ترجمة وتحرير “يمن مونيتور”
أحدث مقتل المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، في حملة جوية أمريكية إسرائيلية، هزات ارتدادية في أنحاء الشرق الأوسط، مما أدى إلى قطع رأس قيادة “محور المقاومة” في أكثر لحظاته حرجاً.
وعلى مدار عقود، كانت هذه الشبكة من الجماعات المتحالفة مع إيران تمثل خط الدفاع الأول لطهران. ولكن اليوم، ومع مقتل قائدها الأعلى وقطع شرايينها اللوجستية، يبدو التحالف أقل شبهاً بآلة حرب موحدة، وأقرب إلى سلسلة من الجزر المعزولة التي تخوض حروب بقاء يائسة.
وفي مقابلة حصرية مع “الجزيرة”، أصر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على أن الجمهورية الإسلامية لا تحتاج إلى وكلائها لخوض معاركها.
وقال عراقجي عند سؤاله عن دور الميليشيات المتحالفة: “لا نتوقع شيئاً من أحد. يمكننا الدفاع عن أنفسنا بأنفسنا… ولا نريد من أي طرف مساعدتنا في الدفاع عن أنفسنا”.
تخلق هذه التصريحات مفارقة صارخة؛ ففي الوقت الذي تزعم فيه طهران أنها تقف بمفردها، دخل أقوى وكلائها، حزب الله، المعركة رسمياً — ليس بالضرورة لمساعدة إيران، بل لإنقاذ نفسه.
حزب الله: استباق ما لا مفر منه
في بيروت، انهارت حالة الحذر التي سادت خلال أول 48 ساعة.
يوم الإثنين، أطلق حزب الله رشقة صاروخية استهدفت شمال إسرائيل، وربط الهجوم صراحة باغتيال خامنئي. ورد الجيش الإسرائيلي بغارات جوية واسعة النطاق على الضاحية الجنوبية لبيروت ووادي البقاع.
وصرح علي رزق، وهو محلل أمني مقيم في بيروت، للجزيرة بأن تحول موقف حزب الله كان مدفوعاً على الأرجح بخوف وجودي وليس مجرد تضامن.
وقال رزق: “حزب الله يعتقد أنه سيكون التالي على القائمة”، مشيراً إلى أن الجماعة لا تزال تمتلك “ترسانة هائلة” رغم الخسائر الأخيرة. وأضاف: “كان بعض المسؤولين يتوقعون أن تستهدف إسرائيل قادة الجماعة المسلحة بعد الهجمات على إيران”.
ويرى محللون أن حزب الله، من خلال الضرب الآن، يحاول استباق هجوم إسرائيلي شامل. وتواجه الجماعة هجمات أحادية الجانب من قبل إسرائيل منذ التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024.
ويتجذر هذا التصعيد في واقع استراتيجي جديد؛ فمنذ انهيار حكم بشار الأسد في سوريا في أواخر عام 2024، انقطع “الجسر البري” الذي كان يمد حزب الله بالإمدادات. وبدون طهران كجهة راعية، تخاطر الجماعة بفقدان شريان حياتها المالي واللوجستي الرئيسي.
ومع مقتل كبار قادة الحرس الثوري الإيراني إلى جانب خامنئي، يبدو أن حزب الله قد قرر أن الانتظار لم يعد خياراً مطروحاً، حتى لو كان ذلك يعني خوض حرب دون قيادة منسقة.

الحوثيون: حسابات متقلبة
في اليمن، يواجه الحوثيون حسابات أكثر تقلباً.
ففي أول خطاب متلفز له بعد بدء الضربات على إيران يوم السبت، أعلن زعيم الجماعة، عبد الملك الحوثي، أن قواته “على أهبة الاستعداد لأي تطورات”. ومع ذلك، شدد في خطابه بشكل ملحوظ على أن “إيران قوية” وأن “ردها سيكون حاسماً”، وهي صياغة فسرها المحللون على أنها محاولة لإبعاد عبء الحرب الفوري عن كاهل الحوثيين.
ويواجه الحوثيون ضغوطاً هائلة؛ فبينما نجحوا في تعطيل الملاحة في البحر الأحمر وإطلاق صواريخ باتجاه تل أبيب، يواجهون الآن تهديداً متجدداً في الداخل.
فقد استشعرت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً تحولاً في الزخم، وذلك بعد فوزها في صراع على السلطة ضد الانفصاليين الجنوبيين. وصرح وزير الدفاع طاهر العقيلي مؤخراً بأن “مؤشر العمليات يتجه نحو العاصمة صنعاء” التي يسيطر عليها الحوثيون، في إشارة إلى هجوم بري محتمل لاستعادة الأراضي.
يضع هذا الأمر الحوثيين في مأزق؛ فبينما التقى المفاوض الحوثي محمد عبد السلام مؤخراً بالمسؤول الإيراني علي لاريجاني في مسقط لمناقشة “وحدة الساحات”، فإن الواقع على الأرض يبدو مختلفاً. إذ إن الانخراط في حرب من أجل إيران قد يترك جبهة الحوثيين الداخلية مكشوفة أمام قوات الحكومة المدعومة من خصوم إقليميين.
وحذر المجلس السياسي الأعلى التابع للحوثيين في بيان من أن “توسيع دائرة الاستهداف لن يؤدي إلا إلى توسيع دائرة المواجهة”، وهو تهديد بالتصعيد لكنه يتضمن اعترافاً ضمنياً بالتكلفة الباهظة لحرب أوسع نطاقاً.
العراق: القنبلة الموقوتة الداخلية
لعل المعضلة ليست أكثر حدة مما هي عليه في العراق، حيث تلاشت الحدود بين الدولة و”المقاومة” بشكل خطير.
تجد الميليشيات الموالية لإيران، والتي يعمل الكثير منها تحت مظلة قوات الحشد الشعبي المعترف بها من الدولة، نفسها الآن في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة. وقد تصاعدت التوترات منذ أواخر عام 2024 عندما كشف إبراهيم الصميدعي، مستشار رئيس الوزراء العراقي، أن واشنطن هددت بتفكيك هذه الجماعات بالقوة، وهو تحذير أدى إلى استقالته تحت ضغط من قادة الميليشيات.
واليوم، يبدو هذا التهديد أكبر من أي وقت مضى. وخلافاً لحزب الله أو الحوثيين، فإن هذه الجماعات تعد تقنياً جزءاً من المؤسسة الأمنية العراقية. وأي رد انتقامي ينطلق من الأراضي العراقية لن يخاطر بحرب ميليشيات فحسب، بل بصراع مباشر بين الولايات المتحدة والدولة العراقية.
ومع مقتل قادة الحرس الثوري الإيراني الذين كانوا يتوسطون لتهدئة هذه التوترات، اختفت “اليد الكابحة”. وقد يقرر قادة الميليشيات المعزولون الآن ضرب القواعد الأمريكية من تلقاء أنفسهم، مما يجر بغداد إلى حرب حاولت الحكومة جاهدة تجنبها.
مقاومة بلا رأس
لقد أدى اغتيال خامنئي جوهرياً إلى تحطيم هيكل القيادة والسيطرة لـ “محور المقاومة”.
بنيت هذه الشبكة على ثلاث ركائز: السلطة الأيديولوجية للمرشد الأعلى، والتنسيق اللوجستي للحرس الثوري الإيراني، والاتصال الجغرافي عبر سوريا. واليوم، تحطمت الركائز الثلاث.
ومع ذلك، وكما أظهرت أحداث يوم الإثنين، فإن هيكل القيادة المحطم لا يعني بالضرورة الصمت، بل يعني الفوضى.
وقال داريني: “إن الضرر الأهم الذي لحق بمصالح إيران الأمنية هو قطع الرابط البري”. ومع رحيل خامنئي، انقطع “الرابط الروحي” أيضاً.
وما تبقى هو مشهد ممزق؛ ففي لبنان، يشن حزب الله ضربات استباقية من أجل البقاء، وفي اليمن، يواجه الحوثيون هجوماً محلياً محتملاً، وفي العراق، تخاطر الميليشيات بانهيار الدولة التي تعيش في كنفها.
وعندما ينجلي الغبار في طهران، ستواجه المنطقة حالة من عدم اليقين الخطيرة. فـ “محور المقاومة” لم يعد جيشاً منسقاً، بل بات مجموعة من الميليشيات الغاضبة والمدججة بالسلاح، والتي تحسب كل منها قرارات بقائها في عالم توقفت فيه الأوامر من طهران فجأة — وحيث تقول طهران صراحة إنها تخوض معاركها وحدها.
المصدر: Al Jazeera English
The post تحليل- مقتل خامنئي يترك “محور” إيران في حالة فوضى مع اتساع رقعة الحرب appeared first on يمن مونيتور.