عربي
منذ 1979، لم يعد الخليج العربي كما كان، فقيام الثورة الإيرانية لم يغيّر طبيعة النظام السياسي في إيران فحسب، بل أعاد رسم معادلات القوة في واحدة من أكثر مناطق العالم أهميةً من الناحية الجيوسياسية. وفي وقت كانت المنطقة تعيش أصلاً تحت وطأة التهديد الإسرائيلي للأمن القومي العربي، برز في الضفة الأخرى من الخليج مشروع إيراني جديد يحمل طموحاً أيديولوجياً عابراً للحدود يقوم على فكرة "تصدير الثورة". لم يكن هذا الخطاب مجرّد شعار سياسي بالنسبة إلى دول الخليج حديثة الاستقلال آنذاك، بل إنذاراً مبكّراً بإمكانية انتقال الاضطراب إلى داخل مجتمعاتها وأنظمتها السياسية. ومنذ تلك اللحظة، دخلت العلاقة بين إيران ودول الخليج مساراً معقّداً من التوترات المتراكمة، يجمع بين صراع النفوذ الإقليمي والاحتكاكات الأمنية ومحاولات متقطعة لإدارة الأزمات من دون أن تنجح في إنهاء أسبابها العميقة.
لذا، لم يكن تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 1981 رغبةً في تحقيق التكامل السياسي والاقتصادي بين دول الخليج في سياق طبيعي، بل جاء في الأساس استجابةً لبيئة أمنية متغيّرة، كان أبرز معالمها صعود إيران الثورية واندلاع الحرب العراقية الإيرانية التي استمرّت نحو ثمانية أعوام. وقد دعمت دول الخليج العراق آنذاك مالياً وسياسياً بهدف احتواء التوسع الإيراني ومنع انتقال الحرب إلى المجال الخليجي، ونجحت في هذا إلى حدّ كبير.
حاولت طهران، في الثمانينيات، توسيع نفوذها في الخليج عبر شبكات سياسية وأمنية مرتبطة بـ"الحرس الثوري الإيراني"، الأمر الذي أدّى إلى سلسلة من الأزمات الأمنية في عدة دول خليجية، بما في ذلك الكويت والسعودية والبحرين. وقد رسّخت هذه الأحداث قناعةً لدى العواصم الخليجية بأن إيران لا تتعامل مع الخليج بوصفه فضاءً للتعاون الإقليمي، بل ساحة نفوذ وصراع، غير أن نهاية الحرب الباردة وتراجع العراق بعد حرب الخليج الثانية سمحا لإيران بإعادة تموضعها الاستراتيجي. فبدلاً من التركيز على الخليج فقط، وسّعت طهران شبكة نفوذها في المشرق العربي عبر تحالفها مع النظام السوري بقيادة حافظ الأسد، ومن خلال دعمها المتزايد لحزب الله في لبنان، وفصائل فلسطينية في مقدّمها حركتا الجهاد الإسلامي وحماس. وقد تعزّز هذا المسار بعد سقوط بغداد عام 2003، حيث فتح الفراغ الجيوسياسي في العراق المجال أمام إيران لتعزيز حضورها السياسي والعسكري في غياب استراتيجية خليجية لملء الفراغ في العراق، وبناء مشروع قادر على منافسة المشروع الإيراني فيه.
التنافس بين القوى الإقليمية الكبرى، سواء إيران أو إسرائيل أو تركيا، يضع دول الخليج أمام بيئة أمنية شديدة التعقيد قد تتحوّل فيها أراضيها أو مجالها الحيوي إلى ساحة صراع غير مباشر
بلغ النفوذ الإيراني مستوى غير مسبوق خلال العقد الماضي، خصوصاً بعد صعود تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) عام 2014، إذ نجحت طهران في تقديم نفسها شريكاً ضرورياً في مواجهة تنظيم داعش بالتنسيق الأمني مع الولايات المتحدة، إضافة إلى اصطفافها السياسي والعسكري مع النظام السابق في سورية بوصفها ساحة نفوذ لا يمكن التخلّي عنها، وهو ما كانت له تداعيات أمنية وسياسية على دول الخليج. كما ساعد توقيع الاتفاق النووي الإيراني خلال إدارة باراك أوباما (2009 – 2017) في تعزيز شعور لدى دول الخليج بأن ميزان القوى الإقليمي بدأ يميل لصالح إيران، ما دفع بعض هذه الدول إلى تبنّي سياسات أكثر حزماً، كما حدث في التدخّل العسكري عبر التحالف العربي في اليمن بقيادة السعودية عام 2015.
ومع ذلك، لم تقتصر التوترات بين إيران ودول الخليج على الدول التي تتخذ مواقف متشدّدة تجاه طهران، فحتى الدول التي حافظت تقليدياً على علاقات متوازنة مع إيران، مثل قطر وعُمان، لم تكن بمنأى عن المخاوف الأمنية المرتبطة بالنشاط الإيراني. فقد كشفت تقارير أمنية في أوقات مختلفة شبكاتٍ مرتبطةً بالحرس الثوري في بعض دول الخليج، ما يعكس استمرار الأنشطة الاستخباراتية الإيرانية حتى في البيئات السياسية الأكثر انفتاحاً على الحوار مع طهران وبناء علاقات متوازنة معها. ويظلّ هذا التناقض بين الخطاب الإيراني الداعي إلى حسن الجوار والأنشطة الأمنية المنسوبة إلى مؤسّساتها العسكرية أحد أبرز مصادر القلق لدى دول الخليج، فبينما تسعى بعض الدول إلى إدارة العلاقة مع إيران عبر القنوات الدبلوماسية والحوار، تبقى الهواجس المرتبطة بالأمن الوطني والاستقرار الداخلي حاضرةً بقوة في الحسابات الاستراتيجية الخليجية.
لا يمكن فصل أمن الخليج عن منظومة الأمن العربي الأوسع؛ فاستقرار هذه المنطقة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بأمن الدول العربية ومصالحها الاستراتيجية
لكن التحدي الأكبر الذي يواجه دول الخليج اليوم، وفي ظل الحرب الدائرة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، التي تتخذ شكل كرة الثلج المتدحرجة، لا يتمثل فقط في سلوك إيران العدائي واستهداف أراضي بعض الدول الخليجية تحت ذريعة وجود قواعد عسكرية أميركية فيها، بل أيضاً في التحوّلات الأوسع في ميزان القوى الإقليمي، بما في ذلك صعود النزعة الإسرائيلية نحو ترسيخ تفوّقها العسكري ومحاولة فرض معادلات أمنية إقليمية تجعلها القوة المهيمنة في المنطقة، فالتنافس بين القوى الإقليمية الكبرى، سواء إيران أو إسرائيل أو تركيا، يضع دول الخليج أمام بيئة أمنية شديدة التعقيد قد تتحوّل فيها أراضيها أو مجالها الحيوي إلى ساحة صراع غير مباشر.
ومن ثم، ليس التحدّي الحقيقي فقط في إدارة التوترات مع هذه القوى، بل في قدرة دول الخليج على بناء منظومة أمنية مشتركة قادرة على مواجهة التحدّيات الجديدة. فعلى الرغم من مرور أكثر من أربعة عقود على تأسيس مجلس التعاون الخليجي، لا يزال مستوى التكامل الدفاعي والأمني دون الطموحات المعلَنة. ومن هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال بالتكامل الدفاعي الخليجي من مستوى الخطاب السياسي إلى مستوى السياسات العملية القابلة للتنفيذ. ويعني ذلك تطوير منظومات دفاع جوي وصاروخي مشتركة، وتعزيز التكامل الاستخباراتي، وتنسيق السياسات السيبرانية والأمنية، إضافة إلى بناء صناعات دفاعية مشتركة تقلّل الاعتماد على الولايات المتحدة، بشكل أساس، مظلّةً أمنيةً ومزوّداً رئيساً للقدرات العسكرية لدول الخليج، بما يعزّز قدرة دول الخليج على حماية أمنها واستقلال قرارها في بيئة إقليمية تتزايد فيها مشاريع الهيمنة والنفوذ.
في الختام، لا يمكن فصل أمن الخليج عن منظومة الأمن العربي الأوسع؛ فاستقرار هذه المنطقة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بأمن الدول العربية ومصالحها الاستراتيجية. وهو ما يستدعي الانتقال من مجرّد إدراكٍ مشتركٍ للمخاطر إلى بناء تنسيق عربي فعّال يترجم هذا الإدراك إلى سياساتٍ عمليةٍ ومؤسّسات تعاون حقيقية تضم دولاً محورية مثل العراق وسورية ومصر والجزائر إلى جانب دول الخليج، فالتجربة التاريخية في إدارة العلاقة مع إيران وغيرها من القوى الإقليمية والدولية تُظهر أن التهديدات لا تتراجع بمجرّد احتوائها دبلوماسياً، بل تتطلّب بناء بنية أمنية عربية قادرة على الردع والاستقرار والاستجابة الجماعية للأزمات في عالم يتسم بتعقيد متزايد وتنافس جيوسياسي متصاعد. ومن هنا يكون التكامل العسكري والأمني ضرورة خليجية ملحّة.
