عربي
أحال مجلس النواب الأردني، اليوم الأربعاء، مشروع القانون المعدّل لقانون الضمان الاجتماعي لسنة 2026 إلى لجنة العمل النيابية، تمهيداً لمناقشته، وذلك بعد جلسة شهدت توتراً واحتجاجات نيابية داخل القبة، على خلفية اعتراض عدد من النواب على آلية إدارة النقاش. وجاء قرار الإحالة بعد طرح رئيس المجلس مازن القاضي للتصويت على مقترح تقدّم به رئيس كتلة حزب جبهة العمل الإسلامي النيابية صالح العرموطي يقضي بردّ المشروع، إلا أن المقترح لم يحظَ بالأغلبية. وعلى إثر ذلك صوّت المجلس على إحالة مشروع القانون إلى لجنة العمل النيابية، حيث أُقر القرار، قبل أن يعلن القاضي رفع الجلسة، ما أثار حفيظة عدد من النواب الذين طالبوا باستكمال النقاش تحت القبة.
وكانت الجلسة قد شهدت توتراً قبيل رفعها، إثر اعتراض عدد من النواب على عدم إتاحة المجال لمناقشة المشروع بشكل فردي خلال القراءة الأولى، بعدما قرر رئيس المجلس حصر الكلمات برؤساء الكتل النيابية، رغم تعهده بمنح الحديث لاحقاً لمن يطلب من النواب. وأكد القاضي أن لجنة العمل النيابية ستناقش المشروع ضمن حوار وطني موسّع يشمل النقابات العمالية والمهنية، والأحزاب السياسية، ومؤسسات المجتمع المدني، إلى جانب الاقتصاديين والخبراء وممثلي غرف التجارة والصناعة وأصحاب العمل، بهدف الاستماع إلى مختلف وجهات النظر دون استثناء.
من جانبه، قال رئيس الوزراء جعفر حسان إن الحكومة أدخلت تعديلات على مسودة المشروع بما يضمن عدم المساس بأي مستحق للتقاعد المبكر أو الوجوبي أو الاختياري خلال السنوات الأربع المقبلة. وأوضح أن تطبيق التعديلات سيبدأ اعتباراً من عام 2030 بشكل متدرج وعلى مدى عشر سنوات لاحقة، وصولاً إلى عام 2040 بالنسبة للتقاعد الوجوبي للذكور والإناث، ما يعني أن الأثر الكامل للتعديلات لن يظهر قبل 14 عاماً من نفاذ القانون في حال إقراره هذا العام. أما فيما يتعلق بالتقاعد المبكر والاختياري، فأشار حسان إلى أن تطبيق التعديلات سيبدأ بعد عام 2030 تدريجياً حتى عام 2047 للذكور و2041 للإناث، مع الإبقاء على فارق الخمس سنوات، أو 60 اشتراكاً، بين الرجل والمرأة كما هو معمول به حالياً.
في المقابل، حذّر النائب أحمد هميسات، في كلمة ألقاها باسم كتلة "مبادرة"، من إقرار المشروع من دون إدخال تعديلات جوهرية عليه، معتبراً أنه يمس الغالبية الساحقة من الأردنيين. وأشار إلى أن الحرص على استدامة أموال الضمان لا يلغي المخاوف من انعكاسات التعديلات، خصوصاً في ظل تراجع فرص العمل. وتساءل هميسات عن دور عوائد الاستثمار في تغطية التزامات المؤسسة، داعياً إلى محاسبة من أدار أموال المشتركين بغير وجه حق. واعتبر أن التعديلات الحكومية التي أُدخلت على المسودة لا تتجاوز كونها "عملية تجميلية"، مطالباً بإعادة صياغة شاملة تضمن صون حقوق المشتركين، وإلغاء نسبة الخصم المقترحة البالغة 4%، واعتماد التدرج في رفع سن التقاعد بواقع ثلاثة أشهر سنوياً ليصل إلى 62 عاماً للرجال و57 عاماً للنساء.
بدوره، انتقد رئيس كتلة الأحزاب الوسطية (الاتحاد والإصلاح) زهير الخشمان السياسات المتبعة في تعديل القانون، محذراً من أن "الفساد الإداري" أشد فتكاً من الفساد المالي. ودعا إلى إخضاع أي تعديل لثلاثة اختبارات أساسية هي العدالة والاستدامة والقابلية للتطبيق، رافضاً نسبة الخصم المقترحة، ومطالباً بتثبيتها عند 2%، وخفض الاشتراكات المطلوبة للتقاعد المبكر إلى 300 بدلاً من 360، مع تثبيت الحق الوجوبي بالتقاعد عند سن 60 دون عقوبات.
من جهته، شدد رئيس كتلة حزب "عزم" النيابية النائب وليد المصري على أن المجلس يقف أمام مسؤولية وطنية وتاريخية، داعياً إلى تعزيز الرقابة والمساءلة، وتوسيع قاعدة المشتركين عبر محاربة التهرب التأميني، وتعظيم عوائد الاستثمارات وتقليل المخاطر. كما حذّر رئيس كتلة "الميثاق" النيابية النائب إبراهيم الطراونة من "تغوّل" حكومات سابقة على المؤسسة، مشيراً إلى أن الصندوق يقترب من نقطة تعادل خطيرة عام 2030. وأعلن دعم كتلته لتعزيز الحوكمة وتحصين منصب المحافظ لضمان استقلالية المؤسسة، مع رفض رفع نسبة الخصم إلى 4% للتقاعد المبكر سنوياً، مطالباً بإعادتها إلى 2%، إضافة إلى مراجعة الرواتب المرتفعة، والتحذير من التوسع المبالغ فيه في استثمار أموال الضمان، التي تقارب 18.6 مليار دينار، في السندات الحكومية بما يتجاوز النسب العالمية.
في المقابل، تمسّكت كتلة حزب جبهة العمل الإسلامي بمطلب ردّ المشروع. وقال رئيسها صالح العرموطي إن طرح القانون في ظل الظروف الإقليمية الراهنة "غاية في التعقيد" وليس من الحكمة، داعياً الحكومة إلى سحبه، ومؤكداً رفضه استناداً إلى المادتين 91 و92 من الدستور، ومستشهداً بالمادة 128 التي تحظر المساس بجوهر الحقوق المكتسبة. ودعا العرموطي إلى الاستماع للرأي العام وإجراء استفتاء حول المشروع، معتبراً أن بناء الدولة يقوم على احترام عقل المواطن وحريته، ومتسائلاً عما إذا كانت الحكومة قد راعت ذلك في طرحها للتعديلات. كما طالب بعدم المساس بقانون الضمان الاجتماعي بصيغته الحالية باعتباره خطاً أحمر لا يجوز الاقتراب منه، داعياً الحكومة العاجزة عن تأمين لقمة المواطن والعيش الكريم له إلى المغادرة.
وكان مجلس النواب الأردني قد بدأ مناقشة مشروع القانون المعدّل لقانون الضمان الاجتماعي في خطوة جاءت بعد جدل واسع رافق إقراره الأول من قبل الحكومة، قبل أن تعيد الأخيرة النظر في عدد من مواده المثيرة للانتقاد، وتدخل تعديلات هدفت إلى معالجة النقاط التي أثارت اعتراضات في الشارع الأردني.
ويتوقع مراقبون أن تشهد جلسات المجلس نقاشات حادة قد تكون من الأكثر سخونة منذ انتخاب المجلس قبل نحو عامين، خصوصاً في ظل تمسك الحكومة بضرورة الإسراع في إقرار التعديلات التي تقول إنها تهدف إلى تعزيز الاستدامة المالية لمؤسسة الضمان الاجتماعي وتمكينها من الوفاء بالتزاماتها التقاعدية والاجتماعية تجاه أعداد كبيرة من الأردنيين والأجانب العاملين في المملكة والمشتركين في الضمان. ومن أبرز النقاط التي أثارت الانتقادات في مشروع القانون المعدّل رفع سن تقاعد الشيخوخة تدريجياً بمقدار خمس سنوات ليصل إلى 65 عاماً للرجال و60 عاماً للنساء، إضافة إلى إعادة احتساب التقاعد المبكر وتعديل نسب الاقتطاع من الراتب في حال التقاعد قبل بلوغ السن القانونية.
وكانت الحكومة الأردنية قد اتخذت خطوة استباقية لتخفيف حدة التوتر المرتبط بهذه التعديلات، عبر إدخال تعديلات إضافية على المشروع. ورأت فعاليات عمالية أن هذه المعالجات أسهمت في تقليل مستوى الاعتراضات التي كانت تتصاعد خلال الفترة الماضية. وفي هذا السياق، رحّب مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية، الذي يتبع له المرصد العمالي، بالتعديلات التي أعلن عنها رئيس الوزراء الثلاثاء الماضي على مشروع القانون المعدّل، خصوصاً ما يتعلق بتأجيل نفاذ بعض التعديلات واعتماد تطبيق تدريجي طويل الأمد يبدأ اعتباراً من عام 2030.
واعتبر المركز أن هذا التدرج من شأنه الحفاظ على الحقوق المكتسبة لقطاعات واسعة من مشتركي الضمان الاجتماعي، وتقليص عدد المتضررين من المشتركين الحاليين، إضافة إلى تخفيف الآثار السلبية المحتملة. كما رأى أن اعتماد التطبيق التدريجي يسهم في تجنب إحداث صدمة تشريعية قد تربك منظومة الضمان الاجتماعي بوصفها مكوناً أساسياً في منظومة الحماية الاجتماعية وتؤثر سلباً على مستوى الثقة في حاضرها ومستقبلها. في المقابل، أعلن عدد من النواب، إلى جانب كتلة الإصلاح النيابية التي تمثل التيار الإسلامي في مجلس النواب، رفضهم المبكر للتعديلات المقترحة على القانون، مؤكدين أنهم سيعملون خلال المناقشات البرلمانية على إعادة النظر في عدد من مواده عند طرحه تحت القبة.
