عربي
مع اتساع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران وبلوغها ذروة غير مسبوقة باغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، وجدت أوروبا نفسها أمام أزمة تكشف عمق انقسامها وحدود نفوذها. فالقارة التي لا تُخفي عداءها السياسي لنظام طهران، بدوافع أيديولوجية وأطلسية وتبنٍّ جزئي للسردية الإسرائيلية حول "التهديد الإيراني"، عجزت عن بلورة موقف موحّد من حرب تقودها واشنطن خارج الأطر الدولية التقليدية. وفي العلن، تؤكد دول عدة في ظل الحرب الحالية، "حق إسرائيل في الدفاع عن النفس"، مع تحميل طهران مسؤولية التصعيد.
تقف ألمانيا وجمهورية التشيك ضمن هذا الخط الداعم سياسياً، وإن مع تحذيرات من اتساع الحرب. في المقابل، برزت أصوات أكثر انتقاداً للنهج الأميركي. فقد اعتبر رئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستوره أن الهجمات وتمدّدها إلى جوار إيران "لا تتوافق مع القانون الدولي"، في إشارة إلى غياب تفويض أممي أو تهديد وشيك. كما رفض رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، "العمل العسكري الأحادي". ودار سجال مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن استخدام القواعد الإسبانية لدعم العمليات؛ إذ شددت مدريد على خضوع أي استخدام للقانون الدولي وأطر الدفاع الجماعي، لا لعملية منفردة.
حاولت فرنسا التموضع في الوسط: دعم أمن إسرائيل مع الدعوة إلى بحث أي تدخل في المنتديات متعددة الأطراف
أما فرنسا فحاولت التموضع في الوسط: دعم أمن إسرائيل مع الدعوة إلى بحث أي تدخل في المنتديات متعددة الأطراف كالأمم المتحدة. وأكد وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، أن المسار الجماعي كان الأجدر قبل الانخراط في حرب مفتوحة، بالتوازي مع تعزيز الانتشار العسكري الفرنسي في المتوسط، في محاولة للتوفيق بين الشراكة الأطلسية واحترام الشرعية الدولية.
تبني السردية الإسرائيلية في أوروبا
في المقابل، يبرز داخل أوروبا تيار سياسي واضح يتبنى بصورة شبه دائمة المقاربة الإسرائيلية تجاه إيران. ألمانيا تُعد المثال الأبرز، إذ تنطلق سياستها من مبدأ "أمن إسرائيل جزء من مصلحة الدولة الألمانية"، ما ينعكس في خطاب رسمي يؤكد حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها ويركز على خطر البرنامج النووي الإيراني ودعم طهران لقوى مسلحة في المنطقة. وتميل جمهورية التشيك بدورها إلى تبني سردية أمنية قريبة من الطرح الإسرائيلي، مع تشديد على أن إيران تمثل عامل زعزعة الاستقرار الإقليمي. أما المجر، بقيادة رئيس الوزراء القومي المحافظ فيكتور أوربان، فتتبنى خطاباً سياسياً متقارباً مع الحكومة الإسرائيلية وتُظهر دعماً واضحاً لمواقفها في المحافل الأوروبية.
إيطاليا من جهة أخرى، وإن كانت أكثر براغماتية في صياغة موقفها، تميل كذلك إلى دعم الخط العام الداعي إلى مواجهة "التهديد الإيراني" مع تأكيد الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة وإسرائيل. هذا التيار يمنح أولوية لاعتبارات الردع والأمن، ويرى في طهران مصدراً رئيسياً لعدم الاستقرار، حتى لو جاء ذلك على حساب المقاربات القانونية الصارمة التي تشدد عليها عواصم أوروبية أخرى.
خطاب حذر وتأثير محدود
في غضون ذلك، حذّر كل من فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة إيران، يوم الأحد الماضي، من مواصلة هجماتها الانتقامية على الدول العربية، مع إعلان استعدادها للتعاون مع الولايات المتحدة لاتخاذ إجراءات دفاعية ضرورية ومتوازنة لتقويض قدرة إيران على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة وحماية مصالحها وحلفائها. وخلال اجتماعات طارئة لوزراء الخارجية، عبر الإنترنت في اليوم نفسه، شدد الاتحاد الأوروبي على لسان مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد، كايا كالاس، على أهمية حماية الممرات المائية الحيوية مثل مضيق هرمز. ودعت إلى "خفض التصعيد وضبط النفس إلى أقصى حد"، من دون وصف حرب إيران بأنها غير شرعية، بل ركزت على أمن المواطنين الأوروبيين وتداعيات مقتل خامنئي.
الأوروبيون لا يريدون صداماً مباشراً مع واشنطن، في ظل اعتمادهم على المظلة الأمنية الأميركية في مواجهة روسيا
يعكس هذا الحذر بشأن الحرب في إيران معضلة أعمق: الأوروبيون لا يريدون صداماً مباشراً مع واشنطن، خصوصاً في ظل اعتمادهم على المظلة الأمنية الأميركية في مواجهة روسيا، ويأملون الحفاظ على دعم الولايات المتحدة لأوكرانيا وأمن أوروبا الشرقية، وهو السبب نفسه الذي حال دون معارضتهم اختطاف الجيش الأميركي، الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، مطلع يناير/كانون الثاني الماضي.
من جهة أخرى، تنظر دول أوروبا الشرقية، مثل بولندا ودول البلطيق، إلى حرب إيران من زاوية أولويتها الاستراتيجية: ردع روسيا والحفاظ على تماسك حلف شمال الأطلسي (ناتو). لذلك تميل إلى الاصطفاف السياسي مع واشنطن، حتى لو لم تكن لاعباً مباشراً في الملف الإيراني. في المقابل، تميل دول مثل إسبانيا وأيرلندا إلى خطاب قانوني– إنساني أكثر صرامة، فيما تتبنى إيطاليا وهولندا مقاربة براغماتية توازن بين دعم الحلفاء والتحذير من مخاطر الانفجار الإقليمي.
ثمن اتساع الحرب
بعيداً عن السجالات القانونية، تبدو أوروبا معرضة مباشرة لتداعيات حرب إيران. فقد ارتفعت أسعار النفط بنحو 8% وأسعار الغاز في أوروبا بنحو 20% في الأيام الأولى للتصعيد، وفق تقديرات خبراء اقتصاديين. ويرى باحثون أدلوا بآرائهم للصحف الأوروبية أن نزاعاً قصير الأمد سيزيد المخاطر الجيوسياسية في الأسواق، بينما قد يؤدي نزاع طويل إلى استنزاف المخزونات ورفع الأسعار بصورة أكبر.
هذا التطور يسلط الضوء على هشاشة التحول الأوروبي في مجال الطاقة، إذ لا تزال أوروبا تعتمد على أسواق عالمية متقلبة، وأي اضطراب في مضيق هرمز أو في طرق الشحن سيترجم سريعاً إلى ضغوط على ميزانيات الأسر الأوروبية. وإلى جانب الطاقة، يلوح احتمال موجة لجوء جديدة إذا طال أمد الحرب أو انهار الاستقرار الداخلي في إيران، ما يعيد إلى الواجهة أزمات الهجرة التي أثرت في السياسة الأوروبية خلال العقد الماضي.
قلق وحدود النفوذ
الحرب في إيران كشفت مجدداً حدود النفوذ الأوروبي في الأزمات الكبرى، إذ بدا القادة الأوروبيون أقرب إلى ردّة الفعل منهم إلى الفعل، يكتفون بالدعوة إلى التهدئة بينما تتخذ واشنطن قراراتها بصورة أحادية. الانقسام لا يتمثل في تأييد مطلق أو رفض مطلق، بل في درجات متفاوتة من الدعم والتحفظ، تحكمها اعتبارات الأمن الأطلسي والمصالح الاقتصادية وحسابات القانون الدولي.
في النهاية، تجد أوروبا نفسها أمام معادلة معقدة: لا رغبة لديها في حرب إقليمية واسعة، ولا استعداد لمواجهة سياسية مباشرة مع الولايات المتحدة. وبين هذين الحدّين، تتحرك العواصم الأوروبية بحذر، مدركة أن اشتعال الشرق الأوسط لن يبقى بعيداً، بل سيصل صداه سريعاً إلى أسواق الطاقة وأمنها الداخلي وتوازناتها الاستراتيجية في عالم يزداد اضطراباً.
