عربي
بالتزامن مع الحرب بين باكستان وأفغانستان، تحوّلت تظاهرات غاضبة في باكستان، أمس الأول الأحد، على اغتيال المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، إلى أعمال عنف مع محاولة بعض المحتجين اقتحام مبانٍ دبلوماسية أميركية، لترد قوى الأمن بإطلاق النار، ما أدى إلى مقتل 25 شخصاً على الأقل، بحسب حصيلة لوكالة فرانس برس، بينهم 10 في كراتشي، حيث أطلقت الشرطة وحراس الأمن في القنصلية الأميركية النار على المتظاهرين الذين اخترقوا الجدار الخارجي، و13 قتيلاً في منطقة غلغت بلتستان شمالي البلاد، واثنان في إسلام أباد.
وطالبت أحزاب دينية في باكستان بتشكيل لجنة قضائية لإجراء تحقيق في قضية مقتل المتظاهرين، والكشف عن الجهة التي شجعتهم ودفعتهم نحو التصعيد، ما أدى إلى وقوع العشرات بين قتيل ومصاب. ويقول بعض المتظاهرين ومنظمو التظاهرات إن بعض رجال الاستخبارات شجعوا المتظاهرين للذهاب نحو القنصلية الأميركية في كراتشي، بعد أن تم رفع الحواجز الأمنية، وعند وصولهم إلى القنصلية كانت قوات الأمن لهم في الكمين، وأطلقت النيران عليهم بشكل مباشر.
أحد منظمي التظاهرات: ملثمون دخلوا الحراك ودفعوا المتظاهرين للتسلل إلى القنصلية في كراتشي
اتهامات للجيش
وقال محمد علي رضا (اسم مستعار لدواع أمنية) وهو أحد منظمي التظاهرات، لـ"العربي الجديد"، إن علماء الدين كانوا يقودون التظاهرة بشكل سلس نحو القنصلية الأميركية في كراتشي، وكان الهدف فقط التنديد وإظهار الغضب والاستياء، ولكن فجأة دخل بعض الملثمين، مرتدين سترات واقية من الرصاص، وبدأوا يهتفون ضد الولايات المتحدة، ويحاولون أن يقودوا المتظاهرين صوب القنصلية، داعين إلى التسلل إلى داخل القنصلية وتدمير محتوياتها.
وأضاف: "حاولنا أن نمنع المتظاهرين ولكنهم لم يمتنعوا، خصوصاً أن الحواجز الأمنية قد رفعت، وما إن وصلنا قرب القنصلية، بدأ رجال الأمن يطلقون الرصاص بشكل مباشر على المتظاهرين". وتابع أنه بعد أن أثيرت البلبلة غادر هؤلاء الملثمون ومعهم آخرون التظاهرات وكانت سيارات تنتظرهم، معتبراً أن ما حصل "كان لعبة رسمتها الاستخبارات العسكرية الباكستانية من أجل أن تقول لأميركا إنها مخلصة إلى درجة أن نقدم مواطنينا قربانا، ولكننا ندافع عن المصالح الأميركية". وأضاف: "ليس لدي أدنى شك أن الاستخبارات نفسها كانت تشجع المتظاهرين وهي نفسها قتلتهم، إنها استخبارات مجرمة، تقتل مواطنيها وتقتل الأفغان من أجل إرضاء واشنطن".
وفي السياق، قال خرم سليم، أحد سكان مدينة كراتشي، لـ"العربي الجديد"، إن ثلاثة شبان من أسرته شاركوا في التظاهرات "لأننا أعضاء في تنظيم مجلس وحدة المسلمين، وهؤلاء الشباب الجامعيون متطوعون في الأعمال الخيرية والمجتمعية، وهم لا يعرفون العنف، ولما رأيت في الأخبار أن المتظاهرين دهموا القنصلية، خشيت أنها مؤامرة، إذ كيف لا يوجد حاجز يمنع المتظاهرين من الوصول إلى القنصلية؟". وأضاف: "أصيب ابني وأخرجه زملاؤه، كما قُتل اثنان من رفاقه". وقال إن الشبان لما عادوا إلى المنزل "قالوا إن رجال الأمن في ملابس مدنية كانوا يشجعون الشباب ويقولون لهم لا بد أن ننتقم من أميركا، ولكن بعد أن بدأت البلبلة وإطلاق النار، خرجوا ولم يرهم أحد"، مضيفاً أن "رجال الأمن لم يكونوا يريدون تخويف الشباب وإبعادهم من القنصلية، بل كانوا يطلقون بشكل مباشر على رؤوسهم وصدورهم".
وفي تعليق له، قال الإعلامي الباكستاني عمران رياض خان، على قناته على "يوتيوب"، إن "هذه ليست أول مرة تدفع الاستخبارات الباكستانية المتظاهرين إلى الموت، وتقتلهم من أجل إرضاء أميركا ولتثبت لواشنطن أنها في غاية الإخلاص معها وتدافع عن مصالحها حتى ولو كان على حساب قتل أبناء البلاد أو غيرهم". ولفت إلى "وقوع أحداث في الماضي القريب تؤكد ذلك، منها قتل العشرات من أنصار حركة لبيك يا رسول الله المحتجين ضد خطة دونالد ترامب للسلام في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، حيث كانت الاستخبارات تشجعهم من الوراء على الذهاب نحو العاصمة والوصول إلى السفارة الأميركية، ولكن لما تحركوا صوب العاصمة، تم قتل المئات منهم وإصابتهم، وهذه لعبة معقّدة تلعبها الاستخبارات والمؤسسة العسكرية".
وأشار إلى أن "ما حدث في التاسع من مايو/أيار 2023 والذي على إثره تم اعتقال رئيس الوزراء الباكستاني السابق عمران خان والعشرات من قيادات حزبه، كذلك من صنيع الاستخبارات، من أجل القضاء على قوة عمران خان، فمجموعات ليست من أنصار الحزب تسللت إلى التظاهرات حينها وشجعت المتظاهرين للدخول إلى مناطق ومنشآت عسكرية، وهو ما لم يكن حزب خان يريده. بالتالي خلق الجيش ذريعة بأن أنصار خان انتهكوا مؤسسات الدولة، ولكن الهدف كان دفع خان وأنصاره إلى الفخ، وكل من شجع على ذلك كانوا مجهولين وغابوا عن المشهد لاحقاً".
وزعم أن مصادر أبلغته "أن هناك مشاورات أجريت بين الحكومة الباكستانية والمؤسسة العسكرية بعد الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، وتوصلت المشاورات إلى أن باكستان ستبقى عضواً في مجلس السلام الذي يترأسه ترامب من أجل فلسطين، كما أن ترامب سيبقى مرشح باكستان في المستقبل لجائزة نوبل للسلام، لأن العلاقات مع الولايات المتحدة مهمة ولا يمكن المساومة عليها"، مشيراً إلى أن "إسلام أباد أعربت عن حزنها حيال ما حدث في إيران، ولكنها قررت ألا تدين ذلك، لأن الصداقة مع أميركا لا بديل لها".
أعلن الجيش الباكستاني انتشار قواته في إقليم غلغت بلتستان في أقصى شمال باكستان خوفاً من التصعيد ومن حصول احتجاجات جديدة
غضب في باكستان
في غضون ذلك، أعلن الجيش الباكستاني انتشار قواته في إقليم غلغت بلتستان في أقصى شمال باكستان خوفاً من التصعيد ومن حصول احتجاجات مجدداً، خصوصاً أن هناك غضباً يسود في الشارع جراء قتل المتظاهرين. كما قررت الحكومة منع جميع أنواع الاجتماعات والتظاهرات في الإقليم، من أجل منع سكانه من التظاهر، خصوصاً عند تنظيم مراسم العزاء للقتلى. كما أعلنت السفارة الأميركية والقنصليات في باكستان تعليق أنشطتها حتى إشعار آخر، نظراً للحالة الأمنية السائدة، تحديداً ما حصل من مهاجمة القنصلية الأميركية في كراتشي.
وفي تعليق على كل ما حدث، قال عالم الدين الباكستاني الشيعي آغا محمد علي، لـ"العربي الجديد"، إن "ما تقوم به باكستان مؤسف للغاية، لقد قُتل المرشد الإيراني وباكستان ليست لديها جرأة أن تدين تلك العملية، في حين أن المرشد خامنئي لم يكن مرشد الشيعة في إيران فحسب، بل كان قدوة للشيعة في كل العالم، وكان على الحكومة الباكستانية أن تدين تلك العملية، ولكن مع الأسف نحن الآن تحت إدارة ترامب بشكل غير مباشر". وأضاف: "الحكومة ليس بيدها شيء، فالمؤسسة العسكرية هي التي تدير الأمور، وقائد الجيش المشير عاصم منير وجنرالات آخرين في الجيش الباكستاني يطيعون ترامب، وأنا لا أستبعد أن يكون الجيش الباكستاني يساعد أميركا ضد إيران بطريقة خفية من خلال الاستخبارات"، زاعماً أن "الجيش الباكستاني لم يعد مؤسسة وطنية ولا يعمل من أجل بلادنا، بل لصالح بعض الجنرالات الذين يدافعون عن المصالح الأميركية حتى ولو كان على حساب حياة أبناء بلادهم".
