سباق على الطاقة يستنزف جيوب المستهلكين في بريطانيا ومنطقة اليورو
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
تتداعى آثار "سباق الطاقة" الناجم عن العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران، والهجمات الإيرانية على دول الخليج، في أسواق الطاقة العالمية لتصل في نهاية الأمر إلى جيب مستهلك لم يكن طرفا في حسابات أميركا وإسرائيل بأي شكل من الأشكال، حين قررتا إشعال المنطقة بهذه الصورة.   وبدأ تسابق المستوردين على شحنات الغاز المسال منذ يوم الاثنين، حين ارتفعت أسعاره في أسواق آسيا وأوروبا بما يزيد عن 50% في يوم واحد، مع اتساع رقعة الصراع إلى مصادر الطاقة في منطقة الخليج، وقرار قطر تعليق إنتاج الغاز الطبيعي المسال في منشأة رأس لفان، أكبر مجمع قطري لإنتاج الغاز. وتعد قطر قوة عالمية وإقليمية مهيمنة في إنتاج الغاز الطبيعي وتصديره في صورة مسالة على متن ناقلات متخصصة لذلك، نظرا لندرة خطوط الأنابيب. وأصبحت قطر ثاني أكبر لاعب عالمي في سوق الغاز الطبيعي المسال، بحصة تقارب 20% من الإمدادات العالمية. ورغم أن الغاز الطبيعي المسال لا يمثل سوى 7 إلى 8% من إجمالي إمدادات الغاز عالمياً، فإنه يشكل مصدراً هامشياً حاسماً في العديد من الدول، وبالتالي عاملاً محدداً للأسعار. ويثير شبح هذه الأزمة وتداعياتها على المستهلكين في أوروبا، ذكريات أليمة لأزمة الطاقة التي نجمت عن حرب أوكرانيا، وكان لها أبلغ الأثر في ما عُرف لاحقا بـ"أزمة نفقات المعيشة"، فقد قفز متوسط فاتورة الطاقة للعائلة في بلد مثل بريطانيا بمعدل الضعف منذ ذلك التاريخ، عندما فقدت الدول الأوروبية مصدرا مضمونا لإمدادات الغاز الرخيصة من روسيا، لتستعيض عنها بمصادر أكثر تكلفة من الولايات المتحدة والشرق الأوسط وأستراليا. لكن تداعيات ما يحدث في الخليج على جيوب المستهلكين الأوروبيين قد يكون أفدح، إذا استمرت الحرب لفترة تطول عن أسبوع أو أكثر بما يؤدي إلى نقص المخزون ووصول التأثير مباشرة إلى الاحتياجات اليومية للمستهلكين والمصنعين. تقارن الأسواق بين "حرب الطاقة" الراهنة والأزمة التي تفجرت في عام 2022، حين فقدت أوروبا آنذاك نحو 80 مليار متر مكعب سنوياً من الإمدادات الروسية، مقارنة بما يصل إلى نحو 120 مليار متر مكعب قد تُفقد من الشرق الأوسط نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز وتعطّل حقلين إسرائيليين للغاز. ويشدد المحللون على أن ما يحدث حتى اللحظة لا يزال ضمن المتوقع، فالزيادة الراهنة لأسعار الغاز، وربما لاقتراب فصل الشتاء البارد من نهايته في نصف الكرة الشمالي، تظل أقل كثيرا مما حدث في أزمة الإمدادات الروسية عندما تجاوز المؤشر الأوروبي المرجعي للغاز 343 يورو لكل ميغاواط/ساعة، بينما بلغ الثلاثاء نحو 55 يورو لكل ميغاواط/ساعة. مخاوف المستهلكين تُعد الصين والهند أكبر مستوردي الغاز القطري، تليهما تايوان وباكستان وكوريا الجنوبية أما أوروبا فلا تستورد من قطر سوى 10% من احتياجاتها من الغاز. ولأن قطر هي ثاني أكبر مصدر عالمي في سوق الغاز الطبيعي المسال بحصة تقترب من 20% من إمداداته، فمن المؤكد أن فقدان السوق لهذه الحصة التي قد تبدو قليلة، سيشعل تنافسا على المصادر المتاحة خاصة من قبل المستهلكين الآسيويين، الأمر الذي يتجلى كما هو واضح في سباق أسعار. بالنسبة لبريطانيا، تتسم أسعار الغاز بحساسية خاصة إذ يعتمد اقتصادها على استخدام الغاز الطبيعي لتدفئة المنازل وتوليد الكهرباء اللازمة لتشغيل المصانع والمرافق الحيوية مثل القطارات وشبكات المترو. وكانت بريطانيا من أكثر الدول الأوروبية تأثرا بصدمة الطاقة الروسية، حيث تعد أسعار الغاز فيها العليا أوروبيا كما أنها تماثل أربعة أضعاف مثيلاتها الأميركية، الأمر الذي يؤثر سلبا على تنافسية الصناعات البريطانية. وكانت بريطانيا أحد المستوردين الرئيسيين للغاز القطري المسال حتى عام 2011، لكنها ومنذ ذلك التاريخ اعتمدت الاستيراد من الولايات المتحدة فيما تظل النرويج مصدرا رئيسيا لها. وحذرت تقارير صحافية بريطانية صباح اليوم الثلاثاء من أن فاتورة الغاز للمنازل في بريطانيا قد تتضاعف لتصل في المتوسط إلى 2500 جنيه إسترليني ( 3326 دولارا تقريبا)، إذا استمر التصاعد في العمليات الحربية بالخليج. وقال غريغ جاكسون الرئيس التنفيذي لشركة "أوكتوبوس" التي تمد أكثر من 8 ملايين مستهلك بالغاز في بريطانيا، إن أسعار المستهلكين ستظل محمية على المدى القصير بالسقف الأعلى للأسعار الذي تقرره هيئة تنظيم أسعار الطاقة قبل كل شتاء، مضيفا في تصريحات لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي " أنه إذا توقفت العمليات العسكرية قبل إبريل/ نيسان المقبل، وهو الموعد القادم لمراجعة الأسعار فإن المستهلكين لن يتضرروا كثيرا، أما إذا استمر التصعيد فإن أسعار الغاز سوف ترتفع على المستهلكين قبل حلول فصل الصيف". أما رينيوت سميث، الرئيسة التنفيذية لمركز أبحاث الأعمال فاعتبرت أن أسعار الطاقة في بريطانيا تظل مرتفعة عن مثيلاتها في الدول الصناعية حتى بالمقاييس العادية، وقالت إن قطاع الأعمال يتوقع من الحكومة أن تعمل على استقرار سوق الطاقة لقطاع الأعمال بما يكفل له الإنتاجية وخلق الوظائف. شبح التضخم ومن المنتظر أن تعلق وزيرة الخزانة البريطانية، راتشيل ريفز، في بيانها اليوم عن "ميزانية الربيع" على الآثار الاقتصادية المتوقعة للصراع المسلح في منطقة الخليج. لكن الخطر الرئيسي المحدق بالاقتصاد البريطاني والأوروبي بشكل عام يتمثل في ارتفاع التضخم الذي تكافح البنوك المركزية لخفضه على مدى السنوات المقبلة في أعقاب جائحة كورونا.   ومن المتوقع أن يتراجع بنك إنكلترا (المركزي البريطاني) عن توجهه لخفض إضافي في أسعار الفائدة كان متوقعا في اجتماعه هذا الشهر، وتشير تقديرات نشرتها بلومبيرغ إلى أن استمرار الارتفاع في أسعار البترول والغاز، قد يرفع التضخم في بريطانيا إلى 2.4% وهو أعلى من المستهدف الذي كافح المركزي البريطاني لتحقيقه بالوصول بالتضخم إلى 2%، الأمر الذي سيؤجل تلك الطموحات إلى عام 2027، بدلا من العام الجاري. الأمر نفسه ينسحب على اقتصادات منطقة اليورو، التي تعتمد بشكل أكبر على الطاقة من الشرق الأوسط، إذ إن إطالة أمد الحرب في الخليج سيؤدي لا محالة إلى إحياء الضغوط التضخمية التي ستنعكس سلبا على المستهلكين، وسط توقعات بارتفاع أسعار الغاز ووصول النفط إلى سقف 100 دولار للبرميل. ومن المنتظر في هذه الحالة أن ترتفع تكاليف السلع الأساسية بشكل تضخمي، الأمر الذي قد يدفع المركزي الأوروبي إلى رفع أسعار الفائدة في نهاية المطاف.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية