عربي
قدّم العالم عمر ياغي (1965)، الحائز نوبل للكيمياء عام 2025، اختراعاً يتمثّل في جهاز يستخدم مواد كيميائية لالتقاط الرطوبة من الهواء، وتحويلها إلى مياه نظيفة، ويمكن أن ينتج حتى ألف لتر يومياً باستخدام طاقة قليلة. كشفت عن هذا الاختراع شركة أتوكو في فبراير/شباط الماضي.
تلجأ هذه الأداة إلى الطاقة الحرارية الموجودة في الهواء، لتوليد ما يصل إلى ألف لتر من الماء النظيف يومياً. أداة تعوض الطرق التقليدية مثل تحلية مياه البحر، وتنقذ الدول العربية المهددة بالجفاف، وتساعد دول الجزر المعرضة لخطر الأعاصير. وهو اختراع توصل إليه من وحي حياته في مخيمات اللجوء، حيث المياه نادرة ومصدر قلق دائم.
تتلخص فكرة اختراع عمر ياغي في الكيمياء الشبكية (حاز نوبل بفضل إنجازاته فيها)، وهي إنتاج مواد مُهندَسة جزيئياً، قادرة على استخلاص الرطوبة من الهواء وتجميع الماء حتى في الظروف القاحلة والصحراوية. وقد أسّس شركة أتوكو للتكنولوجيا، التي تقول إن وحداتها، التي تضاهي في حجمها حاوية شحن بطول ستة أمتار وتعمل كلياً بالطاقة الحرارية منخفضة الجودة، يمكن وضعها في الأحياء والقرى لتوليد ما يصل إلى ألف لتر من الماء النظيف يومياً.
تبقى تكنولوجيا عمر ياغي قيد العمل حتى في حال انقطاع الكهرباء ومصادر المياه المركزية عند الكوارث. ويمكن تخيّل قدرة هذه الأداة على توصيل المياه في غزة حيث قطعت الحرب إمدادات المياه، وفي البلدان العربية المعرضة للشح الشديد في المياه، وفي الجزر المعزولة المعرضة للأعاصير.
أفاد تقرير حديث للأمم المتحدة بأن كوكب الأرض قد دخل "عصراً عالمياً من ندرة المياه"، إذ يعيش ما يقرب من ثلاثة أرباع سكان العالم في بلدان مصنفة ضمن فئة الدول التي تعاني من انعدام الأمن المائي أو انعدام الأمن المائي الحرج. وذكر التقرير أن "حوالى 2.2 مليار شخص ما زالوا يفتقرون إلى مياه الشرب المُدارة بأمان، و3.5 مليارات شخص يفتقرون إلى خدمات الصرف الصحي المُدارة بأمان، ويعاني حوالى أربعة مليارات شخص من ندرة حادة في المياه لمدة شهر واحد على الأقل سنوياً".
حياة اللجوء التي عاشها عمر ياغي هي ما صنع مساره واختراعه الذي يُؤمل أن يغيّر حياة الملايين. خلال تسلّمه جائزة نوبل، قال في خطابه: "نشأتُ في عمّان، الأردن، في كنف عائلة لاجئة مؤلفة من عشرة أطفال، في منزل بلا ماء جارٍ ولا كهرباء، نتقاسم مساحتنا مع الماشية التي كانت مصدر رزقنا". أضاف: "في الصحراء، كانت المياه تصل من الحكومة مرة كل أسبوع أو أسبوعين. أتذكر الهمس الذي كان يتردد في أرجاء حيّنا: "الماء قادم"، والهلع الذي انتابني وأنا أسرع لملء كل وعاء أجده قبل أن ينقطع الماء".
دفع شح المياه الذي تشهده الدول العربية إلى انخراطها في مشاريع تحلية مياه البحر لإنقاذ إمدادات الشرب وسقي المزروعات؛ إذ يعاني أكثر من 60% من سكان الشرق الأوسط من إجهاد مائي شديد. وتتوقع شركة أبحاث السوق "أريزتون" أن ينمو سوق تحلية المياه العالمي إلى 28.1 مليار دولار في 2026، مقارنةً بـ16.5 مليار دولار في عام 2020.
ويمكن لتحلية المياه أن تعزّز الأمن المائي، بتحويل مياه البحر إلى مصدر محلي موثوق لمياه الشرب والري، وتقليل الاعتماد على مصادر المياه العذبة البعيدة؛ لكنها أيضاً وسيلة تنطوي على سلبيات، بينها كلفة الإنشاء والصيانة، واستهلاك كميات كبيرة من الطاقة، وإنتاج محلول ملحي مركز يُقذف في المياه ويهدّد النظم الساحلية إذا لم يُدَر إدارةً سليمة.
في خطاب تسلّمه لجائزة نوبل، عبّر عمر ياغي عن أمله في "علم قادر على إعادة تصور المادة، وجيل متلهف لدفعها قُدُماً". وحثّ قادة العالم "على التحرك"؛ إذ "لا يطالب العلماء بامتيازات، بل بإمكانيات. ادعموا فضولهم. أزيلوا العوائق. احموا الحرية الأكاديمية. رحبوا بالمواهب العالمية. وفي ما يتعلّق بالمناخ، فقد حانت ساعة العمل الجماعي. العلم حاضر. ما نحتاجه الآن هو الشجاعة، شجاعة تتناسب مع ضخامة المهمة، حتى نتمكن من منح الجيل المقبل ليس احتجاز الكربون فقط، بل كوكباً جديراً بآمالهم".
البروفيسور عمر ياغي عالم كيمياء أردني فلسطيني الأصل، حاصل على الجنسيتين السعودية والأميركية. وُلد عام 1965 في عمّان، وحصل على شهادة الدكتوراه في الكيمياء من جامعة إلينوي الأميركية. وقد فاز بجائزة نوبل للكيمياء إلى جانب عالِمين آخرين عام 2025. خلال تسلّمه جائزة نوبل قال ياغي في خطابه:
"جاءت نقطة التحول في حياتي في سن العاشرة، عندما عثرتُ على رسومات للجزيئات في مكتبة مدرستي. أسرني جمالها وغموضها، وعندما علمتُ أنها اللبنات الأساسية لكل شيء، حياً كان أو جماداً، أشعلت فيّ شغفاً بالكيمياء، وتعلقتُ بها إلى الأبد. أصبحت ملاذي ووجهتي".
