ليلة "القرنقعوه"... الحرب تحرم أطفال قطر والخليج مكافأة الصيام
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
على مدار عقود، اعتاد أطفال قطر والخليج العربي، إحياء "القرنقعوه"، وفي العام الحالي، قررت المؤسسات العامة والخاصة  إلغاء فعاليات الاحتفال السنوي الذي يتزامن مع ليلة منتصف رمضان، نتيجة الحرب المتواصلة في المنطقة، وامتثالاً للتوجيهات الرسمية بشأن الإجراءات الاحترازية للسلامة العامة. ويمثل الاحتفال التقليدي المتوارث تكريماً للأطفال الذين قطعوا منتصف الطريق وصاموا الأسبوعين الماضيين من شهر رمضان، ربما لأول مرة في حياتهم، وهو تحفيز وتشجيع لهم على الاستمرار في صيام النصف الثاني من الشهر. ويرتدي الأطفال في ليلة "القرنقعوه" الملابس التقليدية الشعبية ذات الطابع الخليجي الخاص، إذ يرتدي الأولاد الثياب البيضاء الجديدة ويعتمرون "القحفية" وهي طاقية مطرّزة عادة بخيوط فضية، بالإضافة إلى "الصديري" المطرّز، وهو رداء شعبي يُلبس فوق الثوب ويتدلى حتى الخصر. أمّا الفتيات فيرتدين فوق ملابسهنّ العادية "الثوب الزري"، وهو ثوب يشعّ بالألوان ومطرّز بالخيوط الذهبية، ويضعن أيضاً "البخنق" لتغطية رؤوسهنّ، وهو قماش أسود تزيّنه أيضاً خيوط ذهبية في الأطراف، إلى جانب التزيّن ببعض الحُلي التقليدية.  ويحمل الأطفال أكياساً من القماش أو الجلد تُسمّى "الخريطة"، تُعلّق في أعناقهم، ويطوفون على بيوت الفريج (الحيّ) وهم يردّدون أهازيجهم الحماسية، ويطرقون الأبواب بغية ملء الأكياس التي يحملونها بمختلف أنواع الحلوى والمكسّرات. ويردّدون في ليلة "القرنقعوه" قولهم: "قرنقعوه قرقاعوه، أعطونا الله يعطيكم، بيت مكة يودّيكم، يا مكة يا المعمورة، يا أم السلاسل والذهب يا نورة". ومنذ بداية شهر رمضان، تبدأ الأسر القطرية بتحضير سلال كبيرة تُسمّى "الجفير" باللهجة القطرية والخليجية، تملأها بمكسّرات وسكاكر من قبيل الزبيب واللوز والجوز وعين الجمل والنخي والملبّس وغيرها، كي تُعبّئ بها أكياس الأطفال الزائرين الذين يسيرون في مجموعات، ويطرقون أبواب المنازل في الفريج. ويقضي الطابع التقليدي للاحتفال بالقرنقعوه بأن ينتظر الكبار في بيوتهم حتى يأتي الأطفال ويقرعوا الأبواب ويطلبوا الحلوى والمكسّرات، بينما ينهمك الكبار في توزيع محتويات الجفير (السلة الكبيرة) على الأطفال قبل الانطلاق للمشاركة في الاحتفالات العامة التي تنتشر في أرجاء العاصمة القطرية. وقبل حلول ليلة منتصف رمضان بأيام، تحرص المحال الكبرى والمتخصصة على عرض بضائعها من مكسّراتٍ وزينة، بينما تتبارى المصمّمات على استقطاب الأمهات بتفصيل ثياب هذه الليلة، ويُقدّمن عروضاً مُغرية في هذا الخصوص. لم يعد الاحتفال حكراً على الأسر والعائلات، فقد درجت مؤسسات قطرية كثيرة في القطاعين العام والخاص، منذ سنوات، على إعداد برامج خاصة للاحتفال بهذا الموروث الشعبي العريق، تقوم خلالها باستضافة الموظفين رفقة عائلاتهم، وتوزيع  أكياس المكسّرات بهدف إدخال البهجة إلى نفوس الأطفال. وفي هذا الإطار، يشيد الكاتب والباحث في التراث الشعبي الخليجي خليفة السيد المالكي بحرص العائلات القطرية والأطفال على الاحتفال بـ"القرنقعوه" والمحافظة على هذا التقليد التراثي الجميل. ويقول في حديث خاص لـ"العربي الجديد": "القرنقعوه عادة شعبية تراثية عايشناها ومارسناها منذ الصغر، وهي تعبير عن حب الناس بعضهم بعضاً، وأيضاً تكريم العيال أي الأطفال الذين أتمّوا صيام نصف شهر رمضان، وتشجيعهم على مواصلة صيام الشهر كاملاً، بحيث يُستقبل الأطفال الذين يطرقون أبواب البيوت في الفريج، وهم ينشدون الأهازيج، وتُوزّع عليهم الحلوى". ويتحدث المالكي عن تبدّل الأحوال، إذ صارت هذه العادة الشعبية الجميلة نوعاً من التجارة، بعد أن خرجت عن المألوف بحكم تطوّر الزمن والعادات والتقاليد، وبات كل تاجر يتفنّن في تسويق سلعِه بهذه المناسبة. ويتابع: "لذلك، أصبحنا نرى أشياء غريبة عجيبة خلال الاحتفال بالقرنقعوه، ترتّب كلفة على الناس وتعود بالفائدة على التجار، ولا ندري مستقبلاً كيف سيتطور الاحتفال بها".  ويتمنّى المالكي الحفاظ على هذه العادة الرمضانية الجميلة، وأن تستمر بشكلها الصحيح كما عُرفت قديماً، ويقول: "إن كان لا بدّ من تطوير الاحتفال بها، فليكن، ولكن بشكل لا يُخلّ بقيمتها ولا بشكلها البسيط، خصوصاً أنها تتحول اليوم إلى احتفال استهلاكي كما نشاهد. مع العلم أنّ جمال الاحتفال يكون بشكله التقليدي والبسيط الذي لا يكلّف الأسر الكثير، ولا يُرهقها مادياً.      وتنتشر إعلانات الاحتفالات بالقرنقعوه والحلويات والألبسة المرتبطة بها بشكل كبير، سواء على مواقع التواصل الاجتماعي أو في الصحف، إذ تعرض الإعلانات أنواعاً فاخرة من الحلويات والمكسّرات موضّبة مثلاً في علبٍ تتجاوز قيمتها مئات الريالات، بالإضافة إلى دعايات لموائد طعام مفتوحة وملابس تراثية باهظة الثمن غير مرتبطة أصلاً بالقرنقعوه. وليلة القرنقعوه معروفة في مختلف مناطق الخليج العربي بشكل عام. وبحسب اختلاف المكان، تختلف الأهازيج الخاصة بهذه المناسبة وبمسمّيات هذه الليلة. فيُطلَق عليها في قطر والكويت والمنطقة الشرقية في السعودية "القرنقعوه"، فيما تُسمّى في البحرين "القرقعون"، ويُطلق عليها أهل سلطنة عُمان "القرنقشوه"، أمّا في الإمارات فيُحتفل بهذا التقليد في ليلة النصف من شهر شعبان، بما يُسمّى "حقّ الليلة" أو "القرقيعان". غير أنّ أغلب دول الخليج تشترك في الاحتفال بهذه الليلة في منتصف شهر رمضان من كلّ عام. وتشير كتب التراث إلى ثلاثة آراء في معنى القرنقعوه التي يُحتفل بها في مثل هذا التاريخ. بالنسبة إلى الرأي الأول، فهي مشتقّة من قرقعة الحصى، إذ إنّ الأمّهات قديماً كُنّ، خلال ذهابهنّ إلى البرّ في فصل الربيع، يجلبنَ معهنّ حصى ملساء ويحتفظنَ بها لهذه الليلة، وتعطي الأمّ كلّ طفل أو طفلة اثنتَين من تلك الحصى الملساء بيضاوية الشكل التي تُسمّى "الصمية"، علماً أنّها من حجارة الصوّان. وهكذا، يضرب الطفل إحداهما بالأخرى لتُحدثا صوتاً شبيهاً بالقرقعة. أمّا الرأي الثاني الخاص بتسمية هذه الليلة، فيقول إنّ "قرنقعوه" تعني قرع الأطفال على أبواب البيوت، فيما الرأي الثالث ينسبها إلى "قرّة العين" في شهر رمضان. 

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية