عربي
مرة جديدة وجد لبنانيون من الجنوب ومن الضاحية الجنوبية لبيروت، نزحوا إلى مراكز الإيواء في بيروت هرباً من القصف الإسرائيلي، أنفسهم بلا فرش ولا بطانيات ولا مياه ولا وجبات غذائية، باستثناء القليل
"شحار وتعتير"... كلمتان من العامية يمكن لأي لبناني أن يفهمهما. وحين تندرجان في سياق الحرب الإسرائيلية التي توسعت في لبنان مجدداً ليل الأحد الماضي، يصبح معناهما أكثر ثقلاً. لكنهما قد تكونان من الأنسب أو الأدق لوصف أحوال النازحين في مراكز الإيواء في لبنان. تعكس هاتان الكلمتان العجز والضيق وسوء الحال، وما أن تتجول في هذه المراكز لتتحدث إلى الناس، حتى تتحوّل إلى احتمال مُنقِذ فتنهال عليك الطلبات. "لم ننم الليلة من شدة البرد"، أو "نريد غرفة"، وتطول اللائحة. نتحدث عن عائلات خرجت من بيوتها خلال لحظات تحت وقع القصف من دون أن يتاح لها الوقت لتفكّر في ما قد تحتاجه أو يجب أن تحمله معها.
كميات محدودة
أمس الاثنين، كتب محافظ بعلبك الهرمل بشير خضر عبر منصة "اكس": "أدعو من يرغب بالنزوح اصطحاب الفرش والبطانيات والحاجات الأساسية إذا أمكن، الكميات الموجودة حالياً محدودة جداً". وبعيداً عن طمأنة غرفة إدرة الكوارث والأزمات في محافظة بيروت والهيئة العليا للإغاثة وغيرهما من المعنيين، وتشديدهما على العمل والحرص على تأمين احتياجات الناس في أقرب وقت، يبدو الواقع على الأرض قاسياً. فالاحتياجات حتى اللحظة كبيرة، حتى أنه يمكن اعتبار تصريح محافظ بعلبك من الأكثر وضوحاً. النازحون في مدرسة رأس النبع الأولى المختلطة في منطقة رأس النبع في بيروت يتحدثون عن انقطاع المياه، وإذا توفرت فلوقت قليل. لا مياه ساخنة، ولا مكان للاستحمام، ولا أدوات تنظيف أو تعقيم، ولا فرش ولا وسادات ولا بطانيات كافية. الكثير من الموجودين في الغرف عجزوا عن النوم جراء البرد. ولحسن حظهم أن الطقس خلال اليومين الماضيين كان دافئاً نسبياً، إلا أن البرودة تشتد كثيراً خلال الليل، ويزداد الأمر صعوبة مع انخفاض درجات الحرارة مجدداً.
غياب الأساسيات
يقول شادي، الذي يحضر إلى المدرسة للمساعدة، وقد رفض مغادرة الضاحية الجنوبية لبيروت، إن كثيرين في المدرسة ناموا على الأرض بسبب نقص الفرش والبطانيات، كما أن الوسادات غير متوفرة. يضاف هذا إلى النقص في كل الأساسيات الأخرى. ولم تُجلب لهم أي وجبات طعام، فاضطر الصائمون إلى تدبر أمورهم بشراء شطائر أو معلبات، وكل ما حصلوا عليه هو "مناقيش" (معجنات) عند السحور.
الحاجة زينب فواز التي كانت تجلس إلى جانب شادي وتطلب منه أن يصب لها القليل من القهوة، هربت مع زوجها وعائلة ابنتها من بلدة جويا في قضاء صور في جنوب لبنان، تقول إنهم جميعاً لم يتمكنوا من التفكير في ما يتوجب عليهم حمله معهم بعد تلقيهم اتصالاً بوجوب الإخلاء لأن البيت سيقصف خلال ساعة. "خرجنا بالثياب التي علينا والنعال"، تقول. تذكر أن نزوحهم الأول خلال الحرب الماضية كان أقل قسوة، وتضيف: "كل شيء كان مؤمناً في المدرسة التي نزحت إليها، حتى أدوات التدفئة وأدوات الطهي والغاز وأدوات التنظيف واحتياجات النساء من فوط صحية وغيرها، وكان عبء النزوح أخف بكثير"، وتتوقع أن عدم توفر الاحتياجات لا يزال مرتبطاً بفوضى وصعوبة أيام الحرب الأولى، وإن كانت لا تخفي خشيتها من أن يكون الواقع أكثر قساوة هذه المرة.
معقم بدلاً من المياه
نوال أيضاً اضطرت إلى الخروج مع والدتها من منطقة الشياح في الضاحية الجنوبية لبيروت لحظة بدء القصف ليل الأحد الماضي. لم يكن لديها خيارآخر نظراً لوضع والدتها المسنة، وإن كانت تفضل الموت في بيتها، بحسب ما تقول، بدلاً من تحمل ذلّ البرد. الغرفة التي وصلتا إليها تضم 14 شخصاً، وأعداد الفرش فيها بالكاد تكفي نصف العدد الموجود. المراحيض خالية من كل شيء. لا مياه ولا صابون، ناهيك عن حاجتها إلى الصيانة، خصوصاً إذا كنا نتحدث عن أعداد كبيرة من الناس تستخدم المرحاض نفسه طوال اليوم مرات عدة.
من الغرفة نفسها، خرجت محاسن، وهي أم لأربعة أطفال. لم تتمكن خلال هذه الحرب من استئجار منزل لعدم قدرة زوجها المالية، ما اضطرهم للجوء إلى المدرسة. تقول إنها اشترت معقماً لغسل اليدين في ظل عدم توفر المياه، لكن لا يمكن لهذا الحال أن يستمر طويلاً، كما أن الجميع بحاجة للاستحمام، والغرفة تحتاج للكنس والمسح. أما والدتها المسنة والتي كانت تكنس الأرض فتسأل: "هل يعقل أن أضطر إلى فعل ذلك في مثل عمري، في ظل عدم توفر أي شيء للناس لتتمكن من تنظيف غرفها؟".
على بعد أمتار من مدرسة رأس النبع، تداول النازحون أن ثانوية العاملية الواقعة في منطقة رأس النبع أيضاً، وهي مدرسة خاصة، عملت على تأمين جميع احتياجات النازحين. أحد الحراس، وهو متطوع في الكشافة، قال إن كمية قليلة فقط من الاحتياجات الأساسية متوفرة في المدرسة، رغم محاولة أحد المسؤولين المحليين تصوير أن "كل شيء مؤمن في المدرسة".
برد وقمامة
جنى، وهي صحافية تقطن في الضاحية الجنوبية لبيروت، وصلت إلى ثانوية جميل الرواس الرسمية في منطقة الطريق الجديدة في بيروت، تقول إنها حين سمعت صوت الطيران الحربي ليلة الأحد، فأيقظت شقيقتها ووالدها للهرب. تضيف: "نهضنا مسرعين لكننا لم نعرف أين القصف الذي كان يحيط بنا. شعرنا بأننا سنموت ولن نتمكن من الهرب. لم أعرف ماذا أحزم من الأغراض. ربما كانت لديّ ثانية واحدة لأفكر إن كنت سأبدّل ملابسي. كانت أختي قد اشترت جهاز حاسوب فحملته، بينما حملت أشياء بسيطة: بيجاما، قطعة ملابس إضافية، الحاسوب المحمول، جواز السفر، بعض المال، وبطاقتي الشخصية. كانت والدتي قد جهزت حقيبة بمستندات العائلة الرسمية، وكنا ننظر بعضنا إلى بعض بذهول. أحضرنا بعض قطع الكرتون وهي بقايا صناديق بضائع من الدكان كي ننام عليها لكن لم نتمكن من ذلك بسبب البرد. كانت القمامة في كل مكان، والحمامات متسخة، ولا كهرباء ولا شيء".
يبدو الواقع قاسياً على الأرض للذي يتجول بين مراكز النزوح خصوصاً أن الإجراءات الرسمية ركّزت بشكل أساسي على توجيه النازحين نحو مراكز الإيواء. وزيرة الشؤون الاجتماعيّة حنين السيد كانت قد أعلنت يوم الاثنين أنه تم فتح 171 مركز إيواء في مختلف المناطق اللبنانية، وأن هناك 29 ألف نازح في مراكز الإيواء حتّى الآن، مضيفة: "رأينا حجم النزوح ونُدرك حجم المعاناة وصفحات السراي الحكومي على مواقع التواصل الاجتماعي هي المصدر الوحيد للمعلومات الرسميّة، وتم تعميم أرقام الخطوط الساخنة في الأقضية". لكن الخطة التي ينتظرها النازحون تختلف في مفهومها عن الكلام والإجراءات الرسمية المتخذة حتى الآن. وهم لا يتوجهون باللوم، بل يبحثون عن الأمان والخدمات، بحسب ما يشرحون.
في هذا السياق، يقول المسؤول الاعلامي لغرفة إدارة الازمات والكوارث في محافظة بيروت فادي بغدادي، لـ "العربي الجديد"، إن التنسيق مع الوزارات المعنية يحدث طوال الوقت، وتمت الاستفادة من الحرب الماضية لناحية تحديد أعداد المدارس القادرة على استيعاب النازحين، إلا أن عدد النازحين خلال اليوم الأول للحرب كان كبيراً وفاق العدد خلال الحرب الماضية، غير أن هذا لن يمنع تأمين جميع المستلزمات في أقرب وقت"، ويشير إلى أن مراكز الإيواء الوحيدة المتوفرة هي المدارس، فبالتالي الخطة الاستباقية لا يمكن أن تكون مكتملة بسبب الدور التعليمي الذي تلعبه هذه المدارس في فترات السلام".
أما الأمين العام للهيئة العليا للإغاثة العميد بسام نابلسي فيقول لـ"العربي الجديد" إن "مخازننا مجهزة باحتيجات النازحين الأساسية وقد تم تدعيمها أخيراً، إلا أن الأعداد كبيرة وقدرات الدولة الاقتصادية محدودة"، مشيراً إلى اعتماد اللامركزية وإعطاء البلديات الصلاحيات لتحديد الحاجيات على أن تمولها الدولة.
