عربي
حربٌ أميركية بهدفٍ واحد، أمن إسرائيل، فجّرت قنبلةً في قلب العالم الشيعي، مع الإعلان عن مقتل المرشد الأعلى في إيران، علي خامنئي. هو حدثٌ هائلٌ في الداخل الإيراني، ولكن تداعياته فرضت نفسها على المجتمعات الشيعية في المنطقة، سيّما في العراق. فمن الواضح أن ردّة الفعل العاطفية لم تقتصر على المؤمنين العقائديين بولاية الفقيه، والتيارات السياسية والعسكرية التابعة للنفوذ الإيراني، وإنما كانت الصدمة في قلب المجتمع الشيعي المحافظ. فحتى ساعة الاغتيال لم يكن أحدٌ يتصوّر أن هذا الحدث ممكن؛ فعلى الرغم من إعلان إسرائيل نيّتها استهداف المرشد الإيراني في مناسبات سابقة، فإنّ أميركا، الحليفة الأساسية في الحرب، كانت تمانع وتعترض.
هناك مسارٌ لتداعيات هذا الاغتيال في الداخل الإيراني، له علاقة بتغيير السلطة داخل النظام، وإقصاء الجناح المتشدّد فيه لصالح جناحٍ أكثر اعتدالاً، يكون قادراً، في التصوّرات الأميركية، على إبرام الصفقة التي تريدها أميركا. وهناك مسارٌ أوسع يتعلّق بعموم الشيعة في المنطقة؛ فاغتيال المراجع نادرٌ في مسار الحوزة الشيعية، سواء في قمّ أو النجف. وأبرز الحوادث في هذا المسار: إعدام محمد باقر الصدر (في 1980)، واغتيال محمّد صادق الصدر (في 1999) على يد نظام صدّام حسين. وعادةً ما تغذّي هذه الاغتيالات والإعدامات مسار المظلومية الشيعية المعتادة، وتعزّز العزلة والشعور بالفرادة. وقد جرى استخدامها داخل السردية الشيعية، على مدى أكثر من ألف عام، مع اغتيال وقتل الأئمة والعلماء، باعتبارها مفردةً داخل العقيدة، جذرها في استشهاد الحسين في واقعة الطفّ.
وردت إشارةٌ في أول ظهورٍ إعلامي لأمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، بعد مقتل المرشد، إلى أن "الإمام" رفض الذهاب إلى المقرّ المُحصَّن، وفضّل ممارسة عمله من مكتبه المعتاد. وجرى تفسير الأمر بمنحيَين مختلفَين؛ يشير الأول إلى اطمئنان المرشد إلى أن الضربة التي تستهدفه ربما لم يحن وقتها بعد، وأشار التفسير الثاني إلى شيءٍ له علاقة بالفكرة الأساسية هنا: الحسّ الاستشهادي. فالمرشد، وفق هذا التفسير، كان يريد الشهادة وهو في أخريات عمره، كآخر عملٍ كبير يقوم به. وربّما ستكون هذه الشهادة، بمحمولَيها الرمزي والعاطفي، دافعاً لإحياء الثورة الإسلامية، وإلهاب مشاعر الأتباع، وجلب المتردّدين، ولتفرض على خليفته وضعاً محرجاً يمنعه من الانحراف عن مسار الثورة ودولة الفقيه.
ولكن، إن كانت هذه النيّات موجودة، فالسياق الزمني والتاريخي مختلف؛ فالرأسمال الرمزي للثورة الإسلامية لم يعد بالقوّة نفسها بعد 47 سنةً على قيام الثورة في إيران، وتعاقب أجيال من الإيرانيين الذين لم يشهدوا الثورة ولم يتشرّبوا بحرارة المواجهة مع النظام الشاهنشاهي، وعلى العكس، يحملون صورةً أقلّ درامية، وربّما أكثر لمعاناً، من تلك التي تقدّمها الدعاية السلبية للنظام الإسلامي القائم.
كما أن فكرة المواجهة الحتمية الاستقطابية مع "الشيطان الأكبر"، التي خطّ قواعدها مؤسّس الجمهورية الإسلامية، الراحل الخميني، كلّفت النظام السياسي والمجتمع بالعموم ضرائب باهظة على مدى نصف قرنٍ تقريباً، يرى كثيرون أنهم غير قادرين على تحمّلها. بالإضافة إلى تكلفة فكرة "نصرة المستضعفين"، التي فهمها المحيط الإقليمي تدخّلاً في شؤونه الداخلية، يكون أحياناً على نحوٍ سافر وخطير، مع رعاية المليشيات والجماعات المسلّحة المتمرّدة على إرادة حكوماتها الوطنية.
سادت في العراق حالةٌ من الحزن وأجواء العزاء بين الشيعة بمختلف اتجاهاتهم وتياراتهم الفكرية والسياسية، إمّا مسايرةً للجوّ العام الذي ترعاه الأحزاب الإسلامية والمليشيات المسلّحة، أو استجابةً لشعور الخسارة لدى الجماعة الطائفية بمقتل مرجعٍ ديني كبير، يُنظر إليه في العادة أنه مكافئٌ أو موازٍ لثقل مرجعية السستاني في النجف، وكلاهما يتقاسمان العالم الشيعي، كلٌّ بطريقته واتجاهه الفقهي الخاص.
لا يبدو أن نظام الولي الفقيه سينجو من تداعيات الحرب أخيراً، وستفرض تغيّراتٌ كثيرة نفسها على الواقع السياسي والاجتماعي الإيراني، إن نجت إيران من الاحتراب الداخلي أو الفوضى. وما هو أكثر اتصالاً بالشأن العراقي أن الإسلام السياسي الشيعي العراقي سيفقد كثيراً من زخمه، سواء في التيارات الإسلامية التقليدية أو في الجماعات المسلّحة الأكثر راديكاليةً وثوريةً، وستضطرّ إلى الاعتماد على رصيدها الداخلي، بعد فقدان السند الذي اعتادت الاتكاء عليه عقوداً.
