عربي
في كتابه "إنقاذ اللغة إنقاذ الهوية" (نهضة مصر، 2007)، يُبيّن الناقد والأكاديمي المصري أحمد درويش، الذي رحل أول من أمس الأربعاء، أنّ الهوية العربية تمرّ في عصرنا بأزمة طاحنة، يحرص على تفاقمها أعداؤها ويشارك في صنعها - بوعي أو بدون وعي - بعض أبنائها. ويتساءل: هل يُمكن توطين المعرفة في أُمَّة بغير لغتها القومية؟ وهل العربية لغة جامدة تستعصي على وسائل إصلاح تعليمها، وتقصر عن تلبية احتياجات العصر؟ وإلى أي مدى يقودنا الطريق الخطر الذي نسلكه في اتجاه "التغريب" بدل "التعريب"؟
يعرض المؤلِّف في كتابه نماذج لغوية من عصور ومواضيع مختلفة لإظهار قدرة اللغة على مواكبة جميع مناحي الحياة، مؤكداً أن اللغة ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي جزء أساسي من الهوية الثقافية والفكرية للأمة. كما يشير إلى جهود تاريخية لتعريب الدواوين في عصر عبد الملك بن مروان، مقارناً إياها بتجارب اللغات الأُخرى مثل الفرنسية والعبرية، لتحفيز العرب على الحفاظ على لغتهم وهويتهم.
شكّل الأدب المقارن ونظرياته محوراً رئيسياً في مؤلفاته النقدية
انطلق درويش في فهمه لدور اللغة من مرونة اللغة العربية وحيويتها، مدافعاً عن قدرتها على استيعاب الجديد من خلال الاشتقاق والنحت والتعريب والقياس اللغوي، مع عرض نماذج من نصوص معاصرة وكتابات كبار الأدباء والمفكرين. وعليه، طالب بتقسيم مستويات تعليم اللغة وفقاً لاحتياجات المتعلمين، من المتعلّم العام وصولاً إلى المتخصّصين في اللغة، مؤكداً أن الفصحى ليست كتلة واحدة، بل فُصحَيات متدرّجة متداخلة. ويختم الكاتب بدعوة واضحة للحفاظ على اللغة العربية بخطط طويلة المدى تلائم متطلبات العصر الحديث، معتبراً أنها ركيزة أساسية للهوية والمعرفة.
ضمن هذا الإطار، قدّم الراحل أحمد درويش مجموعة كبيرة من المؤلفات التي تناولت قضايا الثقافة والأدب من منظور عروبي، مع التركيز على مواجهة تحديات العصر الحديث. من أبرز كتبه: "ثقافتنا في عصر العولمة" (الشركة المصرية العالمية للنشر، 2003)، حيث يناقش فيه تأثير العولمة على الثقافة العربية ويبحث في سبل صون هويتها وتطوير قدراتها من خلال حوار متوازن مع الثقافات الأخرى، ويحلل قضايا مثل أزمة العربية في الجامعات ومكانتها بين آداب العالم. كما أصدر قبل ذلك بعام "نظرية الأدب المقارن وتجلياتها في الأدب العربي" ( دار غريب للطباعة والنشر، 2002)، الذي سعى فيه إلى تأصيل النظرية المقارنة ويستعرض مَواطن اللقاء بين الأدب العربي وآداب العالم الأخرى، من التراث إلى المعاصر، مسلطاً الضوء على التفاعلات والتأثيرات بين النصوص العربية ونظيراتها الأجنبية.
حصل الناقد الراحل على عدد من الجوائز والتكريمات تقديراً لإسهاماته في الأدب والنقد، منها جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 2008، وجائزة النيل في الآداب عام 2025، بالإضافة إلى جائزة عبد العزيز سعود البابطين في نقد الشعر عام 2004. كما كرّمته عدّة جامعات ومؤسسات عربية ودولية.
