عربي
أفادت وسائل إعلام إيرانية بأن قصر غلستان المُدرج في قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) في طهران، قد تعرّض لأضرارٍ خلال الغارات الجوية الأخيرة التي نفذتها الولايات المتحدة ودولة الاحتلال الإسرائيلي على العاصمة الإيرانية.
وصرح مسؤولون إيرانيون بأن أجزاء عديدة من وسط طهران استُهدفت خلال الغارات، غير أن حجم الأضرار التي لحقت بالمجمع التاريخي لم يُحسم بالكامل بعد. ولا تزال السلطات تُقيّم تأثير الهجمات على هياكل الموقع ومقتنياته الأثرية.
وبحسب البيانات المتداولة، فإن قصر غلستان تعرّض لأضرارٍ جرّاء الشظايا وموجات الصدمة التي أعقبت غارةً جويةً استهدفت ساحة أراج، الواقعة ضمن المنطقة العازلة المحيطة بالموقع في العاصمة الإيرانية.
🇺🇸🇮🇷🇮🇱 This is what the Golestan Palace in Tehran, a UNESCO World Heritage Site, looks like now.
It was damaged as a result of a US-Israeli strike. Footage of the damage was posted online by the Iranian government.
-> Reza Pahvali needs this palace to stage the crowning… https://t.co/HSTvzPklCP pic.twitter.com/EZ4ypF4EHx
— Lord Bebo (@MyLordBebo) March 3, 2026
وأعربت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) عن قلقها مما جرى، مؤكدةً أنها تتابع الوضع عن كثب لضمان حماية التراث الثقافي في إيران والمنطقة. وأوضحت أنها أبلغت جميع الأطراف المعنية بالإحداثيات الجغرافية الدقيقة للمواقع المدرجة في قائمة التراث العالمي، إضافةً إلى المواقع ذات الأهمية الوطنية، بهدف تجنب أي أضرارٍ محتملة.
كما ذكّرت بأن الممتلكات الثقافية تتمتع بحمايةٍ بموجب القانون الدولي، ولا سيما اتفاقية لاهاي لعام 1954 الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة، واتفاقية عام 1972 لحماية التراث الثقافي والطبيعي العالمي. وهذا الموقف يندرج ضمن سياسة ثابتة تتبعها "يونسكو" في النزاعات المسلحة، حيث تؤكد باستمرار ضرورة تحييد المواقع الثقافية عن العمليات العسكرية.
وصرّح وزير التراث الثقافي الإيراني رضا صالحي أميري خلال زيارةٍ ميدانيةٍ إلى الموقع، بأن ما حدث "لم يكن اعتداءً على مبنى فحسب، بل على الهوية الثقافية والوطنية لإيران". وأعلن أن طهران ستقدّم تقريراً رسمياً إلى "يونسكو" يتضمن تفاصيل الأضرار وتقييماً فنياً لها.
يعود تاريخ بناء النواة الأولى لهذا المجمع إلى عهد الدولة الصفوية في القرن السادس عشر، لكنّه اكتسب هويته الطاغية وشكله الحالي خلال القرن التاسع عشر، حين اختاره القاجاريون مقراً للحكم ومركزاً للعائلة المالكة، ليتحول مع مرور الوقت إلى وثيقة بصرية تسجّل التحول الثقافي والمعماري في إيران.
تتجلّى قيمة غلستان في كونه المختبر الأول الذي شهد اندماج الفنون الفارسية التقليدية مع التأثيرات المعمارية الغربية. ففي عهد ناصر الدين شاه (1848 - 1896)، الذي خاض رحلات عديدة إلى أوروبا، بدأت ملامح العمارة النيوكلاسيكية تتسلل إلى الأيوانات (قاعات مستطيلة) والباحات الداخلية.
هذا الاندماج لم يكن مجرد تقليد، بل إعادة صياغة للمفاهيم الجمالية؛ إذ استُبدلت الألوان القاتمة بزخارف غنية من القرميد الملون، والمرايا العاكسة التي تغطّي الأسقف والجدران بأسلوب آينه كاري المعقد، ما خلق فضاءات ضوئية لا تشبه نظيراتها في القصور الملكية الأوروبية.
أُدرج قصر غلستان في قائمة التراث العالمي عام 2013، باعتباره مثالاً على التفاعل بين العمارة الفارسية التقليدية والتأثيرات الأوروبية التي دخلت إيران خلال القرن التاسع عشر. ويُنظر إليه اليوم بوصفه رمزاً للهوية الوطنية الإيرانية ولمرحلةٍ مفصليةٍ في تاريخ البلاد.
يتألف المجمع من ثمانية هياكل رئيسية تحيط بحديقة غنّاء، تتوسطها برك مائية وممرات مرصوفة. وقاعة العرش الرخامي (تخت مرمر) هي أقدم أجزاء القصر، إذ بُنيت عام 1806 بأمر من فتح علي شاه. العرش نفسه مكوّن من 65 قطعة من الرخام الأصفر المستخرج من مدينة يزد، مدعوماً بتماثيل بشرية وحيوانية منحوتة ببراعة، في تجسيد حي للاستمرارية الفنية للإمبراطوريات الفارسية القديمة في ثوب إسلامي قاجاري.
في الجهة المقابلة، يبرز "شمس العمارة"؛ البناء الذي كان عند اكتمال تشييده عام 1867 أطول مباني طهران. يمثل هذا البرج، ذو الطوابق الخمسة، ذروةَ الطموح المعماري في تلك الحقبة؛ إذ أراد ناصر الدين شاه بناء صرح يتيح له إطلالة بانورامية على طهران وجبال البرز المحيطة بها.
يدمج "شمس العمارة" بين النوافذ المقوسة والزخارف الحديدية المستوحاة من العمارة الأوروبية وبين المآذن الفارسية المغطاة بالقيشاني الملون، ما جعلها أيقونة بصرية لا تخطئها العين.
لم يتوقف دور القصر عند نهاية العهد القاجاري في عشرينيات القرن الماضي، بل استمر في عهد الدولة البهلوية مركزاً للمراسم الرسمية الكبرى، ومنها تتويج رضا شاه عام 1925 ومحمد رضا شاه عام 1967.
وفي عام 2013، توجت منظمة يونسكو هذه الأهمية التاريخية بإدراج القصر ضمن قائمة التراث العالمي، واصفة إياه بأنه "مثال فريد للتفاعل بين القيم الفارسية التقليدية والتكنولوجيا والهندسة المعمارية الغربية".
