عربي
ماذا كان يحدث حين تمنع إحدى الحكومات كتاباً مطبوعاً من التداول؟ في الغالب، وفي كل مرة مُنع فيها أحد الكتب، أو صودر، أو قدّمت ضده دعوى ما أمام القضاء، أو شُنت ضده حملة تحشيد اجتماعية، أو دينية، كان مصيره النجاح في سجلات التوزيع. تقدم السلطات السياسية الحاكمة، أو الدينية المتزمتة، خدمة غير مرئية، وغير محسوبة، للكتاب أولاً حين تمنعه. فالشهرة تصاحب منع الكتاب، إذ تتولى وسائل الإعلام غالباً التشهير بقرارات المنع. وربما يأخذ الأمر في عالمنا العربي، الذي تستقل صحافة كل بلد فيه عن صحافة البلاد الأخرى، بعداً آخر، إذ يؤدي المنع إلى انتشار الكتاب، وزيادة الطلب عليه من قبل القراء.
يطلب القارئ العربي الكتاب المصادر، أو الممنوع، ويدفع ثمناً مضاعفاً كي يحصل عليه. يمكن تذكر كتاب "نقد الفكر الديني" لصادق جلال العظم، الذي حوكم بسببه، وبرأته المحكمة. أذكر أن عشرات، بل مئات النسخ من الكتاب هربت إلى سورية، إبان تلك المحاكمة، كما أن النسخ الجديدة التي أُرفقت، في الطبعة الثانية، بنصوص الدعوى والمحاكمة لاقت رواجاً مماثلاً.
الكاتب هو من يطارد، أو يقتل، بينما يعيش الكتاب طويلاً
والسؤال الغامض الذي لا نجد إجابة عنه هو: ما نفع كتاب ممنوع بعد أن يسمح له بالتداول في السوق التي منع فيها لا في سوق أخرى؟ هل يخفت صوته، إذا كان محتواه ضعيفاً، أو لحظياً؟ فالرواية المعارضة، قد تصبح بلا معنى في زمن نهاية السلطة التي توجه خطابها إليها. خاصة إذا كانت تبني خطابها على المعطيات الراهنة، المؤقتة. فأي سلطة، مهما بلغ بها الاستبداد من مظاهر القوة، مؤقتة وعابرة، بالضرورة التاريخية، ولهذا يبدو الخطاب الروائي الذي يرى السلطة في أبديتها ركيكاً وغير قادر على البقاء كعمل فني. وقد يكون هذا أحد أسباب تلاشي شهرة بعض الروايات بعد زوال أسباب وجودها، أو إذا كانت قد بنت خطابها على أساس معارضة الزائل والمؤقت.
ولكن ما معنى كتاب ممنوع؟ لا معنى له في الحقيقة، فالكتاب لا يمكن منعه، أما الممنوع فهو الكاتب. كثير من الكتاب يواجهون خطر الاعتقال، أو الموت، أو محاولات الاغتيال مثل نجيب محفوظ، أو الاغتيال الفعلي مثل فرج فودة. ومنهم من يتعرض للملاحقة والتهديد، ومن ثم محاولة الاغتيال، مثل سلمان رشدي، والعديد من الكتاب العرب غادروا بلدانهم هرباً من الاعتقال، وعاشوا سنوات طويلة خارجها، وبعضهم مات دون أن يعود. الكاتب هو من يطارد، أو يقتل بسبب كتابه، بينما يعيش الكتاب طويلاً على الرغم من قوة أي سلطة، أو أي رقابة. والنقاش الآن يدور حول قيمة الكتاب، هل يستمد الكتاب قيمته، وأهميته، من قرار المنع والمصادرة، أم من مضمونه؟ والجواب الحاضر والبديهي حاضر بالطبع، هو أن القيمة في المضمون.
يقدم عالمنا المعاصر مئات الفرص لنجاة الكتب، وبقائها، بينما يقدم القليل منها لنجاة الكاتب. ولعل مصير الكاتب البلغاري غيورغي ماركوف صاحب رواية "نساء وارسو" الذي اغتيل بعد خروجه من بلاده، سيذكرنا دائماً بأن الدفاع عن الكاتب، وحماية حياته، موقف أخلاقي، وإنساني، بقدر الدفاع عن حرية الكتب.
* روائي سوري
