عربي
يُعرب نازحون لبنانيون فارّون من القصف الإسرائيلي عن صعوبة العثور على منازل آمنة قابلة للسكن، بالمقارنة مع عدوان 2024. الخوف أكبر، عدا الأسعار الخيالية، ولا خيار أمامهم سوى مواصلة البحث والأمل.
يكاد يكون من يملك سقف سيارةٍ من النازحين نتيجة الحرب الإسرائيلية على لبنان اليوم من الأوفر حظاً. يقولها بعض الذين تحدثت إليهم "العربي الجديد"، في تهكّم على أوضاعهم، هم الذين عجزوا عن إيجاد بيوت آمنة حتى اليوم، بعدما أُجبروا على الخروج من بيوتهم ليلاً عقب بدء القصف الإسرائيلي.
بالنسبة للبعض، كان البقاء في البيت، أينما كان في المناطق المستهدفة من قبل العدو الإسرائيلي، أهون من عملية البحث عن منزل. كما في الحرب الأولى (8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 - 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024)، جرى تداول مئات الأرقام عن مالكين يرغبون في تأجير بيوتهم وسماسرة عقارات، على مواقع التواصل الاجتماعي ومجموعات "واتساب" ليبدأ النازحون في الاتصال والبحث. لكن هذا السرد أهون بكثير من الواقع الذي يواجه غالبية هؤلاء.
في هذا التحقيق، فضّل جميع الذين تحدثنا إليهم عدم البوح بأسمائهم الكاملة. وكأنهم يرغبون في الحديث عن ألم مشترك لا وجه له، فهذا أخفّ وطأة عليهم. أمر انسحب على سماسرة البيوت، وهم في قلب هذه العاصفة، وتكاد هواتفهم لا تتوقف عن الرنين.
هاتفَ مازن عشرات الأرقام التي رآها أو أُرسلت إليه، إلا أن معظمها إما خاطئة أو أن أصحابها لا يجيبون. ويظهر له، كما لآخرين، أن هذه الأرقام غير صحيحة بمعظمها، أو أن أصحابها قد أجّروا بيوتهم ولا تزال أرقامهم متداولة. يذكر أنه في الحرب الماضية ترك رفقة عائلته منزلهم في قرية الغازية في قضاء صيدا (جنوب لبنان)، متوجهين إلى منزل إحدى قريبات العائلة في مدينة صيدا ريثما يجدون منزلاً. في اليوم الثالث للبحث، يضيف مازن: "بكيتُ، إذ من الصعب ألا تجد مكاناً آمناً تلجأ إليه. لكن هذه المرة لم أبكِ، حتى إنني لم أشعر بشيء. كأن قرار البقاء في المنزل بدا سهلاً رغم الحرب".
يتابع: "تروما (صدمة نفسية أو عاطفية شديدة) الحرب الماضية المتعلّقة بالبيوت لا تزال حاضرة في ذهني. لم يمرّ وقت طويل لأتمكن من النسيان أو التجاوز. السكن في منزل غير مجهّز ومن دون أثاث، ليس تفصيلاً يمكن التأقلم معه. اليوم لا أستطيع تكرار التجربة. الأمر قاسٍ جداً".
وجد مازن منزلاً لفترة محدودة، لكنه يسأل: "هل فيه أثاث؟"، ويضيف: "ماذا يعني ذلك؟ هل بيت مع سريرين وغرفة جلوس مع غاز صغير ومن دون ثلاجة يُعتبر منزلاً مؤهلاً لعائلة من خمسة أفراد؟ الآن خلال توضيب الحقائب، أول ما وضعته كان وصلة تمديد كهربائي لأتمكن من شحن هاتفي وحاسوبي في الوقت ذاته".
لم تكن الصعوبة بالنسبة لمازن محصورة في أرقام لا يُجيب أصحابها، بل في الأسعار الخيالية، وعدم العثور على بيوت تؤمّن الحد الأدنى من متطلبات العيش، وأحياناً رفض أصحابها التأجير. هذه الأسباب تكاد تكون مشتركة بين جميع الذين اضطروا إلى الخروج من منازلهم خلال ساعات قليلة، عسى ألا يتحولوا إلى شهداء.
بيوت غير مؤهلة للسكن
منى وعائلتها، وهم خمسة أشخاص غادروا منطقة الغبيري في الضاحية الجنوبية لبيروت فجر الاثنين الماضي مع بدء القصف الإسرائيلي للمنطقة، لم يتمكنوا من العثور على منزل بعد. في الوقت الحالي، يسكنون في غرفة في بأحد الفنادق في بيروت، بكلفة 70 دولاراً في الليلة، حيث تنام هي على الأرض. يومياً، يتشارك أفراد العائلة في البحث عن منزل إمّا عبر الهاتف أو بواسطة البحث الميداني، لكن الأمر يبدو شديد الصعوبة هذه المرة، أو حتى شبه مستحيل، بحسب قولها.
وعلى عكس الحرب الماضية، لم تتوقع منى حرباً اليوم، أو ربما هو صوت داخلي يرفض تكرار التجربة، جعلها تصدّق استحالة تكرار الأمر. في الحرب السابقة، تمكنت العائلة من إخراج الأوراق الثبوتية، صور الطفولة، وغيرها من الأساسيات. هذه المرة كل شيء كان مختلفاً. تقول: "خرجنا في سيارتين إلى الفندق، لتبدأ عملية البحث".
كان لدى العائلة، من بقايا الحرب السابقة، لائحة من السماسرة، عدا عن المجموعات على وسائل التواصل الاجتماعي. لكنّ ما وجدته حتى اليوم هو بيت أشبه بـ"حظيرة حيوانات" كما وصفته، ببدل 1200 دولار شهرياً، بالإضافة إلى شهر تأمين، ولا يزال في أحد أجزائه قيد الإنشاء، كما وجدت بيتاً شديد الرطوبة إلى درجة وجود عفن في البلاط في منطقة سن الفيل (شرق بيروت)، ببدل إيجار 850 دولاراً شهرياً مع ثلاثة أشهر سلفاً. عدا عن ذلك، يتحول الأمر إلى مزاد. فإذا قال أحد الباحثين إنّه سيقبل ببيت مُزرٍ وطلب دفع شهرين سلفاً مثلاً، يُقال له إنّ عائلة أخرى مستعدة لدفع ثلاثة أشهر.
من جهة أخرى، تتحدث منى عن رفض كثيرين التأجير بمجرد معرفة أنّهم نازحون. وهي، رغم وضعها في الوقت الحالي، تجد نفسها "متفهمة" لخوف الناس من الاستهدافات الإسرائيلية في ظل التهديدات المستمرة. وفي الوقت ذاته، تدرك أنه لا ذنب لها وللعائلات النازحة في مثل هذه الظروف.
خوف من الاستهدافات
واجهت عائلة منى التي نزحت من الضاحية الجنوبية لبيروت الرفض في محلة طريق الجديدة (غربي بيروت)، وكان الرد: "لا نؤجّر نازحين". كانت سمسارةٌ تحاول المساعدة في محلة عين الرمانة المحاذية للضاحية الجنوبية لبيروت، والمصنّفة "آمنة" حتى الآن. نصحتها بحجب معلومة كونهم نازحين عن صاحب البيت حتى لا يغيّر رأيه. حتى إنّها اختلقت لها قصة: "قولي له إنك اضطررت إلى القدوم رفقة عائلتك من مدينة جبيل (شمال بيروت) لضرورات العمل". إلا أن منى وعائلتها خشوا أن يُكشف أمرهم بعد حين، ويُطردوا من الشقة بعد دفعهم بدل إيجار 600 دولار مع أربعة أشهر سلفاً وشهر تأمين.
تقول منى: "لستُ جاهزة. كانت تجربة الحرب الماضية قاسية. صحيح أننا وجدنا بيتاً، إلا أنه لم يكن مجهزاً، وكان صغيراً جداً، ونمت على فراش على الأرض ستة أشهر لأننا خسرنا بيتنا في الحرب. حالياً، جزء من ثيابي في السيارة، والجزء الآخر في غرفة الفندق. يحاول أهلي جلب ما يستطيعون حين يكون الوضع هادئاً. لا أعرف ماذا جلبوا لي. أضع في حقيبة الحاسوب فرشاة أسنان ومعطراً. هذا الشيء الوحيد الذي أعرفه. أذهب إلى العمل بثياب غير منسقة. لا أعرف مدى قدرتي على التحمل هذه المرة. يقول لي أصدقائي إن الوقت ما زال مبكراً لفقدان قوتي".
تبدو قصص الناس نسخاً متشابهة من المأساة. قلق جيران ندى في إحدى مناطق بيروت، بعد استقبالها شقيقتيها المحجبتين، إلى حدّ أنّ صاحب البيت اتصل بها معرباً عن استنكاره لوجودهما في المنزل. عائلات أخرى دفعت عربوناً لحجز منزل، لكنّها إما فوجئت بأن الأمر كان مجرد احتيال، أو أنهم حين توجهوا إلى البيت لاستلامه، غيّر المالك رأيه.
زينب التي لجأت رفقة عائلتها إلى إحدى المدارس ريثما تجد منزلاً مقبولاً، تقول إنّ "الوضع خلال هذه الحرب مختلف تماماً. الناس تخشى استقبال النازحين أو تطلب مبالغ خيالية. أحد الفنادق طلب ألفَي دولار في الشهر". تُعلّق زينب: "كيف نؤمّن هذا المبلغ وقد فقدنا وظائفنا بسبب الحرب؟ وحتى لو استطعنا تأمين الشهر الأول، ماذا لو طالت الحرب؟ كما أنّ هناك مصاريف أخرى". تضيف أنّ معظم البيوت الفارغة حصل عليها أقارب المسافرين.
وهناك بعض أصحاب البيوت الذين يشترطون أحياناً استقبال النساء والأطفال من دون الرجال. ورغم أنّ هناك بعض المناطق في شمال لبنان، مثل مدينة طرابلس، أكثر قدرة على استقبال النازحين، يشعر البعض بصعوبة الابتعاد عن بيروت لعدم امتلاكهم سيارة، ولحاجتهم إلى الاستمرار بالعمل وغير ذلك.
إلغاء عروض الإيجار
السماسرة بدورهم، يروون قصصاً مماثلة. طارق الذي يعمل في عدد من مناطق بيروت، يقول إن الوضع خلال هذه الحرب "أكثر صعوبة". حتى إنّ بعض أصحاب البيوت الذين كانوا يسعون إلى تأجير بيوتهم، لم يعودوا يعرضونها للإيجار، تحسباً لاحتمال أن يكون المستأجر (غير النازح) على معرفة بنازحين قد يعرض عليهم المساعدة واستضافتهم.
ويروي أنه قبل فترة، حصلت من خلاله امرأة إيطالية على منزل في منطقة الأشرفية. ومع بدء الحرب، استقبلت عائلة صديقها التي نزحت من منطقة حارة حريك، الأمر الذي دفع بجيرانها إلى الشكوى، فتدخل صاحب البيت وطلب من السمسار التدخل، واضطرّت أخيراً إلى الطلب من عائلة الصديق مغادرة البيت.
ويرى طارق أنّ الأمر في الكثير من المناطق يتجاوز المال. إحدى النازحات من الجنوب عرضت دفع بدل إيجار منزل (2000 دولار) لمدة عام سلفاً، إلا أنها قوبلت بالرفض، حتى إنّ صاحبة البيت قرّرت أخيراً عدم عرض البيت للإيجار.
سمسار آخر يعمل في شمال لبنان، وتحديداً في مدينة طرابلس، يتحدث بدوره عن الخوف الشديد الذي أصاب الناس، وباتوا يتعاملون مع النازحين كأنهم جميعاً "مستهدفون" من قبل الاحتلال الإسرائيلي، ما يشكل خطراً على حياتهم. في المقابل، يطلب البعض مبالغ مرتفعة، وثلاثة أشهر سلفاً على الأقل. ويلفت إلى أنه غالباً ما يكون الناس أكثر تقبلاً للنساء والأطفال، ويقول: "في أحد أحياء طرابلس، كنت قد أمّنتُ بيتاً لعائلة نازحة من الجنوب تنام في السيارة، وحين وصلوا إلى البيت تبيّن أن هناك قراراً من شبان الحي بعدم استقبال نازحين. من جهة أخرى، فإنّ الناس غير قادرة على دفع ألف دولار بالحد الأدنى شهرياً، عدا عن قيمة التأمين". وسط هذه الظروف الصعبة، استطاع السمسار ذاته تأمين بيوت للنازحين. لا يقول إنّ الأمر مستحيلاً، لكنه صعب، أو على الأقل أكثر صعوبة من الحرب الأخيرة.
وخلال عملية البحث، يمكن أن تسمع عن أحد المالكين في الجبل الذي اشترط على أسرة نازحة قبل تأجيرها، عدم استقبال أي زائر إلا خارج حدود البلدة. في المقابل، ما إن بدأت الحرب، عمدت إحدى الأسر في محافظة عكار شمالي لبنان، كانت قد استضافت عائلة نازحة خلال الحرب الماضية، إلى تهيئة المنزل مجدداً لاستضافتها. هذه قصص يمكن إيجادها أيضاً.
