إيران “المنفلتة”.. الكابوس الذي يقضّ مضاجع جيرانها الخليجيين
أهلي
منذ 3 ساعات
مشاركة

يمن مونيتور/ وحدة الترجمة/ خاص:

في ظل تصاعد وتيرة الحرب الأمريكية/الإسرائيلية على إيران، تجد دول مجلس التعاون الخليجي نفسها في قلب العاصفة، ليس فقط كمراقب استراتيجي، بل كهدف مباشر للهجمات الصاروخية ومسيرات “الرد المضاد”.

ويشير خبراء ودبلوماسيون أمريكيون سابقون إلى أن المنطقة تعيش حالياً صراعاً وجودياً يتجاوز البعد العسكري، ليضع “رؤية 2030” التنموية في مواجهة مباشرة مع إرث “الثورة” والاضطرابات الإقليمية، وسط تساؤلات ملحة حول قدرة النماذج الاقتصادية الخليجية على الصمود في بيئة تحولت إلى “منطقة حرب” مفتوحة.

 

صدام الرؤى: طموحات التنمية تحت تهديد المسيرات

يمثل الصراع الدائر حالياً اختباراً حاسماً للنماذج الاقتصادية التي طورتها دول الخليج، وخاصة دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية. فبينما كانت المنطقة تتطلع إلى تعزيز الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي والصناعات المتقدمة، فرضت الحرب واقعاً مغايراً يعيد التذكير بتحديات الأمن التقليدي. ويرى الخبراء أن إيران باستهدافها لجميع دول مجلس التعاون، قد أحدثت نوعاً من “التقارب الاستراتيجي” الاضطراري بين هذه الدول، التي تجد نفسها الآن في مواجهة انتهاكات صريحة لسيادتها الوطنية.

وفي هذا السياق، يوضح دان بنايم، نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي السابق، أن الجوهر الحقيقي للصراع يكمن في التصادم بين “رؤية 2030” وروح “عام 1979”. ويشير بنايم إلى أن دول الخليج كانت تعيش “سيناريو الأحلام” قبل اندلاع الحرب، حيث التركيز على أبراج الذكاء الاصطناعي والصناعات الجديدة والتعاون العالمي.

ويرى بنايم أن دول الخليج تواجه ضربة مزدوجة؛ فهي من جهة تتعرض لخسائر في عوائد الطاقة اليومية نتيجة تعثر التصدير، ومن جهة أخرى تجد نفسها مضطرة لتحمل تكاليف حماية منشآتها النفطية من هجمات الدرونات الانتحارية. إن هذا “النزيف الاقتصادي” يهدف بالأساس إلى إقناع العواصم الخليجية بأن ثمن استمرار الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران سيكون باهظاً جداً على طموحاتها التنموية، مما قد يدفعها في نهاية المطاف لممارسة ضغوط على واشنطن لضبط النفس والبحث عن “مخرج سياسي” سريع.

تحول البيئة إلى منطقة نزاع لا يهدد فقط الخسائر المادية المباشرة، بل يضرب في مقتل “النموذج الاقتصادي” القائم على جذب المواهب والاستثمارات الأجنبية، خاصة في دولة الإمارات التي وصفها بأنها “ماكينة اقتصادية” تعتمد على ملايين الأجانب والشركات العالمية.

من جانبه، يؤكد البروفيسور غريغ غوز، عميد الباحثين الأمريكيين في شؤون الشرق الأوسط، أن هذه الحرب تفتقر إلى أي حماس خليجي، حيث كانت الدول تسعى للحفاظ على الهدوء والاستقرار لتحقيق التحولات الاقتصادية المنشودة. ويرى أن المستثمر ورجل الأعمال “جبان بطبعه” ولا يتوجه إلى مناطق الحروب، مما يجعل استمرار الصراع استنزافاً مباشراً للرأسمال السياسي والاقتصادي الذي استثمرته دول المنطقة في العقد الأخير. إن هذا التهديد لا يمس المنشآت فحسب، بل يمس الثقة العالمية في استدامة الأمن الإقليمي الضروري لنمو قطاعات السياحة والتمويل.

معادلة السيادة: كفاءة الاعتراض ورهانات الردع الدفاعي

على الصعيد العسكري، أثبتت دول الخليج قدرة لافتة على التعامل مع التهديدات الجوية المتطورة، حيث نجحت أنظمة الدفاع الجوي، لا سيما في الإمارات وقطر والكويت، في اعتراض موجات من الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة. هذا النجاح يعكس استثمارات دامت لسنوات في بناء قدرات دفاعية وطنية قادرة على حماية الأجواء والمرافق الحيوية. ومع ذلك، يظل التحدي قائماً في “سباق التسلح” بين تكلفة الصواريخ الاعتراضية الباهظة وبين المسيرات الرخيصة التي تطلقها طهران وحلفاؤها في المنطقة.

ويشير بنايم بتقدير لافت إلى أن “الجيوش الخليجية تستحق الإشادة لنجاحها في اعتراض الهجمات الإيرانية”، معتبراً أن ذلك يعكس جهوداً جبارة بُذلت على مدار سنوات لبناء هذه القدرات. ويستشهد بنايم بواقعة إسقاط قطر لطائرتين إيرانيتين كدليل على تطور القدرات العسكرية النوعية في المنطقة. ورغم هذه الكفاءة، يظل القلق قائماً من الأثر النفسي والاجتماعي لسقوط الحطام أو اندلاع الحرائق في المناطق الحضرية، مما يغير من نمط الحياة اليومية للسكان ويخلق حالة من الترقب والحذر الدائمين.

وتشير مارا كارلين، مساعدة وزير الدفاع الأمريكي السابقة، إلى أن النجاح في اعتراض الصواريخ يعود إلى سنوات من الاستثمار في أنظمة الدفاع المتكاملة، لكنها تحذر من أن “الدرونات” تمثل تحدياً من نوع آخر. وتقول كارلين: “نحن أمام سباق استنزاف؛ حيث تُستخدم صواريخ اعتراضية بمليارات الدولارات لإسقاط مسيرات رخيصة، وهذا يضغط بشكل هائل على المخزونات الاستراتيجية ليس فقط لدول المنطقة، بل وللولايات المتحدة أيضاً”.

أما فيما يخص الموقف الاستراتيجي، فيرى غريغ غوز أن دول الخليج تجد نفسها في موقع “متلقي السياسات” وليس “صانعها” في هذه الحرب، مما يزيد من اعتمادها على الشريك الأمني الأمريكي. ويحذر غوز من خطورة “النيران الصديقة” والارتباك في الأجواء المزدحمة بالعمليات العسكرية، مشدداً على أن القوات الخليجية ستظل حذرة جداً في الانخراط المباشر في الهجمات الهجومية، مفضلة التركيز على “الدفاع عن الوطن” كأولوية قصوى. هذا التوازن الدقيق يهدف إلى حماية السيادة مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد لا يكون للمنطقة يد في إنهائها.

وفي هذا السياق، برزت الحاجة الملحّة لتعزيز “العمل المشترك” بين الجيوش الخليجية، وهو ما تجلى في التنسيق العالي بين السعودية والإمارات وقطر في تبادل بيانات الرادار والإنذار المبكر. ورغم هذه النجاحات، يظل القلق قائماً من قدرة إيران وحلفائها، مثل الميليشيات العراقية والحوثيين، على شن هجمات “مشبّعة” تفوق القدرة الاستيعابية لمنظومات الدفاع، مما يضع المراكز الحضرية الكبرى تحت ضغط نفسي وأمني دائم يغير من نمط الحياة اليومية للسكان.

كابوس “الفراغ السياسي”: الخوف من إيران “المفتتة

تتجاوز المخاوف الخليجية حدود المواجهة العسكرية لتصل إلى “اليوم التالي” لسقوط النظام في طهران، خاصة مع أنباء غياب القيادة العليا وتصاعد الاضطرابات الداخلية. وتجمع القراءات الاستراتيجية على أن دول الخليج تفضل التعامل مع إيران “ضعيفة ومحتواة” على التعامل مع “دولة فاشلة” أو مفتتة عرقياً وميليشياوياً. إن انهيار السلطة المركزية في طهران يعني فقدان السيطرة على ترسانة ضخمة من الأسلحة، وبروز خطر تدفق ملايين اللاجئين عبر مياه الخليج، وهو ما سيمثل ضغطاً ديموغرافياً وأمنياً يفوق طاقة استيعاب المنطقة.

وتحذر سوزان مالوني، نائبة رئيس معهد بروكينغز، من أن مقتل القيادات العليا في إيران قد يؤدي إلى “فراغ خطير” لن تملأه المعارضة المشتتة، بل قد تسيطر عليه الأجنحة الأكثر راديكالية في الحرس الثوري. وتقول مالوني: “الجمهورية الإسلامية مؤسسة على القمع، وقد أمضت عقوداً في ضمان عدم وجود بديل مدني منظم، لذا فإن غياب المركزية قد يحول إيران إلى بؤرة فوضى دائمة تهدد أمن الملاحة والطاقة في العالم أجمع”.

ويتفق معها “غوز” من أن أسوأ نتيجة قد تتمخض عنها الحرب هي نظام إيراني “يضاعف الرهان” على العنف والاضطراب الإقليمي لشعوره بأنه لم يعد لديه ما يخسره. لذا، فإن الهدف الخليجي النهائي يظل العودة إلى مسار الاستقرار لضمان استكمال المشاريع الوطنية الكبرى التي بدأت قبل اندلاع الأزمة.

ويتفق الخبراء على أن السيناريو الأفضل لدول الخليج هو الوصول إلى اتفاق يضمن “إيران مستقرة داخلياً ولكن منزوعة المخالب إقليمياً”. إن الخشية من “إيران الشمال كورية” (المنغلقة والنووية والعدائية) أو “إيران السورية” (المفككة والمليئة بالميليشيات) تدفع العواصم الخليجية للبحث عن “مخرج سياسي” يضمن انتقالاً آمناً للسلطة في طهران، ويمنع تحول الحرب إلى زلزال يقتلع جذور الاستقرار في الشرق الأوسط. ويؤكد دان بنايم. إن أي انهيار للسيطرة المركزية في طهران قد يؤدي إلى تدفقات بشرية هائلة نحو دبي والمدن الساحلية، وهو ما سيمثل ضغطاً يفوق القدرات الاستيعابية للمنطقة.

 

نحو توازن جديد

تدرك دول الخليج أن منطقة الشرق الأوسط بعد “مارس 2026” لن تعود كما كانت قبلها. إن القدرة على الصمود التي أظهرتها الأنظمة الدفاعية والتماسك السياسي الذي برز في وجه الانتهاكات الإيرانية، يشكلان حجر الزاوية في أي ترتيبات أمنية مستقبلية. ويبقى الرهان الأكبر هو مدى قدرة هذه الدول على تحييد آثار النزاع العسكري والعودة بالمنطقة إلى لغة الاقتصاد والتنمية، مع ضمان وجود ضمانات أمنية دولية تمنع تكرار مثل هذه المواجهات التي تهدد بتبديد عقود من الإنجازات العمرانية والحضارية.

 

المصادر المعتمدة:

  • جلسة إيجاز معهد الشرق الأوسط (MEI)، واشنطن، 4 مارس 2026.
  • حلقة نقاشية لمعهد بروكينجز (3 مارس 2026)

 

The post إيران “المنفلتة”.. الكابوس الذي يقضّ مضاجع جيرانها الخليجيين appeared first on يمن مونيتور.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية