مصر ترسم خريطة "طاقة استباقية" للإفلات من فخ الحرب
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
وسط مؤشرات على استمرار الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران وامتداد نيرانها إلى دول الخليج والمنطقة، وجدت مصر نفسها في أتون صراع قطعَ عنها الغاز الإسرائيلي ورفعَ أسعار النفط والغاز المسال. وفي مواجهة أزمة طاقة عنيفة تزامنت مع تراجع تدفقات النقد الأجنبي، اتجهت القاهرة إلى منافذ بديلة تمكّنها من احتواء الصدمة. وتسعى مصر إلى إحياء مسار خط أنابيب "سوميد" لربط نفط الخليج بالبحر المتوسط بعيداً عن ساحة المعارك، كما تخطو بسرعة نحو تعزيز التعاون مع ليبيا بما يضمن توفير احتياجاتها من النفط قبل عودة مشهد صيف 2024، حين توقف العديد من محطات توليد الكهرباء والمصانع عن العمل. ووضع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ملامح اتفاق مع ليبيا خلال اجتماع عقده الأربعاء 4 مارس/ آذار مع رئيس مجلس الوزراء ووزيري الكهرباء والبترول والثروة المعدنية، لمراجعة الخطط العاجلة لتأمين احتياجات السوق المحلية من الطاقة، وسبل مواجهة القفزة في أسعار النفط العالمية التي بلغت ذروة 84.48 دولاراً لبرميل برنت، إضافة إلى مناقشة التأثيرات الناتجة عن تعطل بعض إمدادات الغاز الإقليمي. ووجّه السيسي بصياغة استراتيجية "تحوطية" شاملة تضع أمن الطاقة أولوية قصوى للأمن القومي، من خلال تعظيم الإنتاج المحلي وتوسيع نطاق الشراكات الإقليمية، لا سيما مع الجانب الليبي. ووفقاً للرئاسة المصرية، تستهدف الاستراتيجية الجديدة تحويل ليبيا إلى شريك استراتيجي في مجال المحروقات عبر بناء محور طاقة إقليمي "القاهرة – طرابلس – بنغازي" قادر على امتصاص الصدمات الخارجية وتأمين احتياجات محطات الكهرباء والمصانع من الوقود، بعيداً عن التهديدات التي تواجه الممرات الملاحية والمضائق الدولية. وأكد السيسي أن استقرار التيار الكهربائي وتوفير الوقود المكافئ "أولوية قصوى"، موجهاً بالعمل في مسارين، الأول المحلي المتثل في تعجيل سداد مستحقات الشركاء الأجانب لضمان استمرارية الاستكشاف وزيادة الإنتاج من الآبار العاملة، مع خطة لإدخال 2500 ميغاواط من الطاقة المتجددة قبل صيف 2026. والمسار الإقليمي المتمثل في تفعيل دور مصر مركزاً لتداول الطاقة مع الجانب الليبي، وفقاً لمذكرة وُقّعت في يناير/ كانون الثاني الماضي خلال قمة ليبيا للطاقة والاقتصاد في طرابلس. وتعكس التحركات المصرية مخاوف من تداعيات القرار المفاجئ الذي اتخذته إسرائيل بوقف ضخ الغاز من حقلي "تمار" و"ليفياثان" تحت بند "القوة القاهرة" لأجل غير مسمى، ما تسبب في فقدان مصر نحو 1.1 مليار قدم مكعبة يومياً من الغاز. ووضع هذا الانقطاع منظومة الطاقة المصرية أمام اختبار صعب، إذ يبلغ الإنتاج المحلي نحو 4.1 مليارات قدم مكعبة يومياً مقابل طلب يصل إلى 6.2 مليارات قدم مكعبة، ما يخلق فجوة تُغطّى بالاستيراد، في وقت ترتفع فيه أسعار الغاز المسال وتكاليف الشحن، وتزداد الضغوط على العملة الصعبة. برزت "البوابة الليبية" خياراً استراتيجياً، فبينما كانت القاهرة تستورد نحو 100 ألف برميل من النفط الخام يومياً بأسعار السوق الفورية، فتح التعاون مع ليبيا آفاقاً أوسع. وتمتلك ليبيا احتياطيات مؤكدة تُقدَّر بنحو 48.36 مليار برميل من النفط (الأولى أفريقياً) و53 تريليون قدم مكعبة من الغاز، ما يمثل عمقاً استراتيجياً يضمن استقرار الإمدادات بعيداً عن الممرات المائية المهددة مثل مضيق هرمز. وتعتمد الرؤية المصرية على تحويل معامل التكرير المحلية إلى منصة رئيسية لتكرير النفط الليبي. ووفقاً لتصريحات وزير البترول كريم بدوي، تمتلك مصر ثاني أكبر طاقة تكرير في أفريقيا بنحو 40 مليون طن سنوياً، وهي ميزة تنافسية مهمة. ويرى أستاذ هندسة البترول والتعدين جمال القليوبي أن البنية التحتية المصرية قادرة على استيعاب الخام الليبي، موضحاً في حديثه لـ"العربي الجديد": "لدينا تسعة معامل تكرير بقدرات كبيرة، والبروتوكولات تُفعَّل لتعزيز الاستثمارات المشتركة في البحث والتنقيب والتكرير، بما يسمح بالاستهلاك المحلي أو إعادة التصدير، ويوفر ملايين الدولارات من فاتورة الاستيراد". وحول البعد الجيوسياسي، قال القليوبي إن القرب الجغرافي والحدود البرية والبحرية المشتركة تمنح مصر ميزة لوجستية مقارنة بمسارات النقل عبر المضائق المهددة، مضيفاً أن التعاون مع ليبيا يستكمل حلقة الربط مع قبرص واليونان لتعزيز موقع مصر مركزاً إقليمياً للطاقة في شرق المتوسط. في موازاة ذلك، فعّلت مصر خط أنابيب "سوميد" لنقل النفط الخام السعودي من ميناء ينبع على البحر الأحمر إلى البحر المتوسط، في ظل تعطل الملاحة عبر مضيق هرمز. ويمتد الخط من العين السخنة إلى سيدي كرير قرب الإسكندرية (شمال) بطول يقارب 320 كيلومتراً، وتبلغ طاقته الاستيعابية نحو 2.5 مليون برميل يومياً، ما يجعله أحد أهم مسارات نقل النفط بين البحرين الأحمر والمتوسط. ويستند تشغيل الخط إلى بنية لوجستية تشمل محطات ضخ وتخزين في العين السخنة لاستقبال النفط القادم من البحر الأحمر، إضافة إلى خزانات استراتيجية ومرافق تحميل في سيدي كرير تتيح إعادة شحن الخام إلى ناقلات متجهة إلى أوروبا. وقد خضع الخط لعمليات تحديث خلال السنوات الماضية لتعزيز كفاءته التشغيلية. لم يكن التحرك المصري اقتصادياً بحتاً، بل حمل أبعاداً سياسية. فحسب المحلل السياسي الليبي أحمد عبد الله العبود، يمثل التعاون تحولاً استراتيجياً بعد سنوات غلب فيها البعد الأمني على العلاقات بين البلدين. وأوضح أن الشراكة في الطاقة تعكس تطوراً نوعياً يتماشى مع طموح القاهرة بوصفها مركزاً إقليمياً للغاز، لا سيما في ظل اضطرابات الملاحة في باب المندب ومضيق هرمز. وتُظهر بيانات منظمة أوبك أن ليبيا تحافظ على إنتاج يتجاوز 1.1 مليون برميل يومياً رغم التحديات السياسية، مع تركّز الثقل الإنتاجي في حوضي سرت ومرزق اللذين يضمان نحو 95% من الاحتياطيات المؤكدة. ويمنح ذلك القاهرة أفضلية لوجستية وجيوسياسية في نقل هذه الموارد عبر منشآتها.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية