آنا أخماتوفا... الشعر شاهداً على التاريخ والذاكرة
عربي
منذ 5 أيام
مشاركة
تفتح النسخة الفرنسية الجديدة من كتاب "سباق الزمن" (2025، دار لابارك)، التي ترجمها وقدم لها كريستيان موز، نافذة على تجربة الأديبة الروسية آنا أخماتوفا (1889–1966) الشعرية والإنسانية كما أرادت أن تُسمع، بعيداً عن أي تدخل رقابي. يجمع هذا الإصدار أكثر من مئة قصيدة كتبتها الشاعرة بين 1924 و1964، مقدّماً نصاً متكاملاً يوثق مسارها الأدبي ويكشف عن صوتها الداخلي، الذي ظل صامداً في مواجهة القمع السياسي والمآسي الشخصية، ليصبح شاهداً حيّاً على تجربة الإنسان في روسيا خلال الحرب والثورة والاضطهاد، مسجلاً الألم والصمود والذاكرة الفردية والجماعية. في هذا اليوم، الخامس من مارس/آذار، مع حلول الذكرى الستين لوفاتها، يتيح الكتاب إعادة استحضار حضورها الشعري حارساً للذاكرة الثقافية والتاريخية الروسية وتجربة إنسانية عابرة للزمن. بدأت أخماتوفا مسارها الإبداعي في سن المراهقة، ناشرةً أولى قصائدها باسمها الحقيقي في مجلة سيروس (1907)، قبل أن تعتمد اسمها المستعار الذي أصبح مرتبطاً بها رمزاً شعرياً. في مطلع مسيرتها، تمحورت كتاباتها حول الحب والتأمل الشخصي، مع قدرة استثنائية على تصوير الصراعات النفسية الدقيقة، كما يظهر في مجموعتها الأولى "المساء" (1912) ومجموعتها الثانية "المسبحة" (1914)، حيث تشكل التفاصيل اليومية مرآة للتجربة الإنسانية العميقة. وواصلت نجاحها بعد صدور "القطيع الأبيض" (1917)، الذي عكست فيه تجربتها مع الثورة عبر قصيدتها الشهيرة "كان لي صوت". مع مطلع العشرينيات، خضعت أعمالها لرقابة صارمة، ومنع نشرها بين 1925 و1955، باستثناء حالات نادرة. رغم ذلك، ظل صوتها يتردد عالمياً، إذ تصدرت مجموعتها "مختارات شعرية" الصادرة في نيويورك عام 1952 قائمة الأكثر مبيعاً، ليظهر إرثها الأدبي متجاوزاً الحدود والرقابة. عاشت أخماتوفا سلسلة من المآسي الشخصية؛ إعدام زوجها الأول نيكولاي غوميليف، وفقدان أحبائها، واعتقال ابنها ليف لسنوات طويلة، وانتحار شقيقها، وهو ما خلدته في قصائدها التي تصف الصقيع والانتظار أمام أبواب السجون السوفييتية. تجمع قصائد أخماتوفا بين الفردي والجماعي، والزمن الشخصي والتاريخي  تأثرت مسيرة أخماتوفا بعلاقة معقدة مع النظام؛ فقد وُصفت بأنها "بورجوازية أرستقراطية"، وتم طردها من اتحاد الكتاب بعد الحرب العالمية الثانية، واضطرت إلى كتابة قصائد مديح للسلطة لإنقاذ ابنها، ورفضت لاحقاً إدراجها في مجموعاتها. مع نهاية الحقبة الستالينية، عادت إلى اتحاد الكتاب السوفبيتي وشاركت في فعالياته، وحصلت على جوائز دولية، منها "إتنا-تاورمينا" (1964) والدكتوراه الفخرية من جامعة أكسفورد (1965). تجمع قصائد أخماتوفا بين الفردي والجماعي، والزمن الشخصي والتاريخي، والحميمية والرمزية. يظهر ذلك في "القداس الجنائزي" (1963) و"قصيدة بلا بطل" (1973)، حيث وظفت السرد الشعري المركب لتسجيل تجربة الإنسان والتاريخ معاً، وتثبت قدرتها على تحويل الألم إلى نص شعري حي قادر على مقاومة النسيان وتسجيل التاريخ من منظور شخصي وإنساني. أخماتوفا لم تقتصر على الشعر؛ فقد تركت بصمة في النثر والمذكرات والمقالات الذاتية، واهتمت بدراسة الأدب الروسي الكلاسيكي وكتابات نقاد وأدباء مثل ألكسندر سيرجيفيتش بوشكين، وترجمت مختارات من الشعر الإيطالي والفرنسي والأرمني والكوري.  رافقت مسارها تجربة معاصريها مثل أوسيب إميلوفيتش ماندلشتام وبوريس ليونيدوفيتش باستيرناك ومارينا إيفانوفنا تسفيتايفا، الذين واجهوا صعوبات تحت الرقابة والضغوط السياسية، ما يجعل حياة أخماتوفا الأدبية شاهدة على تحديات الجيل الموهوب في روسيا خلال القرن العشرين. النسخة الجديدة من "سباق الزمن" تمنح القارئ نافذة لفهم الشعر بوصفه وثيقة إنسانية وثقافية، تعكس صمود الشاعرة في مواجهة التاريخ والظلم، وتعيدها إلى الوعي الجمعي بوصفها رمزاً للأدب الروسي، ولشاعرة صنعت من الألم نصاً خالداً يواجه النسيان والاضطهاد.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية