نازحون من جنوب لبنان أمام أبواب مدارس مقفلة
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
مع تجديد إسرائيل عدوانها، توجّه نازحون من جنوب لبنان إلى مدارس سبق أن انتقلوا إليها في العدوان السابق، لكن أبوابها لم تفتح لهم. في وقت لا يزال الأوتوستراد من صور إلى صيدا، وصولاً إلى مشارف بيروت، يغصّ بسيارات النازحين من قرى جنوب لبنان، تزدحم الشوارع المؤدية من مثلث خلدة إلى مناطق جبل لبنان، وأبرزها منطقتا بشامون وعرمون، بسيارات تحمل أسقف بعضها فرشات، ويقف أصحابها على جوانب طرقات كي يستريحوا، ما يشير إلى حركة نزوح كبيرة إلى المنطقة التي يريدون أن يحصلوا على بعض الأمان فيها. على التقاطعات الممتدّة من ساحة بشامون وصولاً إلى بشامون المدارس والضيعة، تأهّب عناصر شرطة بلدية منطقة بشامون لتنظيم السير، من دون أن يملكوا القدرة على إرشاد النازحين إلى مراكز إيواء، في حين تدفع التجربة المريرة التي عاشها الجنوبيون خلال عدوان سبتمبر/ أيلول 2024 إلى التوجه إلى المنطقة التي نزحوا إليها قبل عام ونصف العام. ومساء أمس الاثنين، وصل عدد من أهالي القرى الجنوبية إلى ثانوية حسين مسعود في بشامون، لكنهم وجدوها مقفلة. جلس كمال بدوي (50 سنة) الذي نزح من مدينة صور أمام مدخل الثانوية مع عدد من العائلات والأقارب، وقال لـ"العربي الجديد": "نزحت عند الساعة الثالثة صباحاً مع طفلي ووالدي المصاب بالسرطان (75 سنة) إلى ثانوية بشامون الرسمية التي كنا نزحنا إليها في الحرب الماضية، ووجدنا أنها مقفلة".  وأمام هذه المدرسة جلس نازحون من بلدات قانا وصريفا (قضاء صور)، والنبطية، وجبشيت، وعبا (قضاء النبطية)، وحاولوا أن يواسوا بعضهم البعض. وقال بدوي: "لم نتوقع أي ضربة، ولم نكن قد جهّزنا حقائب طوارئ. نزحنا بثياب النوم من دون أي ثياب لنا ولأولادنا. صُدمنا بأن لا قرار بفتح المدرسة، وطُلب منا التوجه إلى مدارس في بحمدون، لكن المنطقة جبلية جداً والبرد قارس، ولا يمكن أن نتحمل الصقيع، ونحن نعيش في وضع عصبي ونفسي صعب، ولا ينظر أحد إلينا". وبمبادرة شخصية، حضرت رحاب عيد من منطقة بشامون، وهي اختصاصية نفسية، كي تتفقّد الأهالي أمام المدرسة، وقالت لـ"العربي الجديد": "جئت مع صديقتي كي نتفقد أحوال النازحين ولتأمين بعض الطعام والمياه لهم، وعرفنا أن لا قرار وزارياً بفتح المدرسة، وجميع الذين توافدوا إلى المنطقة نازحون من الحرب الماضية". تتابع: "فُتحت مدارس في منطقة بحمدون، لكن الأهالي لا يستطيعون التوجه إليها بسبب البرد، وهم في حالة نفسية صعبة من دون ثياب وتجهيزات، وبعضهم لديهم ظروف صحية خاصة تتطلب تدخلاً سريعاً من بلديات المنطقة". من جهتها، تحاول فاطمة بدوي طمأنة طفليها بعدما عاشوا ساعات عصيبة على الطرقات وفي زحمة السير، وكان خيارهم القدوم إلى منطقة بشامون لأنها من المناطق الآمنة في لبنان، بحسب ما تقول. وقالت لـ"العربي الجديد": "خرجنا من دون ثياب. اشتريت حليباً لطفلتي التي تبلغ من العمر سنة ونصف السنة من إحدى الصيدليات على أوتوستراد صيدا - بيروت. خرجنا من دون أي تحضير ونجلس أمام المدرسة وليس معنا أي ثياب شتوية تقينا البرد". وقالت فاطمة نصور (45 سنة) من بلدة جبشيت (قضاء النبطية) لـ"العربي الجديد": "يبدو أننا سنتوجه إلى المنارة للنوم على الكورنيش البحري لبيروت. لدي ابنة عمرها 20 سنة تعاني من كهرباء في الرأس، ولم أستطع جلب الأدوية الخاصة بها. خرجنا بثياب النوم، وكان لدينا أمل في أن إسرائيل لن تضربنا".  وقال عضو بلدية بشامون نايف يحيى لـ"العربي الجديد": "جهّزت البلدية الثانوية عبر إزالة المقاعد الخشبية وتفريغ المختبرات كي تستقبل نازحين، لكننا لا نستطيع اتخاذ قرار فتحها فهذا في يد وزارة التربية. تستطيع الثانوية استيعاب نحو 250 شخصاً، وكانت مفتوحة خلال عدوان أيلول، ونطالب الجمعيات بتأمين الفرش والأغطية، لأننا لا نملك قدرات مادية، والهيئة العليا للإغاثة لم تستجب بعد لندائنا". وتحدث يحيى عن أن "بلدية بشامون تحصي العائلات التي نزحت إلى المنطقة، خصوصاً أن عدداً منها توافد إلى بيوت أقارب في بشامون، في حين سبق أن استأجرت أخرى منازل قبل أشهر في المنطقة كخطة نزوح استباقية". وأمام سيارته وقف قاسم دحنون من مدينة النبطية، في وقت كانت زوجته وطفلته نائمتين في السيارة بعد رحلة نزوح قاسية بدأت عند الساعة الثالثة فجراً قبل أن يصلوا إلى ثانوية بشامون مساء يوم الاثنين. وقال لـ"العربي الجديد": "طفلتي عمرها ثلاث سنوات، وقبل يومين حضّرنا حقيبة للطوارئ تضمنت بعض الاحتياجات، لكننا لم نكن نتوقع أن نخرج تحت الغارات والتهديدات. لا أعرف أين سأتوجه إذا لم تفتح المدرسة التي كنا نزحنا إليها خلال حرب الـ66 يوماً قبل سنة ونصف السنة". وقال الشاب محمد نصور من جبشيت لـ"العربي الجديد": "خرجنا من دون ثياب، وننتظر فتح مدارس تؤوينا من البرد والتشرد". وفي عرمون التي غصّت شوارعها أيضاً بالسيارات ويلات أخرى من النزوح، إذ تجمّع أكثر من 100 شخص أمام مبنى المدرسة الرسمية لتسجيل أسمائهم، وانتظروا فتح أبواب المدرسة مفترشين الأرض وسط برد قارس. وحاولت الأمهات تدفئة الأطفال من خلال العناق والحمل على الأيدي، وكان قسم كبير من الأهالي يجلسون في السيارات في محيط المدرسة من دون أكل أو مياه. يقول عضو بلدية عرمون، بسام الهمتار، لـ"العربي الجديد": "لا نملك سلطة لفتح المدرسة، وننتظر قرار وزارة التربية. سجلنا الأسماء من دون أن نملك أي تجهيزات من فرش وأغطية شتوية أو أكل، والوضع يتطلب قدرات تفوق قدرتنا، ما يحتم أن تتدخل الدولة والأحزاب والمرجعيات. تستطيع المدرسة استيعاب 250 شخصاً، ونحاول التواصل مع الهيئة العليا للإغاثة". ووقفت فاديا علام أمام المدرسة في عرمون وحملت بيدها لوح شوكولاتة، وقالت لـ"العربي الجديد": "أعطاني شخص في المنطقة لوح الشوكولاتة بعدما كدت أفقد وعيي لأنني بلا طعام منذ الساعة الثالثة فجراً". أضافت: "ندفع ضريبة لأننا أبناء مناطق الجنوب التي تقصفها إسرائيل منذ عام 1982. نرى أنفسنا كل فترة من نزوح إلى آخر. خرجت من بلدة زوجي الطيبة الحدودية (قضاء مرجعيون) إلى بلدة معركة (قضاء صور)، ومنها إلى أمام مدرسة عرمون، وأسأل الآن لماذا لم تمنح وزارة التربية الإذن بفتح المدرسة؟ سنفترش الأرض مع عائلاتنا. لدي ثلاث بنات مع أحفادي، وخرجنا من دون ثياب أو تجهيزات. ننزح منذ ثلاث سنوات من مكان إلى آخر، ندفع أموال إيجارات من تعبنا، واليوم بتنا بلا مأوى. يدفع أهل الجنوب ضريبة كبيرة، ولا ترى الدولة أننا أبناؤها". في الحرش الموازي لمدرسة عرمون، جلس علي فارس من بلدة صريفا على الأرض ومدّ رجله المكسورة، وكانت زوجته وأطفاله الثلاثة قربه، وقال لـ"العربي الجديد" إنه "من المستغرب التعاطي معنا بهذه الطريقة. لم يكن الوضع هكذا حين نزحنا في المرة السابقة، إذ نُعامل بقلة احترام ونشعر بإهانة. لا أحد ينظر إلينا. سننام اليوم (ليلة أمس الاثنين) في السيارات. نحن في حرب منذ ثلاث سنوات تقريباً، يومياً تحت الضرب والغارات، وأسأل إلى أين يجب أن أذهب؟".  وقال مصدر في وزارة التربية لـ"العربي الجديد": "سلّمنا أسماء المدارس المخصّصة للإيواء إلى وزارتي الداخلية والشؤون الاجتماعية، وفُتحت 320 مدرسة". وفي سؤال عن مصير المدارس المغلقة في منطقتي بشامون وعرمون، أوضح المصدر أنّ "بعض المدارس ستبقى مغلقة، وستكون مخصّصة لخطة التعليم المدرسي في حال اتخذ قرار العودة إلى التعليم الحضوري. وزارة التربية ليس لديها أي مهمات لوجستية مثل تأمين الفرش والمستلزمات الأخرى للنازحين، فهذه مهمات وزارة الشؤون الاجتماعية".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية