عربي
أثار لقاء الرئيس السوري أحمد الشرع عدداً من الصحافيين وناشطي المجتمع المدني المقربين من الإدارة في قصر الشعب في دمشق، الثلاثاء الماضي، انتقادات واسعة من جانب الصحافيين والمثقفين السوريين وسط تساؤلات عن مغزى اختيار مجموعة محددة من الأشخاص لدعوتهم بشكل متكرر للقاءات القصر الجمهوري مع تجاهل شريحة واسعة من الصحافيين والفاعلين في المجتمع.
ووفق وكالة سانا الرسمية، فقد بحث الشرع معهم دور الإعلام والمبادرات المجتمعية في تعزيز الوعي العام وترسيخ المسؤولية الوطنية. وقالت الوكالة إن الشرع استمع خلال اللقاء إلى مداخلات الحضور ومقترحاتهم، مؤكداً أن المرحلة المقبلة تتطلّب "تكامل الجهود والعمل بروح الفريق الواحد بما يخدم المصلحة الوطنية ويعزز مسار الاستقرار والتنمية". وذكر الناشط عمر الفاضل الذي حضر اللقاء على صفحته في "فيسبوك" أن الاجتماع الذي استمر ثلاث ساعات اتسم "بالشفافية والصراحة والحرية الكاملة في التعبير عن المخاوف والتحديات"، مشيراً إلى أنه كان للمحافظات الشرقية: الحسكة ودير الزور والرقة، نصيب كبير من النقاش.
وقال الصحافي بشر كناكري إنه كان من المدعوين إلى مأدبة الإفطار والمشاركة في الحوار مع الرئيس الشرع، لافتاً إلى أنه تناول كل شيء تقريباً، من الوضع الإقليمي والدولي الراهن إلى القضايا الخدمية وإعادة الإعمار، مروراً بالملفات الأمنية والحريات السياسية والإعلامية والحوكمة والأداء الحكومي وصولاً إلى العدالة الانتقالية.
ولفت إلى أنه سأل الشرع عن المفاوضات الرامية إلى التوصل لاتفاق أمني مع إسرائيل، فقال إن الأخيرة ما زالت ترفض الانسحاب من بعض المناطق التي احتلتها بعد سقوط النظام السابق، مضيفاً: "نحن مصرون على انسحابها، وهذه هي النقطة العالقة في المفاوضات"، كما أشار إلى أن لدى الحكومة "خطة تنموية للمحافظات الجنوبية الثلاث، القنيطرة ودرعا والسويداء، تشمل مشاريع زراعية ومدناً صناعية وغيرها"، ولفت أيضاً إلى وجود "مشروع آخر لم تكتمل معالمه بعد"، لكنه "سيحل كل مشكلات الجنوب السوري"، وفق تعبير الشرع، في حال إتمامه.
اتهامات بمحاباة المقربين
وأثار اللقاء انتقادات عدة في أوساط الصحافيين السوريين والمشتغلين بالشأن العام، إذ إنّ قلّة من المدعوين الـ50 الذي تنوّعوا بين صحافيين وناشطين معروفين للرأي العام في سورية، وجرت دعوتهم لمجرد صلتهم بالقيادة التي كانت في إدلب قبل سقوط النظام، بحسب الصحافي السوري ثابت سالم.
وأضاف سالم، في حديث لـ"العربي الجديد"، أنه لا توجد معايير واضحة تستند اليها الإدارة في دمشق لتقييم الصحافيين، مثل السلم الوظيفي أو سنوات الخدمة. ومعظم المدعوين ليس لديهم أي نشاط مهني داخل سورية أو خارجها، والعامل الرئيسي الذي تعتمده الدولة كما يبدو هو أن يكونوا من المقربين من الإدارة التي كانت في إدلب قبل سقوط النظام، مع تجاهل مجموعة واسعة من الصحافيين ممن قضوا سنوات طويلة في المهنة، بمن فيهم من انشقوا عن إعلام النظام السابق وغادروا البلاد في وقت مبكر.
وحول ما إذا كان ذلك ناجماً عن سوء تقدير لدور الإعلام أم ضمن تخطيط مقصود، رأى سالم أن الإدارة الجديدة تتجاهل الحالة السابقة وتعمل على صنع إعلامها الخاص، حيث يعتبرون أنفسهم أصحاب الثورة وأصحاب الانتصار، وهو ما يعطيهم الحق بتشكيل الإعلام الذي يريدونه، لكنّه أكّد أن الثورة ما كانت لتنتصر لولا تراكم تضحيات ملايين السوريين، ودليل ذلك أن غالبية من قضوا أو أصيبوا أو تهدمت منازلهم وأملاكهم خلال السنوات الـ14 الماضية، لم يكونوا في ادلب ومحيطها، حيث كانت القيادة الحالية للدولة.
ودلّل سالم على صحة كلامه بالإشارة إلى عمليات العفو والتسويات التي تصدر عن الإدارة الجديدة تجاه من ارتكبوا جرائم وانتهاكات بحق المدنيين، لافتاً إلى عدم وجود شفافية في كل القرارات والخطوات الصادرة عن هذه الإدارة التي تمضي في إحكام سيطرتها على الإعلام ووضعه في خدمتها مع تجاهل المطالب بأن يكون الإعلام سلطة مستقلة عن أي توجهات حكومية.
من جانبه، قال الصحافي حسن عبد لله الخلف إن ما يثير الانتباه ليس الحدث بحد ذاته، بل طبيعة الاختيار ومنطق التمثيل الذي يحكم هذه اللقاءات، وقال، في حديث لـ"العربي الجديد"، إن المشهد يتكرّر مع وجوه بعينها، معظمها من ناشطين عملوا في سياق إعلامي محدّد في الشمال السوري، و"كان أكبر إنجاز عندهم كتابة خبر عن قائد الفصيل، من دون أساسيات الخبر الصحافي، وبعد سقوط الطاغية تحول حضورهم الدائم إلى قاعدة شبه ثابتة"، متسائلاً أين المعايير، وعلى أي أساس توجّه الدعوات؟ مؤكداً أن الإعلام "ليس منصة ترويج ولا وظيفة احتفالية تمنح مقابل القرب، بل مساحة مساءلة ومحاسبة ونقاش نقدي".
ولفت إلى غياب التمثيل النسائي في اللقاء حيث لم تحضر سوى سيدة واحدة من بين أكثر من 50 مشاركاً، معتبراً أن "الثورة لم تكن فعلاً ذكورياً، والمرأة دفعت ثمن الاعتقال والتهجير والقصف والقتل، وكانت في قلب الحراك الاجتماعي والسياسي، وإقصاؤها من هذه المنصات ليس تفصيلاً، بل خلل في البنية الذهنية التي تحدّد من يُسمع صوته ومن يهمّش".
علماً أن السيدة الوحيدة التي حضرت اللقاء هي الناشطة وصال النافع، المتحدرة من محافظة الرقة، والتي عملت لسنوات في أنشطة مختلفة خلال الثورة السورية في محافظتها، وكرّست جهودها بعد سقوط النظام لنقل الواقع الخدمي والأمني الصعب الذي تعيشه الرقة ومعاناة الأهالي.
انتقادات لغياب المعايير
وأشار خلف إلى تكرار استخدام عنوان ممثلين عن المجتمع المدني من دون توضيح طبيعة دورهم أو دور منظماتهم، مضيفاً: "إذا كان المجتمع المدني حاضراً، فليذكر اسمه، مؤسساته، وبرامجه، لا أن يبقى توصيفاً فضفاضاً يمنح لأشخاص دون بنية تنظيمية واضحة".
وتساءل: "من ينظم هذه اللقاءات؟ ومن يحدد قائمة المدعوين؟"، وتابع: "بعد أكثر من خمسة عشر شهراً، لا نرى مساراً مؤسسياً يفتح حواراً مع الروائيين، الكتّاب، رؤساء تحرير المنصات الإعلامية العاملة داخل البلاد، أو من يديرون مواقع وصحفاً مؤثرة".
وأضاف: "أين اللقاء مع رابطة الصحافيين السوريين؟ أين التواصل مع رابطة الكتاب السوريين في الداخل والخارج؟ أين الاستماع إلى المنظرين والمفكرين الذين ساهموا في صياغة خطاب الثورة وتحليل مساراتها؟ لماذا لم يفتح حوار علني مع أسماء معروفة في المجال الثقافي والإعلامي مثل شخصيات أكاديمية وروائية وإعلامية كان لها حضور فكري وسياسي طويل؟ وفي المقابل، يلاحظ انفتاح أكبر على دوائر قريبة من الخطاب الرسمي أو على من ينسجم معه، وكأن مساحة الحوار تصمّم لتسمع ما يريح السلطة لا ما يختبرها، وهو ما يعكس ضيق أفق في إدارة العلاقة مع الحقل العام".
ورأى أن المسألة ليست معركة أسماء ولا تصفية حسابات، بل سؤال جوهري حول الشفافية والتمثيل والمعايير، وقال: "السلطة التي ترغب في بناء شرعية مستقرة تحتاج إلى توسيع دائرة النقاش، إشراك المختلف، والاستماع إلى النقد، لا الاكتفاء بمنصة احتفالية تُصنع فيها الصورة أكثر مما يُدار فيها الحوار".
واعتبر أنه "دون آلية واضحة ومعلنة لاختيار المشاركين، ستظل هذه اللقاءات أقرب إلى عرض إعلامي موجه، لا إلى حوار حقيقي مع المجتمع بكل تنوعه"، وأقرب إلى ذراع دعائية مرتبطة بالسلطة أكثر من كونها مساحة إعلامية مستقلة.
