إسرائيل جبهة ثانوية في حرب إيران
عربي
منذ 5 أيام
مشاركة
تعيش إسرائيل حالة من النشوة لا يمكن عدم ملاحظتها، بعد نجاحها في جرّ المنطقة إلى تصعيد، هي المستفيد الأول منه، والأقل تضرراً مقارنة بدول أخرى، بتنفيذها عدوان على إيران، وجرها الولايات المتحدة إليه، رغم محاولات الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفي ذلك بأشكال مختلفة، وإظهار أنه هو من يدير الحرب، وليس رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. لكن تصريح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، السبت الماضي، والذي أشار إلى علم أميركي بوجود تحرك إسرائيلي ضد إيران "سيؤدي إلى هجوم على القوات الأميركية" يدينه، لأنه يعني عملياً انجرار بلاده خلف تل أبيب، فضلاً عن تقارير وسائل إعلام أميركية ذكرت أن إدارة ترامب لا تزال تبحث عن مبررات لتفسير مشاركتها إسرائيل في العدوان. تضاف إلى ذلك إشارات أخرى، منها لحاق الولايات المتحدة بإسرائيل في الحديث عن خطر الصواريخ الباليستية الإيرانية ووجوب تدميرها، بعد أن كان المسؤولون الأميركيون يركّزون حديثهم في الملف الإيراني حول البرنامج النووي في الأساس. تعويل على نفاد صبر دول الخليج بات واضحاً أن إسرائيل تمنّي النفس بنفاد صبر دول الخليج إزاء الهجمات الإيرانية التي تطاولها، والمشاركة في شن هجمات على إيران، وهو ما يتمناه نتنياهو على المستوى الشخصي أيضاً، لمصالح ورسائل داخلية وانتخابية وسياسية، وكذلك إقليمية واستراتيجية. وتروّج لذلك وسائل إعلام عبرية، إذ تارة تدّعي أنّ السعودية والإمارات تخططان للمشاركة في القتال، وطوراً تزعم شن قطر هجمات ضد إيران، وهو ما نفته الدوحة. وكتب المتحدث باسم الخارجية القطرية ماجد الأنصاري، على منصة إكس، أول من أمس الثلاثاء، أنّ "دولة قطر لم تشارك في الحرب على إيران، إنما تمارس الحق المشروع في الدفاع عن النفس وردع العدوان الإيراني على أراضيها.  لا يمكن لنتنياهو أو ترامب أن يكونا قد فوجئا بتوجيه إيران ضرباتها إلى دول الخليج بحجة وجود قواعد أميركية فيها ولا يمكن لنتنياهو أو ترامب أن يكونا قد فوجئا بتوجيه إيران ضرباتها إلى دول الخليج بحجة وجود قواعد أميركية فيها، أو كما زعم ترامب بأن هذه الضربات "كانت المفاجأة الكبرى"، ذلك أن بعض تلك الدول حثته على منع التصعيد، وحذّرته على الأرجح من سيناريوهات شبيهة بما يحدث اليوم. لكنّ ترامب آثر مصلحة إسرائيل، ومن غير المستبعد أنه ونتنياهو ناقشا هذا الاحتمال ويعيان عواقبه. وربما خططا لدفع هذه الدول ودول أوروبية نحو الانخراط في الحرب بحكم الأمر الواقع. وعقب تفجر الحرب، وجدت الدول الخليجية نفسها تحت قصف مكثّف، في الوقت الذي استعدت فيه إسرائيل والولايات المتحدة مطوّلاً للعدوان، واتخذت فيه الأولى إجراءات دفاعية متقدّمة، فضلاً عن القدرات الهجومية، مستفيدةً من دروس عدوان يونيو/ حزيران الماضي، ومن الخطوات التي اتّخذتها واشنطن حماية لها، واستقدام حاملات طائراتها إلى المنطقة، وتزويدها بمزيد من الذخائر. صواريخ أقل باتجاه إسرائيل والمفارقة أنّ الجهة التي بدأت العدوان وأشعلت المنطقة، وأغرقت العالم في صراع على المواقف السياسية والدبلوماسية وتبادل الاتهامات، وفي تداعيات اقتصادية، تجد نفسها تحت هجمات صاروخية، أقل بكثير من تلك التي تستهدف جيران إيران. وحتى إن جرى التسليم بصحة التقديرات الإسرائيلية بأنّ سبب قلة الصواريخ نحو إسرائيل مقارنة بمواجهة يونيو تعود إلى تدمير عدد كبير من الصواريخ ومنصات إطلاقها، فإنّ هناك سبباً مركزياً آخر، هو توزيع إيران ضرباتها ضد دول عدة، في حين ركّزتها في المرة الماضية نحو إسرائيل وحدها، إذ تبدو الأخيرة هذه المرة ساحة ثانوية لا رئيسية للضربات. أطلقت طهران نحو 500 صاروخ ونحو ألفي طائرة مسيّرة باتجاه الدول العربية، مقابل نحو 200 صاروخ و100 مُسيّرة فقط باتجاه إسرائيل وبلغة الأرقام، وبحسب معطيات صادرة عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، فإنه خلال الأيام الأربعة الأولى من الحرب أطلقت طهران نحو 500 صاروخ ونحو ألفي طائرة مسيّرة باتجاه الدول العربية، مقابل نحو 200 صاروخ و100 مُسيّرة فقط باتجاه إسرائيل. وسواء أرادت إيران ذلك أم لا، فإنها تخدم إسرائيل، التي لطالما حاولت إقناع دول المنطقة، بأنها ليست عدوّتها، وإنما إيران هي "رأس الأفعى" والخطر الذي يهدد المنطقة. كما تضعف طهران بذلك العلاقات الخليجية الإيرانية، التي شهدت تحسناً في السنوات الأخيرة، سواء مع السعودية أو دول أخرى تربطها معها علاقات جيدة أصلاً، وتوسطت أحياناً من أجل مصلحة المنطقة ودرء العدوان عن طهران، وكان متوقّعاً أن تستمر في عملية التعافي والترميم. وفي المقابل، يعوّل نتنياهو على أن يقود العدوان إلى تطبيع العلاقات مع السعودية ودول أخرى، بحسب تصريحات له في الآونة الأخيرة، وهو القائل في لقاء صحافي أخيراً إن السلام بين السعودية وإسرائيل "سيكون ممكناً بفضل الإجراءات ضد إيران" من دون أن يفسر ذلك. لكن، حتماً سيكون من دواعي سروره انضمام الرياض وغيرها لحربه ضد طهران، ما سيمنحه ورقة إضافية للترويج للسلام القائم على القوة بمفهومه، وللمحور الذي يسعى لبنائه في المنطقة مع الدول "المعتدلة"، بحسب تعبيره. وربما يطمح بذلك أيضاً إلى تحقيق مبتغى آخر بدخول دول جديدة على خط التطبيع، من دون أي علاقة بالقضية الفلسطينية التي يواظب على تحييدها، على غرار ما فعلته دولة الاحتلال في اتفاقيات التطبيع المعروفة باسم "اتفاقيات أبراهام" مع دول عربية. وإذا كانت إسرائيل قد تحوّلت إلى جبهة ثانوية، من حيث الضربات الإيرانية، وتعيش إلى حد كبير حياتها بشكل اعتيادي، باستثناء جري المستوطنين هنا وهناك إلى الملاجئ، وبعض الإجراءات الاحترازية، والثمن القليل نسبياً الذي تدفعه بتدمير المباني والأصول وعدد القتلى وغير ذلك، فإنها تمكّنت في الوقت ذاته من تحويل أنظار العالم عن الحاصل في قطاع غزة، حيث تواصل تصعيدها ضد المدنيين، من قصف ونسف ومحاولات تهجير. استدراج جبهات أخرى من جهة أخرى، نجحت إسرائيل في استدراج حزب الله اللبناني لمواجهة ضدها، وهو ما أرادته بالضبط، لنسف ما تبقى من اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، والذي لم تحترمه أصلاً وواصلت انتهاكه منذ اليوم الأول لتوقيعه. ومع وقوع الحزب في "الكمين"، كما وصفه قائد المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي رافي ميلو، أمس الأربعاء، سيكون كل لبنان مباحاً. كما يبدو أنّ إسرائيل تضمر شيئاً لسورية، بزعم أنّ الأخيرة خالفت التفاهمات معها بإرسالها قواتها إلى إحدى المناطق. وفي السادس من يناير/ كانون الثاني الماضي، أُعلن عن تشكيل آلية اتصال بين سورية وإسرائيل بإشراف أميركي، لتنسيق تبادل المعلومات وخفض التصعيد العسكري والانخراط الدبلوماسي والفرص التجارية. ونقل موقع والا العبري، أول من أمس الثلاثاء، عن مصادر لم يسمها، أنّ القوات السورية "تنقل أسلحة وجنوداً إلى منطقة التلال في هضبة الجولان السورية"، ما اعتبرته المصادر "يتناقض تماماً الاتفاقيات المبرمة مع إسرائيل، ويُمثّل انتهاكاً صارخاً للتفاهمات الأمنية في المنطقة الحساسة قرب الحدود الشمالية لإسرائيل". وفي الوقت الذي تتعرض فيه المنطقة إلى "هزات ارتدادية"، من جراء العدوان الإسرائيلي- الأميركي على إيران، تعمّق إسرائيل هيمنتها بمختلف الأشكال، منها عسكرياً، وهي التي حققت تفوقاً جوياً في الطريق إلى إيران، وحتى إنها عززته في أجواء طهران خلال العدوان الحالي. يضعها كل ذلك في منزلة متوفقة في الشرق الأوسط وفق حسابات كثيرة، ويفتح لها آفاقاً لشراكات دولية، استراتيجية وأمنية ودفاعية واقتصادية، تتجاوز المنطقة، على غرار اتفاقياتها الأخيرة مع الهند. وفي ذلك تعزيز أكبر لهيمنتها وتأثيرها، وتغذيتها لصراعات دولية كثيرة بما يخدم مصالحها. وسيؤكد العدوان مجدداً أنها حليفة أميركا الأساسية مهما كثرت الصداقات، وأنهما معاً يمكنهما القيام بأمور "رائعة"؛ العبارة التي يكررها ترامب. في النهاية، قد يجلس نتنياهو بعد انتهاء العدوان الحالي، الذي سيستمر أثره حتى بعد وضع الحرب أوزارها، متباهياً بما حققه "لمصلحة المنطقة والعالم"، إذ يزعم بأن حربه تنفع الجميع وتحد من "الإرهاب". وبعد أن يكون قد غسل "عار" السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 أمام الإسرائيليين، سيجد الطريقة ليتفاخر داخلياً بطريقة ما بأن نهجه جعل "دولته الصغيرة" تقود حليفتها الكبيرة وتتفوق عليها في بعض الأمور، وأن إسرائيل التي بدأت العدوان حققت مصالحها أو الكثير منها، وفي الوقت ذاته، خرجت سالمة مقارنة بغيرها من دول المنطقة، رغم خوضها حرباً متعددة الجبهات. سينتشي "ملك إسرائيل" كما يوصف أحياناً، ويمضي نحو وجهته القادمة، حربه ضد من يصفهم بـ"المحور السنّي المتطرّف"، أو "محور الإخوان المسلمين". كيف لا وهو "منقذ إسرائيل"، أو كما وصفته وزيرة حماية البيئة عيديت سيلمان، في ظل العدوان على إيران، بأنه "مردخاي اليهودي في أيامنا"، في قصة مقتبسة من سفر إستير (العهد القديم)، وفي إشارة إلى أنه مُرسل من عند الله لإنقاذ اليهود وحمايتهم. أو كما ذهب أحد الصحافيين الإسرائيليين اليمينيين لوصف العدوان بأنه "زئير نتنياهو" بدلاً من "زئير الأسد" وفق التسمية الإسرائيلية، ذلك أنه نجح في جر ترامب إلى حرب لطالما رغبت فيها إسرائيل بشدّة، لضرب إيران والعلاقات بينها وبين الدول العربية.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية