الحرب والخلافة والاختبار المحفوف بالمخاطر لرؤيتين حول إيران
أهلي
منذ يومين
مشاركة

ترجمة وتحرير “يمن مونيتور”

مجلة (ذي إيكونوميست)

منذ الثورة الإسلامية عام 1979، اتسمت العلاقة بين أمريكا وإيران غالباً بكونها صراعاً بين أساطير متنافسة؛ إذ رأت الجمهورية الإسلامية في العداء مع “الشيطان الأكبر” ركيزة أساسية لبقائها، بينما رأت أمريكا نظاماً يترنح باستمرار على حافة الانهيار، وبلداً مهيأً للتغيير. وبغض النظر عن أن صراع إيران مع أمريكا كان مصدراً دائماً للويلات، أو أن النظام صمد لما يقرب من نصف قرن، فقد استمرت هذه الأساطير.

إن الحرب التي بدأت في 28 فبراير ستختبر أي من هاتين الرؤيتين هي الصحيحة؛ إذ تأمل أمريكا أن تتمكن سريعاً من استبدال نظام أضعفته سنوات من الاحتجاجات والحرب والأزمات الاقتصادية. وقد حث دونالد ترامب الإيرانيين على “السيطرة على حكومتهم”، فيما اغتالت إسرائيل وأمريكا عدداً من القادة السياسيين والعسكريين، من بينهم آية الله علي خامنئي، المرشد الأعلى لإيران. أما إيران، فترى من جانبها أنها قادرة على الصمود مرة أخرى؛ فمن الأفضل تحمل وطأة الحرب بدلاً من تقديم تنازلات لعدوها القديم.

وتعد هذه هي المرة الثانية فقط التي تختار فيها إيران ما بعد الثورة زعيماً جديداً (كانت المرة الأولى في عام 1989). واليوم، قد تضطر البلاد إلى خوض غمار عملية الخلافة تحت نيران أمريكية وإسرائيلية مستمرة. وبعد حربها السابقة مع إسرائيل في يونيو، بدأ النظام الاستعداد للجولة التالية؛ حيث عين المرشد الأعلى بدلاء للمناصب الرئيسية، ثم بدلاء للبدلاء. أما بالنسبة لآية الله نفسه، فإن الدستور يحدد عملية واضحة للخلافة: تتولى لجنة ثلاثية السلطة بعد وفاة المرشد الأعلى، ثم تختار هيئة منفصلة بديلاً له.

وقد دخلت هذه العملية حيز التنفيذ بعد ساعات من تأكيد وفاة خامنئي؛ حيث تستقر السلطة الآن مؤقتاً بين يدي الرئيس مسعود بزشكيان، ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي، ورجل الدين علي رضا أعرافي. وكان اسم السيد أعرافي قد ذكر مؤخراً كمرشح محتمل لخلافة المرشد الأعلى (وربما يكون تعيينه هذا خطوة نحو المنصب الأرفع). وظهر بزشكيان على التلفزيون الرسمي لدحض شائعات مقتله في غارة إسرائيلية، ومع ذلك، ليس من الواضح ما إذا كان بإمكان هذه الثلاثية الاجتماع شخصياً بأمان، خوفاً من استهدافهم.

وإذا كان النظام يأمل في أن تؤدي الحرب إلى تأثير “الالتفاف حول العلم”، فقد يصاب بخيبة أمل؛ فبعد وفاة خامنئي، شوهدت مشاهد لإيرانيين يهتفون ويرقصون في شوارع طهران وأصفهان ومدن أخرى. ومع ذلك، شهد صباح اليوم التالي أيضاً مسيرات لتشييع آية الله. ولم تظهر أي علامة على استجابة الإيرانيين لدعوة ترامب للانتفاض؛ فالكثير منهم يمقتون النظام، لكن الكثيرين الآخرين يدعمونه، سواء عن قناعة أو مصلحة ذاتية، والمعسكر الأخير هو الذي يمتلك السلاح.

لقد ضربت أمريكا وإسرائيل قوات الأمن الإيرانية، بما في ذلك “الباسيج” (مليشيا النظام الشعبية)، لكن من المفترض أن هناك آلافاً لا يزالون مستعدين للقتال من أجل الجمهورية الإسلامية، في مواجهة معارضة غير منظمة لا تملك الكثير لتعتمد عليه سوى وعود رئيس أمريكي لا يمكن الوثوق به.

وفي بعض الأحيان، تراجع ترامب بالفعل عن حديثه حول تغيير النظام؛ ففي مقابلة أجراها في الأول من مارس مع مجلة “ذا أتلانتيك”، قال إن حكام إيران الجدد يتوقون للتفاوض، وهو كذلك، حيث صرح: “إنهم يريدون التحدث، وقد وافقت على ذلك، لذا سأتحدث معهم. كان ينبغي عليهم فعل ذلك في وقت مبكر”. ولم يتضح مع من ينوي التحدث، أو حول ماذا، فإبرام صفقة نووية -التي كانت محور دبلوماسية ما قبل الحرب- قد لا يكون كافياً لإرضاء أمريكا بعد الآن.

ويبدو أن الأمل يكمن في أن تجد أمريكا نسخة إيرانية من “ديلسي رودريغيز”، تلك الشخصية المذعنة من داخل النظام التي تولت زمام الأمور في فنزويلا بعد أن اختطفت أمريكا رئيسها نيكولاس مادورو في يناير. ومع ذلك، ربما يمثل هذا سوء فهم لطبيعة النظام؛ فلا يوجد شخص واحد قوي بما يكفي للاستيلاء على السلطة، ومن المخاطرة بمكان الظهور بمظهر المذعن تماماً لأمريكا أو حلفائها.

وعلى مدى السنوات القليلة الماضية، قاد علي لاريجاني، المسؤول القوي في النظام، مساعي إيران للتواصل مع جيرانها العرب عبر الخليج، وبدأ بعض المسؤولين في المنطقة ينظرون إليه كسياسي عملي يمكنهم التعامل معه. إلا أن لاريجاني، في منشور باللغة العربية على وسائل التواصل الاجتماعي في الأول من مارس، حاول تبرير يومين من الضربات الإيرانية على دول الخليج، حيث كتب: “نحن لا نسعى لمهاجمتكم. ولكن عندما تُستخدم القواعد في بلادكم لمهاجمتنا، فسنستهدف تلك القواعد”. وكان ذلك بمثابة ممارسة للتضليل؛ فقد أطلق النظام طائرات مسيرة على مطارات مدنية وفنادق فاخرة وأبراج سكنية شاهقة. وربما يخبرهم لاريجاني بشيء مختلف في السر، لكن تعليقاته دفعت بعض الدبلوماسيين العرب للتساؤل عما إذا كان بإمكان “البراغماتيين” أن يأملوا في ممارسة السلطة في إيران اليوم.

وهناك تلميحات إلى أن النظام يكافح بالفعل لبسط سيطرته في جميع أنحاء البلاد؛ ففي بداية حرب الـ12 يوماً في يونيو، أصيب النظام بالشلل بسبب ضربة إسرائيلية أسفرت عن مقتل وإصابة كبار القادة السياسيين والعسكريين، واستغرق الأمر معظم اليوم لتنظيم هجوم مضاد ذي قيمة. وعندما جاء الرد حينها، كان كبيراً ومركزاً، حيث أطلق الحرس الثوري الإيراني نحو 200 صاروخ باليستي في عدة موجات كبيرة على مدار ليلة واحدة.

أما الرد في نهاية هذا الأسبوع فقد كان كبيراً، ولكنه أكثر عشوائية: رشقات أصغر ضد إسرائيل، وهجمات عشوائية على أهداف مدنية في دول الخليج. ويبدو للعديد من المحللين كما لو أن النظام فوض اتخاذ القرار للقادة في الميدان. وقد اعترف وزير الخارجية عباس عراقجي بذلك في مقابلة مع قناة الجزيرة في الأول من مارس، قائلاً: “وحداتنا العسكرية الآن، في الواقع، مستقلة ومعزولة نوعاً ما”.

وهذا يثير سؤالاً أكبر؛ إذ كان الافتراض السائد قبل الحرب هو أن الحرس الثوري الإيراني، الحرس الإمبراطوري للنظام، قد يتدخل للسيطرة بعد وفاة خامنئي. ويُعد الحرس الثوري أقوى قوة عسكرية في إيران، ويشرف على إمبراطورية اقتصادية واسعة، ومع ذلك، فإن سجلهم العسكري ليس مبهراً؛ فخلال العامين الماضيين، شتتت إسرائيل وكلاءهم في لبنان وغزة – والذين لم ينضم أي منهم إلى الحرب بعد. كما انهار نظام الأسد الذي دعموه في سوريا. وفي عام 2024، شنوا هجومين غير فعالين بالصواريخ البالستية ضد إسرائيل، وهو خطأ استراتيجي حطم قدرتهم على الردع.

يتخوف الدبلوماسيون في الخليج من وجود “دولة مفتتة وغير مستقرة” تعصف بها الميليشيات والفوضى. والخوف يكمن في أن يثبت خطأ كلتا الأسطورتين حول إيران: أن النظام الضعيف وغير الشعبي أقل متانة مما يعتقد، وأن أمريكا ليس لديها خطة عملية لاستبداله.

 

The post الحرب والخلافة والاختبار المحفوف بالمخاطر لرؤيتين حول إيران appeared first on يمن مونيتور.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية