يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ خاص:
دخلت المنطقة منعطفاً عسكرياً هو الأخطر منذ عقود، مع إعلان الرئيس الأمريكي تدمير 11 سفينة وبارجة إيرانية في قواعدها خلال اليوم الثاني من المواجهات، في وقت تواصل فيه القوات الأمريكية والإسرائيلية عملياتها النوعية لليوم الرابع على التوالي.
ومع اتساع رقعة الصراع واستهداف طهران لدول الخليج العربي رداً على إخفاقاتها العسكرية في العمق الإسرائيلي، بدأت ملامح “تسونامي” سياسي واقتصادي تلوح في الأفق اليمني، حيث تضع الحرب الحالية جماعة الحوثي أمام اختبار وجودي، وتهدد سلاسل الإمداد الحيوية التي تعتمد عليها البلاد في تأمين غذائها ووقودها.

انحسار الظل الإيراني: تصدع شريان الدعم العسكري والمالي
تعد إيران الداعم الرئيسي والمحرك الأول لجماعة الحوثي في اليمن، حيث شكلت لسنوات “الرئة” التي تتنفس منها الجماعة عسكرياً عبر شبكات تهريب معقدة للأسلحة والمخدرات، وهي عمليات وثقتها تقارير خبراء مجلس الأمن والبيانات الرسمية العربية والدولية. ومع اشتعال الجبهة الداخلية الإيرانية وتعرض أصولها البحرية والعسكرية لضربات قاصمة، يتوقع مراقبون أن تضطر طهران لتقليص نفوذها الخارجي وتركيز مواردها المحدودة للدفاع عن بقاء النظام، مما يترك الحوثيين في حالة من “اليتم الاستراتيجي” بعد سنوات من الارتهان الكامل للقرار الإيراني.
على الصعيد المالي، تبرز المخاوف من توقف المنح النفطية التي تقدرها تقارير دولية بأكثر من 30 مليون دولار شهرياً، كانت تضخها طهران في خزائن الحوثيين لتمويل مجهودهم الحربي وبقائهم السياسي. إن فقدان هذا التدفق النقدي والنفطي، بالتزامن مع الحرب المفتوحة، سيؤدي حتماً إلى تجفيف منابع السيولة لدى الجماعة، خاصة في ظل العجز عن إيجاد بدائل فورية في بيئة دولية تراقب بصرامة مسارات التمويل المشبوهة المرتبطة بالحرس الثوري.
ولم يتوقف الارتهان الحوثي عند السلاح والمال، بل امتد لقطاع الطاقة المنزلي، فمنذ عام 2022، حظر الحوثيون الغاز المحلي القادم من مأرب في المناطق الخاضعة لسيطرتهم، واستعاضوا عنه بالغاز الإيراني المستورد لتعزيز الموارد المالية لجيوب قياداتهم.
واليوم، مع شلل الموانئ الإيرانية واستهداف قطعها البحرية، يواجه المواطن اليمني في مناطق سيطرة الجماعة أزمة طاقة خانقة تلوح في الأفق، حيث من المتوقع توقف هذه الإمدادات تماماً، مما سيخلق فجوة كبيرة في السوق المحلية يعجز الحوثيون عن سدها في ظل سياساتهم الإقصائية للموارد الوطنية.
- الحوثيون أمام لحظة الحسم: الانخراط في حرب إيران ضد الولايات المتحدة وإسرائيل أم التخلي عن طهران؟
- لماذا تلتزم شبكة الميليشيات الإقليمية “المبجلة” التابعة لطهران الصمت إلى حد كبير؟
تجارة اليمن في مهب “مضيق هرمز”
تمثل دولة الإمارات العربية المتحدة الركيزة الأساسية للاقتصاد اليمني الحديث، حيث تصدرت قائمة الشركاء التجاريين لليمن في عام 2024 بحجم تبادل يتجاوز المليار دولار، وهو ما يمثل أكثر من 20% من إجمالي الواردات اليمنية. ومع اندلاع الحرب وتزايد التهديدات بإغلاق مضيق هرمز أو تعطل الملاحة فيه، يواجه القطاع التجاري اليمني خطراً داهماً يهدد بقطع شريان الحياة الرئيسي، نظراً لاعتماد الأسواق اليمنية بشكل كلي على البضائع والسلع القادمة من الموانئ الإماراتية التي تسبق في أهميتها شركاء كباراً مثل السعودية (10%) والصين (8%).
ويظهر الاعتماد اليمني على السوق الخليجية بوضوح في قطاع الوقود، الذي يشكل العمود الفقري للواردات بنسبة 11.5% من إجمالي الفاتورة الاستيرادية؛ إذ تعتمد شبكات الاستيراد والتهريب المعقدة، حتى جماعة الحوثي التي تستفيد من الوقود الإيراني المهرب، على سوق الإمارات لتأمين احتياجات الديزل والمازوت والبنزين.
وبما أن الإمارات تعد مصدراً لـ 60% من هذه المشتقات وفقاً للتقارير الرسمية، فإن أي اضطراب في حركة السفن أو تأثر الموانئ الخليجية بالاستهداف الإيراني سيعني دخول اليمن في “ظلام دامس” وشلل تام لقطاعات النقل والصناعة.
بالنظر إلى الأرقام الكلية لعام 2024، نجد أن دول مجلس التعاون الخليجي تستحوذ على 71% من إجمالي واردات اليمن، بقيمة تصل إلى مئات المليارات من الريالات، حيث تأتي الإمارات والسعودية وعُمان في المراكز الأولى. إن هذا الارتباط العضوي يعني أن أي تصعيد عسكري يستهدف استقرار دول الخليج هو استهداف مباشر للأمن الغذائي والدوائي لليمن، حيث يمثل الغذاء وحده قرابة 29.37% من الواردات، مما يجعل اليمن الضحية الأولى لأي “مغامرة” إيرانية غير محسوبة في مياه الخليج.
عبء إضافي على كاهل المواطن
لم تنتظر الأسواق العالمية طويلاً للتفاعل مع أحداث الحرب، إذ بدأ القطاع الخاص اليمني يستشعر وطأة الصراع منذ الساعات الأولى؛ وفي هذا السياق، أكد أحد كبار رجال الأعمال اليمنيين أن “شركات شحن الحاويات رفعت قيمة التأمين على السفن المتجهة للموانئ اليمنية بشكل فوري وكبير خلال الأيام الثلاثة الماضية”.
وأوضح لـ”يمن مونيتور” أن الزيادة بلغت أكثر من 3000 دولار للحاوية الواحدة، وهو مبلغ ضخم سيتحمله المستهلك اليمني في نهاية المطاف، مما يؤدي إلى موجة غلاء فاحشة في بلد يعاني أصلاً من تدهور القوة الشرائية وانقسام المؤسسات المالية.
وقال رجل أعمال في صنعاء وآخر في عدن لـ”يمن مونيتور” إن الأسعار سترتفع حتى للمنتجات الموجودة في السوق إذا استمرت أزمة مضيق هرمز حتى مطلع الأسبوع الحالي. فيما ارتفعت بعض المنتجات بالفعل خاصة المرتبطة بالموسم الملابس والمكسرات.
وتحدثوا شريطة عدم الكشف عن هويتهم لأنهم غير مخولين بالحديث لوسائل الإعلام.
بالتوازي مع الضغوط الاقتصادية الخارجية، تتكشف هشاشة المشاريع التي حاول الحوثيون استنساخها من التجربة الإيرانية أو من “حزب الله” اللبناني. فبعد تعثر مذكرة التفاهم الموقعة في 2021 لإنشاء بورصة أوراق مالية في صنعاء، جاء الفشل الأكبر في محاولة نسخ تجربة “صندوق القرض الحسن” اللبناني؛ إذ توقفت هذه الطموحات تماماً بعد تدمير المقرات الرئيسية للصندوق في لبنان وهزيمة الحزب عسكرياً، مما أفقد الحوثيين نموذجاً كانوا يأملون من خلاله بناء نظام مالي موازٍ بعيداً عن الرقابة الدولية.
وتكشف إحصائيات التجارة الخارجية لعام 2024 عن حجم التحدي اللوجستي، حيث تتم أغلب الواردات اليمنية عبر البحر (أكثر من 1.5 مليون ريال من القيمة الإجمالية)، بينما يظل المنفذ البري عبر السعودية وعمان هو الممر الأهم للصادرات والواردات السلعية الأخرى. ومع ارتفاع تكاليف التأمين البحري وتزايد المخاطر العسكرية، تبرز الموانئ البرية مثل “الوديعة” و”شحن” كأطواق نجاة وحيدة، لكنها تظل غير كافية لتعويض النقص في إمدادات الغذاء والدواء والوقود التي لا يمكن نقلها بكفاءة إلا عبر الأساطيل البحرية التي باتت اليوم تحت رحمة نيران الحرب.
تضع الحرب الدائرة في إيران جماعة الحوثي في مأزق تاريخي، حيث تفقد حليفها ومزودها الأول في وقت تزداد فيه الضغوط الدولية. وبينما قد يؤدي انحسار الدعم العسكري الإيراني إلى إضعاف القدرات الهجومية للحركة، فإن الكلفة الاقتصادية على الشعب اليمني ستكون باهظة نتيجة الارتباط العميق بالأسواق الخليجية التي تحاول إيران استهدافها. إن استمرار هذا الصراع يعني بالضرورة إعادة رسم خارطة النفوذ في اليمن، وتوجيه ضربة قاضية للمشاريع المالية والسياسية التي حاولت طهران زرعها في الجسد اليمني.
The post من طهران إلى صنعاء.. كيف يضرب زلازل الحرب عصب الاقتصاد والسياسة في اليمن؟ appeared first on يمن مونيتور.