عربي
كل مخاوف سوق النفط تحقّقت دفعة واحدة. أغلقت إيران مضيق هرمز وأوصدت الأبواب على شحنات النفط والغاز الخليجية، مانعة إياها من العبور نحو أسواق العالم. ما يعني حرفياً حبس 20 مليون برميل (نفط ومشتقات) يومياً و20% من إمدادات الغاز المسال العالمية. ضربت طهران الغاز القطري وأرامكو السعودية، بعد تحذير صدر عن الرياض بأنها سترد على الاعتداءات في حال استمرارها، فيما أكدت قطر أن "مثل هذا الهجوم لا يمكن أن يمضي دون رد"، ما يعني أن الصراع سيصبح الآن أكثر حدة. إيران نفسها التي تضخّ حوالي 3.3 ملايين برميل يومياً في السوق العالمي، أي ما يعادل 3% من الإنتاج الدولي، أوقفت هذا الضخ.
والنتيجة: صدمة عرض مزدوجة، إذ إن الأسواق حالياً لا تتفاعل مع نقص النفط فحسب، بل مع فقدان اليقين. سعر النفط ارتفع بأكبر قدر له في أربع سنوات بنحو 10%، ليتجاوز 80 دولاراً صباح الاثنين. وصول النفط إلى 100-150 دولاراً كما تتوقع كبريات البنوك والشركات أصبح مسألة وقت إذا لم يحدث تطور يعيد أمن الملاحة.
وبدأ الاضطراب العنيف في سوق النفط منذ يوم السبت، مع إعلان طهران أن مضيق هرمز ليس آمناً، لتتصاعد الأحداث بسرعة يوم الأحد باستهداف ثلاث سفن حاولت المرور عبر المضيق، ومحاصرة حوالي 170 سفينة حاويات، بسعة إجمالية تبلغ حوالي 450 ألف حاوية نمطية، مع خيارات خروج محدودة. كما أن ما لا يقل عن 150 ناقلة نفط تنتظر في الخارج، راسية في المياه المفتوحة. وقد ارتفعت تكاليف التأمين لأي سفينة تحاول المرور عبر المنطقة ارتفاعاً حاداً، ما جعل الرحلات غير مجدية تجارياً.
ويُعدّ مضيق هرمز أهم ممر مائي حيوي في العالم، إذ يمرّ عبره يومياً نحو 15 مليون برميل من النفط الخام، أي ما يُعادل 20% تقريباً من إمدادات النفط العالمية القادمة من دول الخليج (السعودية، والعراق، والإمارات، والكويت، وقطر). كذلك تمرّ عبره كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال.
إلا أن أزمة أخرى أطلّت برأسها، وهي استهداف يطاول ليس فقط حركة تصدير النفط والغاز عبر هرمز، بل أيضاً الإنتاج والعرض العالمي: فقد قصفت إيران صباح الاثنين عملاق النفط السعودي أرامكو، وعلى إثر ذلك أوقفت الشركة عملياتها في أكبر مصفاة نفط في المملكة، وهي رأس تنورة، بعد غارة جوية بطائرة مسيرة. ويضم مجمع رأس تنورة، الواقع على ساحل الخليج العربي للمملكة، واحدة من أكبر مصافي النفط في الشرق الأوسط، بسعة 550 ألف برميل يومياً، ويعمل كمحطة تصدير حيوية للنفط الخام السعودي. ووفق تصريحات المتحدث باسم وزارة الدفاع السعودية فإنه جرى اعتراض طائرتين مسيرتين في الموقع، وتسببت الحطام في اندلاع حريق محدود، مضيفاً أنه لم تقع إصابات.
كما أعلنت شركة قطر للطاقة وقف إنتاج الغاز الطبيعي المُسال، إثر اعتداء عسكري إيراني على مرافقها في مدينة مسيعيد الصناعية ومجمع رأس لفان الضخم الذي يذم خطوط تسييل الغاز في قطر، وهي وحدات معالجة ضخمة تقوم بتبريد الغاز الطبيعي إلى درجات فائقة الانخفاض لتحويله إلى سائل بغرض تصديره عبر السفن. ويمثل إنتاج قطر من الغاز الطبيعي المسال نحو 20 بالمئة من الإمدادات العالمية. وقطر ثاني أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم بعد الولايات المتحدة، وتلعب دورا محوريا في تلبية احتياجات أسواق الغاز الطبيعي المسال في آسيا وأوروبا. وقال ماجد الأنصاري المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية لشبكة (سي.إن.إن) أمس الاثنين إن قطر اعترضت هجمات إيرانية استهدفت بنية تحتية مدنية من بينها المطار الدولي، مضيفا أن مثل هذه الهجمات لا يمكن أن تمضي دون رد.
كذلك بسبب القصف الإيراني، أفاد مشغلو الحقول النفطية بتوقف معظم إنتاج النفط في إقليم كردستان العراق، الذي صدّر نحو 200 ألف برميل يومياً إلى تركيا في فبراير/ شباط الماضي.
وفي سياق تقليص المعروض العالمي، تُضيف عمليات الإغلاق الاحترازية لحقلي الغاز الإسرائيليين، ليفياثان وكاريش، مزيداً من الضغط على أسواق الغاز والغاز الطبيعي المسال العالمية. يُعدّ هذان الحقلان من أهمّ موردي الغاز لمصر، التي بلغت وارداتها من الغاز الإسرائيلي ما يقارب عشرة مليارات متر مكعب العام الماضي.
وفي أخطر التوقعات، قال "جي بي مورغان": "إذا استمر النزاع لأكثر من ثلاثة أسابيع، فسوف يستنفد منتجو النفط في دول مجلس التعاون الخليجي طاقتهم التخزينية وسيضطرون إلى إيقاف الإنتاج". ما يعني أنه إذا استمر إغلاق هرمز لثلاثة أسابيع، ستمتلئ الخزانات في دول الخليج لأنها لا تستطيع التصدير، مما سيجبرها على إغلاق الآبار. إعادة تشغيل آبار النفط بعد إغلاقها قسرياً عملية معقدة ومكلفة تقنياً، مما يعني أن الأزمة قد تمتد آثارها لشهور حتى بعد فتح المضيق.
وحذّر محللو الطاقة في شركة بيرنشتاين للأبحاث في تقرير نشر على موقع الشركة الإلكتروني من أن إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة قد يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط، لتصل إلى ما بين 120 و150 دولاراً للبرميل. وتشير الشركة إلى أن التأثير المحتمل على أسواق الطاقة قد يكون أشدّ وطأةً من حظر أوبك عام 1973.
فيما قال محللو سيتي غروب، في مذكرة: "نتوقع أن يتم تداول خام برنت في نطاق 80 إلى 90 دولاراً للبرميل في سيناريو أساسي، على الأقل خلال الأسبوع المقبل، وإذا تضررت البنية التحتية النفطية الإقليمية، فقد ترتفع الأسعار إلى 120 دولاراً للبرميل، مع إعطاء احتمال بنسبة 20% لحدوث هذا السيناريو.
بدوره، قال خورخي ليون؛ رئيس قسم التحليل الجيوسياسي في شركة ريستاد إنرجي، لتلفزيون بلومبيرغ: "نحن ندرس سيناريو يستمر فيه اضطراب طويل الأمد في مضيق هرمز، لأكثر من بضعة أيام، نحو أسابيع أو شهور، وعندها نرى بالتأكيد سيناريو محتملاً لسعر 100 دولار للبرميل".
واعتبرت شركة وود ماكنزي، في تقرير على موقعها الإلكتروني، أنه حتى في السيناريو الأكثر تفاؤلاً - وهو السيناريو الذي يختار فيه النظام الإيراني التعاون مع الولايات المتحدة - من المرجح أن يستغرق الأمر بضعة أسابيع قبل أن تعود تدفقات الصادرات إلى وضعها الطبيعي تماماً. وقد يؤدي الفشل في إعادة تدفق النفط عبر مضيق هرمز سريعاً إلى ارتفاع الأسعار مجدداً لتتجاوز 100 دولار للبرميل.
ورفعت مورغان ستانلي المصرفية توقعاتها لسعر النفط إلى 80 دولاراً للبرميل للربع الثاني، ارتفاعاً من 62.50 دولاراً، وفقاً لما ذكره محلّلون، من بينهم مارتين راتس في مذكرة أمس الاثنين.
وقال محللون، من بينهم هيليما كروفت من شركة آر بي سي كابيتال ماركتس، إن أسعار النفط قد تصل إلى 100 دولار للبرميل في حالة حدوث اضطراب مستمر في الملاحة، أو هجمات على منشآت الطاقة الحيوية في المنطقة. إذا طال أمد الصراع، فقد تصبح العواقب وخيمة بسرعة. قد يضطر منتجون إقليميون مثل العراق إلى خفض إنتاجهم إذا لم يتمكنوا من تصدير ما يقارب 3.5 ملايين برميل يومياً من منتجاتهم الجنوبية، وستكون أي زيادات في إنتاج أوبك عديمة الجدوى إذا ظلت الممرات البحرية متضررة، مما سيؤدي فعلياً إلى توقف الإمدادات الإقليمية.
وقالت مجموعة غولدمان ساكس الأميركية إن علاوة المخاطر في الوقت الفعلي لأسعار النفط الخام تبلغ حوالي 18 دولاراً للبرميل، وهو ما يتوافق مع تقديرها لتأثير التوقف الكامل لحركة ناقلات النفط في مضيق هرمز لمدة ستة أسابيع.
أما أوروبا التي ظنت أنها نجت من "شتاء بوتين" تجد نفسها الآن في مواجهة "مضيق إيران". اعتماد أوروبا على الغاز القطري الذي يمر عبر هرمز يجعل القارة العجوز مكشوفة تماماً. وكتب محللون في "غولدمان ساكس غروب" في مذكرة أن توقف شحنات الغاز من المرور من مضيق هرمز لمدة شهر قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الغاز الأوروبية والغاز الطبيعي المسال الفوري في آسيا بنسبة 130% إلى 25 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية.
وقد ارتفعت أسعار الغاز بالجملة في هولندا وبريطانيا بأكثر من 25% صباح الاثنين، وزادت أوروبا وارداتها من الغاز الطبيعي المسال خلال السنوات القليلة الماضية، في إطار سعيها للتخلص التدريجي من الغاز الروسي في أعقاب غزو روسيا لأوكرانيا.
قال أولي هفالباي؛ محلل السلع في بنك SEB لوكالة رويترز: "يرتبط نحو 8-10% من واردات الغاز الطبيعي المسال الأوروبية بشكل غير مباشر بتدفقات هرمز. وفي حالة حدوث اضطراب، سيتنافس المشترون الآسيويون بشدة على شحنات الغاز الطبيعي المسال الأميركية، ما سيؤدي إلى تضييق المعروض في حوض الأطلسي ودفع الأسعار الأوروبية إلى الارتفاع بشكل حاد". وحذر المحللون من أن استمرار الاضطرابات لفترة طويلة قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار بشكل أكبر.

أخبار ذات صلة.
وصول منتخب إيران للسيدات إلى ماليزيا
الشرق الأوسط
منذ 3 دقائق