يمن مونيتور/ الرياض/ خاص
كشفت دراسة علمية حديثة أن الاختلاف بين اللغتين العربية والإنجليزية في نصوص المعاهدات الدولية الأساسية لحقوق الإنسان لا يقتصر على تباينات لغوية أو تقابلية عادية، بل يمتد إلى اختلافات إدراكية عميقة في طريقة تشكُّل المعنى نفسه.
الدراسة أنجزها الباحث إبراهيم محمد علي راجح ونال بموجبها درجة الدكتوراه، ويعد راجح أحد الباحثين اليمنيين المتخصصين في الدراسات اللسانية، ويعمل في قسم اللغة العربية بجامعة تعز، ويجمع بين التكوين اللغوي العربي والإتقان المتقدم للغة الإنجليزية. وقد مكَّنه هذا التكوين المزدوج من العمل مترجمًا ومساعدًا خاصًا لسفير جمهورية كوريا الجنوبية لدى اليمن، إلى جانب نشاطه الأكاديمي. ويرى عدد من المختصين أن هذا العمل يمثل إضافة لافتة في مجال الدراسات اللسانية الإدراكية التقابلية، لما يفتحه من آفاق جديدة في تحليل الفجوة التصورية بين اللغات في النصوص القانونية الدولية.
وتشير الدراسة إلى أن المصطلحات التي تبدو متكافئة في اللغتين قد تنتمي في الواقع إلى نظامين تصوريين مختلفين، ما قد يؤدي إلى تباينات دقيقة في فهم المفاهيم القانونية والأخلاقية التي تقوم عليها هذه الوثائق الدولية.
وتتناول الدراسة، الموسومة بـ “الاختلاف الدلالي بين العربية والإنجليزية في المعاهدات الدولية الأساسية لحقوق الإنسان في ضوء اللسانيات الإدراكية”، طبيعة العلاقة بين اللغة والإدراك في سياق قانوني معياري يفترض – نظريًا – وحدة المعنى بين النسخ اللغوية المختلفة للوثيقة الدولية. وتنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن الاختلاف الدلالي بين لغتين لا يمكن النظر إليه بوصفه خللًا في الترجمة أو نقصًا في الدقة، بل هو نتيجة طبيعية لاختلاف البيئات الثقافية والزمانية والتاريخية التي تشكل اللغة. فالمعنى – بحسب هذا التصور – لا ينتقل بين اللغات انتقالًا مباشرًا، وإنما يُعاد تشكيله داخل بنية إدراكية خاصة بكل مجتمع لغوي.
وتكتسب هذه المسألة حساسية مضاعفة عندما يتعلق الأمر بلغة المعاهدات الدولية، التي تعد أحد أهم مصادر القانون الدولي العام، وتُبنى عليها حقوق والتزامات قانونية للدول والمجتمعات. ففي هذا السياق يفترض أن تؤدي اللغة وظيفة معيارية دقيقة، بحيث تنقل المفهوم القانوني ذاته في جميع اللغات الرسمية. غير أن التحليل الإدراكي الذي تقدمه الدراسة يبيِّن أن تحقيق هذا التطابق الكامل في المعنى يظل أمرًا معقدًا.
وقد اعتمدت الدراسة منهجًا تقابليًا لتحليل مجموعة من المفاهيم المحورية الواردة في المعاهدات الدولية الأساسية لحقوق الإنسان، مركزة على ثلاثة مستويات دلالية رئيسة تتحكم في إنتاج المعنى: البنية الدلالية الأساسية للمفهوم، ثم شبكة الارتباطات الدلالية التي تحيط به، وأخيرًا المعنى الذي يتشكل عند تفعيل المفهوم داخل السياق.

وتشير الدراسة إلى أن التركيز على هذه المستويات الثلاثة لا يقتصر على التحليل اللغوي النظري، بل يرتبط بطبيعة اللغة القانونية نفسها؛ فالمعاهدات الدولية تُصاغ عادةً بقدر عالٍ من الدقة الاصطلاحية بهدف تقليل التأويل والالتباس. غير أن هذا الافتراض المعياري يصطدم أحيانًا بحقيقة أن المفاهيم القانونية الكبرى – مثل الحق والعدالة والإنسان والسلطة – ليست وحدات لغوية خالصة، بل بنيات تصورية مشبعة بخلفيات ثقافية وفلسفية وتاريخية. ولهذا فإن نقلها من لغة إلى أخرى لا يعني مجرد إيجاد مقابل لفظي لها، بل يتطلب – في كثير من الأحيان – إعادة بناء شبكة المعنى التي تتحرك داخلها هذه المفاهيم في كل نظام لغوي.
وتكشف الدراسة أن الاختلاف بين اللغتين يبدأ غالبًا من المستوى الأول، أي من البنية الأساسية للمفهوم نفسه، لكنه يتسع بصورة أكبر في مستوى الارتباطات الدلالية. ففي هذا المستوى تتداخل الخلفيات الثقافية والتاريخية والقيمية التي تمنح المفهوم امتداده الدلالي داخل كل لغة. ولهذا قد يبدو المصطلحان متكافئين في الظاهر، في حين يحمل كلٌّ منهما في الواقع شبكة مختلفة من الافتراضات والمعاني الضمنية. ولتحليل هذه الظاهرة استعانت الدراسة بعدد من النماذج النظرية في اللسانيات الإدراكية والعلوم المعرفية. من بينها نموذج المزج الإدراكي الذي يفسر المعنى بوصفه نتاجًا لعملية تركيب بين فضاءات ذهنية متعددة، إضافة إلى نموذج مخططات الصورة الإدراكية الذي يربط المعنى بالبنى التصورية المرتبطة بالتجربة الجسدية للإنسان، مثل مخطط المصدر والمسار والهدف. كما توسعت الدراسة في توظيف نموذج الإدراك الكمومي الذي يستعير بعض مفاهيم الفيزياء الحديثة لتفسير حالات التراكب والتشابك الدلالي التي قد يحملها المفهوم قبل أن يستقر معناه في سياق محدد.

إلى ذلك تقترح الدراسة نموذجًا تحليليًا جديدًا أطلقت عليه الدراماتيكا الإدراكية، مستلهمًا من نظرية الدراماتيكا في تحليل البنية القصصية، ويقوم على تصور المعنى بوصفه عملية تفاوض ذهني بين أدوار إدراكية متعددة. وفي التطبيق العملي، اختارت الدراسة مجموعة من المفاهيم الأساسية المتكررة في المعاهدات الدولية، وصنّفتها ضمن أربعة حقول مفهومية رئيسة. ويشمل الحقل الأول مفاهيم دولية عامة مثل العالمية والسلام والأمن، في حين يتناول الحقل الثاني مفاهيم أخلاقية مثل الضمير والأخلاق والتسامح. أما الحقل الثالث فيركز على المفاهيم القانونية مثل الإعلان والتشريع والاختصاص القضائي، في حين يتناول الحقل الرابع مفاهيم وجودية أساسية مثل الحق والحقيقة والإنسان.
ويكشف تحليل هذه المفاهيم أن ما يبدو في النصوص القانونية الدولية مصطلحات متطابقة بين اللغتين قد يكون في الواقع مجرد تقاطع جزئي بين منظومتين دلاليتين مختلفتين. فالمفهوم القانوني أو الأخلاقي قد يستدعي في كل لغة شبكة مختلفة من الخلفيات المعرفية والقيمية، وهو ما قد ينعكس على تفسير النص أو على طريقة تطبيقه في السياقات القانونية المختلفة.
وترى الدراسة أن هذه الفجوة التصورية (Conceptual Gap) ليست خللًا في النظام القانوني الدولي بقدر ما هي نتيجة طبيعية لاختلاف الأنظمة اللغوية والثقافية. فاللغة ليست مجرد أداة محايدة لنقل المعنى، بل نظام إدراكي يسهم في تشكيل الطريقة التي يفهم بها الإنسان العالم ويصنِّف ظواهره.
وتخلص الدراسة إلى أن فهم هذه الاختلافات الدلالية يمثل خطوة ضرورية لتحسين صياغة المعاهدات الدولية وترجمتها. كما تدعو إلى توظيف أدوات اللسانيات الإدراكية والتحليل التقابلي في دراسة لغة القانون الدولي، بما يسمح بالكشف المبكر عن الفجوات التصورية وتقليل آثارها في تفسير النصوص القانونية. وترى الدراسة أن مستقبل البحث في هذا المجال يتجه نحو مقاربات بينية تجمع بين اللسانيات والعلوم الإدراكية والقانون وفلسفة العقل، باعتبار أن فهم اللغة القانونية لا يكتمل من دون فهم الآليات الإدراكية التي تنتج المعنى داخل الذهن الإنساني.
The post دراسة جديدة: الفجوة الدلالية التصورية بين العربية والإنجليزية قد تؤثر في فهم المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان appeared first on يمن مونيتور.