنوبية. وتُعدّ مجزرة 13 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 من الشواهد على كذب الرواية الإسرائيلية بشأن حماية المدنيين خلال نزوحهم، إذ قصف الاحتلال عدة شاحنات فلسطينية خلال نزوحها على شارع صلاح الدين في القطاع، ما تسبب في استشهاد 70 فلسطينياً وإصابة المئات، غالبيتهم من النساء والأطفال. وبالتوازي مع ذلك، كرّر الاحتلال الإسرائيلي استخدام هذه السياسة في مختلف جبهات القتال، سواء قبل وقف إطلاق النار في غزة أو حتى مع اندلاع شرارة الحرب في إيران في 28 فبراير/ شباط الماضي، من خلال الأوامر التي يصدرها. ويرى مراقبون أن الهدف الرئيس من وراء هذا السلوك الإسرائيلي يتمثل أساساً في إرباك السكان وإحداث حالة من الفوضى، إلى جانب الضغط على البيئة السياسية والعسكرية للمقاومة، سواء في لبنان أو غزة.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية