عربي
على الأرجح، لم يكن مقتل المرشد الأعلى في إيران، علي خامنئي، السبت الماضي، مفاجئاً بالنظر إلى التفوّق الاستخباري والتكنولوجي الساحق للولايات المتحدة وإسرائيل، والضعف الذي أصبح عليه النظام الإيراني بعد سقوط نظام بشّار الأسد في سورية، وانتكاسة حليفه حزب الله اللبناني في حرب إسناد غزّة، وانفراط عقد محور الممانعة الذي كان يمتدّ من إيران إلى سورية ولبنان وقطاع غزّة.
يطرح مقتل خامنئي أسئلة بشأن مستقبل النظام الإيراني، في ظلّ الأوراق التي خسرها منذ بدأت كرة الثلج التي شكّلها "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 تتدحرج، في زلزال جيوسياسي ما فتئ ينذر بتغيير شامل في خرائط القوة والهيمنة والنفوذ في الشرق الأوسط.
لم يكن خامنئي يجسّد قمة هرم السلطة فقط في إيران، بل كان أيضاً مرجعية دينية ومذهبية وسياسية مركزية، تحيل على النواة الصلبة لنظام ظلّ يشكّل (أكثر من أربعة عقود) رقماً رئيساً في توازنات الإقليم. ولا ريب أن مقتله بمعيّة عشرات القيادات السياسية والأمنية والعسكرية يُعدّ ضربةً موجعةً لنظام الجمهورية الإسلامية. لكنّه، في الوقت نفسه، قد يتحوّل إلى مورد تعبئة داخل نظام عقائدي في غاية التعقيد؛ نظام يستند، من جهة، إلى منظومة مؤسّسية يتصدّرها الحرس الثوري الإيراني بثقله كلّه، العسكري والأمني والسياسي، ومن جهة أخرى يستند إلى قاعدة اجتماعية لا يستهان بها، وإن كان هناك بالطبع طيف عريض داخل المجتمع الإيراني تراهن عليه المعارضة، التي يبدو أن انقسامها وضعفها لا يجعلان منها بديلاً جاهزاً أو مرجّحاً بالنسبة إلى الإدارة الأميركية، على الأقل حالياً.
ويبقى عامل الطاقة حاسماً في رسم مسار الحرب الحالية ومآلاتها المحتملة، خصوصاً مع الارتفاع الذي سجّلته أسعار النفط منذ الثلاثاء الماضي، بعد استهداف طهران ناقلات نفط ومنشآت نفطية في بلدان الخليج العربي. وعليه، يصعب التكهّن بما يمكن أن تؤول إليه الحرب، في ظلّ تعقيداتها وحساباتها الجيوسياسية، وخلط الأوراق غير المجدي الناجم عن استهداف إيران بلدان الخليج العربي، من دون إغفال تبعات ذلك كلّه على الداخل الإيراني الذي يشهد حالةً من الترقّب مع استمرار العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية.
في هذا الصدد، وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة وإسرائيل متفقتان على أن النظام الإيراني يشكّل تهديداً لمصالحهما في الإقليم، وبالأخصّ في ما يتعلّق بتطلّعه إلى امتلاك السلاح النووي، إلا أن سقوطه وتفكيك بنيته وتدمير قدراته تبقى أهدافاً استراتيجية بالنسبة إلى إسرائيل، التي ترى في طموحاته تهديداً وجودياً لها، على عكس الولايات المتحدة التي، على ما يبدو، لا مانع لديها من الاكتفاء بإضعافه وتحجيم سياساته وأدواره في الإقليم، مع إمكانية التفاوض مع أحد أجنحته المعتدلة على إعادة رسم حدوده السياسية والمذهبية وتحالفاته الإقليمية، ولا سيّما مع ضعف المعارضة وافتقادها مشروعاً واضحاً لقيادة عملية تحوّل ديمقراطي من دون تكاليف كبيرة. هذا إضافة إلى أن الإدارة الأميركية حريصةٌ على تجنّب تكرار سيناريو تدخّلها في أفغانستان والعراق. وبالتالي، فتغيير النظام ليس في سلّم أولوياتها ما لم تأتِ الأيام المقبلة بجديد قد يغيّر المشهد برمّته.
اتساع رقعة المواجهة وتحوّلها إلى حرب إقليمية واسعة، سيفضيان إلى ارتفاع تكلفتها، ما قد يدفع واشنطن إلى إعادة تقييم الوضع، الأمر الذي يصبّ في مصلحة دولة الاحتلال، التي تشكل هذه المواجهة بالنسبة إليها فرصةً تاريخيةً قد لا تتكرّر لرسم معالم هيمنتها على الشرق الأوسط وتكريسها عقوداً مقبلة.
يعدّ مقتل المرشد الإيراني نقطة تحوّل نوعية في مسار المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، غير أن ذلك يبقى مشروطاً بتوازنات الداخل الإيراني، ومدى قدرة نظام الملالي، بمختلف أجنحته، على تخطّي صدمة اغتيال علي خامنئي وانكشاف جزء غير يسير من مقدراته العسكرية، وأيضاً بمدى قدرته على تجنّب اندلاع انتفاضة شعبية واسعة قد تقلب الموازين رأساً على عقب، وهو ما تترقّبه إسرائيل والولايات المتحدة بفارغ الصبر.
